«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟

ذنيبات: ترخيص الجمعية ليس انشقاقًا بل تصحيح لواقع الجماعة

«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟
TT

«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟

«إخوان» الأردن.. الدخول إلى بيت الطاعة؟

شهد الأردن أخيرًا خطوة سياسية وأمنية لافتة، إذ أعلنت جماعة الإخوان المسلمين غير المرخص لها أن السلطات داهمت مقرها الرئيسي في منطقة العبدلي بالعاصمة عمّان، وبعد إخراجها من كان فيه، أغلقته بالشمع الأحمر. وحصلت المداهمة بناءً على شكوى تقدم بها عبد المجيد ذنيبات، الأمين العام للجناح المرخص له من الجماعة، التي تعدّ من أكبر التنظيمات في البلاد، ويعد جناحها السياسي الذي يحمل اسم «جبهة العمل الإسلامي» أحد من أقوى الأحزاب السياسية في الأردن. وكانت قيادة الجماعة (الملغاة رخصتها) التي يرأسها المراقب العام الدكتور همام سعيد قد قرّرت فصل المراقب العام السابق عبد المجيد ذنيبات و49 قياديا على خلفية انشقاقهم وتقدّمهم بطلب للحكومة لترخيص الجماعة وتصويب وضعها القانوني لفك ارتباطها بالجماعة الأصل في مصر.
يصرّ عبد المجيد ذنيبات، المراقب العام الجديد لجمعية جماعة الإخوان المسلمين في الأردن المرخّصة، على أن «قيادة الإخوان الحالية أصبحت غير شرعية وغير قانونية» في أعقاب موافقة الحكومة الأردنية على ترخيص جديد لجمعيته في مارس (آذار) العام الماضي، وفكّ ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، و«لذا فإن قيادة جماعة الإخوان أصبحت فاقدة للشرعية، ولا تمثل الإخوان المسلمين».
ذنيبات يضيف أن حصوله على ترخيص جديد «ليس انشقاقا بل هو تصحيح لواقع الجماعة الذي لم يكن قانونيًا في الأردن» وأن ما دفعه ومجموعة من أعضاء الإخوان إلى التقدّم بطلب ترخيص من الحكومة لتشكيل جمعية هو أن الإخوان في الأردن رخّص لهم عام 1945 على أنهم فرع لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر. وبعد قرار حل الإخوان في مصر، واعتبارها «منظمة إرهابية»، ولأن الفرع يتبع الأصل، لذا فإنهم منذ سنتين دعوا من أجل تصويب الوضع القانوني للجماعة في الأردن عبر فك ارتباطها بـ«إخوان» مصر، لكن القيادة في الجماعة رفضت ذلك. ويؤكد ذنيبات أن جمعيته الجديدة لا يهمّها اعتراف أي منظمة دولية أو عربية لأن أعضاءها أصبحوا «جماعة أردنية لا تتبع أحدًا»، وهم يملكون الشرعية الأردنية. ويضيف أنه رُفع الغطاء القانوني عن القيادة السابقة للجماعة في الأردن، داعيًا الجميع إلى الانضمام للجمعية التي رُخصت.
اليوم الحكومة الأردنية من منطلق اعتبارها غير مرخّصة منعت الجماعة الأم من ممارسة أي نشاط جماهيري أو تنظيم أي احتفالات. وكانت دائما تعلل سبب المنع بأن هناك شكوى من الجمعية المرخّصة بانتحال اسمها، وهو ما دفع الجماعة الأم إلى تنظيم فعاليات ومسيرات محدودة العدد باسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» ذراعها السياسي.
إلى ذلك تقدّمت الجمعية المرخّصة بطلب إلى محكمة استئناف عمّان بنقل أملاك الجماعة ومقرّاتها وأموالها إلى الجمعية لكن القضاء انتصر للجماعة ورفض الطلب باعتبار أن الجمعية مكوّن جديد ولا علاقة لها بالجماعة الأم، ومع هذه الضغوط والمضايقات التي فرضتها الحكومة على الجماعة فإنها أصرّت على إجراء انتخابات داخلية من أجل انتخاب مجلس شورى جديد ينتخب من خلاله المراقب العام الذي تنتهي ولايته في نهاية الشهر الحالي. هذا، وكان محافظ العاصمة قد وجّه إلى الجماعة إنذارًا بعدم إجراء هذه الانتخابات لمخالفتها قانون الاجتماعات العامة حيث لم تنصع الجماعة لهذا الإنذار مما أدى إلى اتخاذ قرار بإغلاق المقر العام وإغلاق خمسة مقرات والتي جرت بها الانتخابات الفرعية حيث طالت فروع عمان وإربد والمفرق وجرش ومادبا والعقَبة. ولكن، على الرغم من المنع والإغلاق أجريت انتخابات للفروع في منازل الأعضاء وفاز معظم القيادات الحالية بالتزكية.
من جهته، رفض محمد المومني، وزير الدولة لشؤون الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، إعطاء أي صبغة أو بعد سياسي لإغلاق مقرات الإخوان. وقال المومني خلال مؤتمر صحافي قبل أيام بأنه من هذا المنطلق حاول المسؤولون الحكوميون تجنّب التصريح في الموضوع. وأردف «هناك قضايا في المحاكم بين جماعة الإخوان المسلمين وجمعية الإخوان المسلمين، لكن ما يجري شكاوى تتقدم بها الجمعية المرخصة». وتابع: «تذكرون ما حصل حينما أرادت الجماعة عقد نشاط بذكرى مرور 70 سنة على تأسيسها... وصحيح أن القضاء لم يبت بعد بالقضايا، لكن الجمعية راجعت المؤسسات التنفيذية المعنية بنفاذ القانون مرات عدة بأن جهات أخرى تستخدم اسمها». ومن ثم حثّ المومني الجميع على الانصياع للقانون والالتزام به، قائلا: إنه لا توجد جهات يمكنها أن تتجاوز على القانون.
وحول الاتهامات بـ«اقتحام» مقر حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي جرى قبل أيام، قال الوزير المومني بأن هناك خلطًا في المقرات بين شعب «الإخوان» ومقرات حزب «جبهة العمل الإسلامي»، مشددًا على أن الحزب غير مستهدف ويعمل كونه مرخّصا.
خلفية الموضوع
كما سبقت الإشارة، كانت قيادة جماعة الإخوان المسلمين التي يرأسها المراقب العام الدكتور همام سعيد قرّرت فصل المراقب العام السابق عبد المجيد ذنيبات و49 قياديا في الإخوان، على خلفية «انشقاقهم وتقدمهم بطلب للحكومة لترخيص جماعة الإخوان المسلمين». ولقد حاولت مجموعة ما يعرف بـ«حكماء الإخوان» حل الأزمة وتطويق ذيولها إلا أنها فشلت، وتركّزت الخلافات على الأسباب التالية:
الأول: اتهام كل من تيار «الحمائم» و«اللجنة التحضيرية لإصلاح جماعة الإخوان المسلمين» قيادة الجماعة الحالية ممثلة في المكتب التنفيذي - الذي يرأسه الدكتور سعيد - بقيادة تيار إقصائي، والعمل على تحريك تنظيم سرّي داخل الجماعة، وبتزوير الانتخابات من خلال «شراء الأصوات» و«شراء الذمم»، بينما يردّ المكتب باتهام معارضيه برفض الخضوع لنتائج الانتخابات.
الثاني: اتهام تيار «الحمائم» قيادة الجماعة بالتعنّت ورفض مبادرات الإصلاح، وعدم الالتفات للأصوات المعارضة لها، واللجوء بدلاً من ذلك لتشويه هذه المعارضة والاعتماد على شرعية الصندوق بدلاً من شرعية التوافق، بينما يقول المكتب إن دعاوى الإصلاح تتم خارج أطر الجماعة وتسعى للانشقاق عليها.
الثالث: الاختلاف على برنامج الجماعة وعملها، إذ يتهم «الحمائم» قيادة الجماعة برفض العمل بأجندة وطنية أردنية وإيلاء القضية الفلسطينية الأهمية الكبرى في برامجها، وعدم الاهتمام بالقضايا الوطنية وهموم الأردنيين، وبالعمل لمصلحة تيار من حركة حماس يريد السيطرة على إخوان الأردن، بينما ينفي المكتب هذه التهم ويرد بعض مؤيديه باتهام تيار «الحمائم» بالتخلي عن دعم «القضية المركزية للأمة».
تداعيات «الربيع العربي»
ومع انطلاق شرارة ما بات يعرف بـ«الربيع العربي» دخلت المنطقة في حالة غير مسبوقة من النشاط السياسي والإعلامي والشعبي، بات معها من المستحيل لأي جماعة سياسية أن تعمل في السر، وأخذت نشاطات الإخوان وأسماء قياداتهم وأعضاء المجالس القيادية ونقاشاتهم الداخلية تظهر على صفحات المواقع الإلكترونية حتى قبل أن يعرف بها الإخوان أنفسهم!
ويرى علي أبو السكر، رئيس مجلس شورى حزب «جبهة العمل الإسلامي» وأحد أبرز قياديي جماعة الإخوان أن الجماعة «تتعرّض لضغوط من الحكومة والأجهزة الأمنية لكن العلاقة معها لا تصل إلى حالة القطيعة التامة أو المواجهة، لأن الحكومة تُدرك أن للجماعة دورًا كبيرًا في الوحدة الوطنية. وحتى الشارع الأردني يعرف أن الجماعة هي صمام أمان للوحدة الوطنية ومنع انزلاق الشباب نحو التطرّف والإرهاب لأنها تُشبع حاجاتهم الروحية في الانتماء الديني من خلال هذا الإطار المتوازن المعتدل البعيد عن العنف».
ويقول أبو السكر إن جماعة الإخوان «لها حضور شعبي واسع على الساحة الأردنية والعربية، وقاعدة واسعة في أكثر من 90 دولة في العالم، وتأثير في الشارع العربي والإسلامي، كما كان للجماعة حضور قوي في ثورات الربيع العربي، وهذا ما عرّضها لمحاولات الانتقام من قبل الأنظمة السياسية خلال السنوات القليلة الماضية».
لمحة تاريخية
إلا أن مراقبين يتساءلون عما جرى بين الدولة الأردنية والإخوان على الرغم من تجربة التعايش الطويلة التي بدأت مع استقلال الأردن عام 1946. وعبر 70 سنة كان هناك تعاون في المفاصل التي مرت بها المملكة، فالملك عبد الله الأول هو الذي افتتح أول دار لـ«الإخوان»، وكان مؤسسو الجماعة على علاقة وثیقة به إذ كانت أبوابه مُشرعة لهم يستقبلهم ويستمع إليهم. وحین جاء الملك طلال لم يطرأ أي تغییر على العلاقة.
ثم جاءت مرحلة الملك الحسین التي طال فيها التعاون الاستراتيجي مع الإخوان للفترة الأطول في تاريخ الأردن (47 سنة)، وشهدت العلاقة خلالها تعاونًا في خندق المناهضة للانقلابیین البعثیین والناصريین. على الرغم من أن الإخوان ما كانوا قوة عسكرية فإنهم شكلوا ثقلاً شعبيًا ظهر بصور متعددة منها التظاهر والبیانات والخطب. وبعدها وقف الإخوان ضد مصادمة الفدائیین الفلسطينيين للدولة الأردنیة، كما لم يستغل الإخوان «أحداث الجنوب» (الأردني) كما فعل الیساريون.
هذا كله يحفظه النظام الأردني على الرغم من تفهمه أن الإخوان بمواقفهم هذه إنما كانوا يدافعون أيضًا عن أنفسهم لأن المتحركین في كل هذه المحطات هم أعداء لـ«الإخوان» ولو صار لهم الأمر لكان الإخوان في مقدمة ضحاياهم، كما حصل في مصر وسوريا والعراق ولیبیا.
وحقًا، كان الملك الحسین ممتنًا لمواقف الإخوان وعبر عن ذلك عام 1997م في معرض دعوته لهم للمشاركة في الانتخابات.
التغيّر والتغيير
وهنا يرى الوزير الأسبق الدكتور بسام العموش أنه «منذ العام 1997 بدأ الخطاب الإخواني يتغیر إذ دخل طابع الحدة والتحدي وصار خطابهم أقرب لخطاب الیساريین الثوريین». ويتابع أنه «حینما حل الربیع العربي على الأمة ظهر خطاب مختلف جدًا يتصل بـ(الدولة) الإخوانیة وبخاصة بعد انتخاب الرئیس محمد مرسي في مصر ووجود حماس في غزة، وكانت قراءتهم أن تؤول لهم الأمور في تونس وسوريا ولیبیا، كما أنهم شعروا بأن تركیا تقف معهم... كل هذا دفع إخوان الأردن لرفع وتیرة الخطاب والتحدي وفرض الشروط، وراح واحد منهم يقول: نحن نجلب الغاز المصري للأردن. وراح قائدهم يقول: إن مطلب الإخوان تعديل المواد 34 و35 و36 من الدستور وهي المواد التي تتعلق بصلاحیات الملك!».
ويضيف الدكتور العموش، الذي كان من قياداتهم قبل أن يستقلّ عنهم، أن الإخوان «لم يفكّروا بمن ستؤول له هذه الصلاحیات؟ فهل هم ضامن لرئیس الوزراء إذا كانوا يعنون ذلك؟». ويتساءل ماذا لو كان رئیس الوزراء يساريًا أو رأسمالیًا أو أو أو؟ ثم يقول: «لقد حضرت شخصیًا جلسة في حضرة الملك عبد الله الثاني حیث قال لقائد إخواني: إذا غیّرتم فخبّرونا كي نغیّر؟!! وفهمت من ذلك أن الملك يريد الاستمرار في العلاقة على سنن أبيه وجديه، ملوك الأردن، في العلاقة مع الإخوان، لكنه سیقرّر تغییر ذلك إذا غیّر الإخوان سیاستهم».
ويتابع العموش «نعم لقد غیّرت الجماعة طريقتها في التعامل مع المملكة الأردنية، ولهذا كان لا بد من التغییر، لكنه التغییر على الطريقة الأردنیة ولیس الطريقة المصرية أو السورية أو العراقیة أو اللیبیة. إنها طريقة تتحدّث عن حرفیة القانون، فالإخوان جمعیة وحین يصدر قانون للجمعیات ويطلب من الجماعة تصويب أوضاعها وفقه فعليها أن تفعل!. ولكن تلكأ الإخوان وراح المراقب العام يقول إن الجماعة أكبر من القانون، مما دفع المنشقین عن الإخوان للاستفادة من الفرصة والحصول على رخصة باسم (جمعیة الإخوان). وهنا وقع الإشكال في وجه الجماعة. فمن هو ممثل الإخوان؟ الجماعة التي تستند إلى التاريخ.. أم الجمعیة التي تأقلمت مع الواقع وقنصت الرخصة؟».
وهنا بدأ التنفیذ على الأرض حیث تم وضع الشمع الأحمر على مقار الجماعة التاريخیة باعتبارها غیر مرخصة، وهو تنفیذ لا يقف عند حدود الشمع الأحمر، بل هو إعلان عن نهاية حقبة وبدء عهد جديد ينسجم مع المحیط العربي والسیاسة الدولیة. وحسب العموش، مهما تحدث الإخوان عن مؤامرة أو تسییس فإنهم بلا شك هم الذين لم يفهموا الظروف ولم يحسنوا التعامل معها. والأخطر قد يقع إذا قرر الإخوان المواجهة فإنهم بلا شك سیسارعون إلى خط النهاية التي قد تكون ولن تبكي عليهم دول تعتبرهم جماعة إرهابیة وهو ما لا نريده للأردن صاحب السیاسة المتمیزة.
ولذا يتوقع العموش «أن يستسلم الإخوان لهذا الأمر ويكتفوا بالإعلان أنهم فكرة والأفكار لا ترخص، وأنهم لیسوا مجرد مقار، كما أن وجودهم الحزبي قائم عبر الذراع السیاسیة حزب (جبهة العمل الإسلامي) وهذا لا يعني توقفهم عن نقد الخطوة الحكومیة، بل ربما سعوا للقاء الملك. وفي ظني أن الأبواب قد أغلقها الإخوان يوم رفضوا دعوة الملك لهم عام 2013 للمشاركة في الانتخابات».
بين «الجماعة» و«الجمعية»
من جهته، يرى الدكتور إبراهيم نصير، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، أن الجماعة «تعيش واقعًا صعبًا وتكمن صعوبته في أن المأزق الذي تمر به لا مخرج له. وهو مستعصٍ على مستويين: يتمثل الأول في وجود صراع بين الجمعية الجديدة والجماعة القديمة، والثاني ناجم عن الصراع داخل الجماعة القديمة متمثلة بتيار يقوده مجموعة من المخضرمين على رأسهم عبد اللطيف عربيات وإسحق الفرحان وحمزة منصور يحاول إحداث تغيير في بنية الجماعة، وإعادة تشكيل مكتب تنفيذي جديد، ومجلس شورى جديد، على أمل أن تبرز شخصيات أكثر اعتدالاً ووسطية، ربما يخفف من حالة التصادم القانوني والسياسي والإعلامي بين الدولة والجماعة». ويضيف أنه «إذا نجح هؤلاء في محاولتهم فإن الضغط الحكومي على الجماعة سيخفف في مقدمة لمصالحة مع الجمعية الجديدة. أما إذا فشلوا في ذلك فإن حزب جبهة العمل الإسلامي سيكون ملاذهم القانوني الوحيد». أما عن تجربة الجمعية فإن نصير يستبعد أن تحظى «بشرعية ودعم الشارع الأردني، كما حصل في تجارب سابقة مثل (جماعة زمزم) و(حزب الوسط الإسلامي)، وستبقى الشرعية الحقيقية مع جماعة الإخوان المسلمين الأم، لأن الجمعية المُرخصة بلا غطاء شعبي باعتبارها ملتصقة بالحكومة».
في المقابل، يقول الكاتب والمحلل السياسي فهد خيطان بأن قيادة الجماعة غير المرخصة «تدرك أن مسار الأحداث سيأخذها إلى أضيق مربّع في تاريخ علاقتها مع الدولة، وأن زمن الصفقات والتسويات في الغرف المغلقة انتهى إلى غير رجعة وأن المسار القانوني حسم النزاع على الشرعية وليست التطورات السياسية». ويضيف أن قيادة الجماعة «قللت كثيرًا من أهمية هذا المتغيّر، كونها تحوز على شرعية تنظيمية تفوق بكثير ما لدى الجمعية المرخصة. لكن مثل هذا الأمر يبدو بلا قيمة في نظر القانون. ومع مرور الوقت، ستفرض الوقائع نفسها، وتجد الجماعة غير المرخصة نفسها عاجزة فعليًا عن ممارسة نشاطاتها تحت اليافطة نفسها. وهذا ما حدث عندما أغلقت السلطات المقر الرئيسي، الذي يعد غرفة عمليات الجماعة، ومركز عملها الرئيسي.
ثم إن أملاك الجماعة في الأصل هي محل نزاع قضائي، ومن غير المتوقع حسم النزاع في وقت قريب. وبغض النظر عن طبيعة القرار النهائي للقضاء، فإن فرص الجماعة بمواصلة عملها كما كان في السابق تبدو معدومة تمامًا، إذ سيكون بمقدور السلطات الرسمية تفعيل القانون في أي لحظة، ومنع الجماعة من القيام بأي تحرك أو نشاط».
ويرى خيطان أن الخيار الوحيد المتاح في هذه الحالة «هو العمل تحت مظلة حزب جبهة العمل الإسلامي، باعتباره العنوان الدائم والوحيد للعمل السياسي، والتنازل عن الجماعة كإطار فقد مشروعيته من الناحية القانونية».. ويؤكد أنه «إذا كانت الدولة جادة فعليًا في تصويب الاختلالات التاريخية في علاقتها مع الجماعة والحزب، فإن عليها في المقابل أن تطلب من الجمعية المرخصة عدم ممارسة أي نشاط سياسي، وتأسيس حزب سياسي مستقل تماما عن جماعة الإخوان المسلمين، ولا يخضع لسلطتها بأي شكل من الأشكال». ويعتقد أن «الازدواجية التنظيمية بحد ذاتها مرفوضة وتخالف القانون، وتخلق وضعا شاذا يسمح بوجود تنظيمين، واحد تحت الأرض والثاني فوقها. أما بالنسبة لمن يود العمل في المجالات الخيرية والدعوية، فذلك متاح له ضمن صيغة يكفلها قانون الجمعيات في الأردن». ويختتم بالقول: «باختصار، لا نريد جماعة مدللة وأخرى مضطهدة في الأردن، وإنما أحزاب سياسية تحت الشمس، تعمل في ظل الدستور والقانون. بخلاف ذلك، فلتغلق كل المقرّات بالشمع الأحمر».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.