العصور الذهبية في صقلية ما بين حكم المسلمين والنورمان

العصور الذهبية في صقلية ما بين حكم المسلمين والنورمان

معرض في المتحف البريطاني يستكشف تاريخ الجزيرة وتأثير الغزاة عليها
الأربعاء - 13 رجب 1437 هـ - 20 أبريل 2016 مـ
من القطع في المعرض و شاهد قبر والدة أحد الرهبان، القطعة تحمل كتابات بأكثر من لغة من بينها العربية و منحوتة على هيئة رأس حصان من المعرض و نسخة من خريطة الجغرافي العربي محمد الإدريسي و باب خشبي من صنع حرفيين مصريين أثناء عهد الدولة الفاطمية ولوح حجري يحمل كتابات عربية (تصوير: جيمس حنا)

انطلق أمس في المتحف البريطاني معرض «صقلية.. الحضارة والغزو» والذي يقدم جانبا من تاريخ الجزيرة الإيطالية عاشت فيه أزهى عصورها وأصبحت خلاله بوتقة انصهرت فيها ثقافات وديانات مختلفة. المعرض يقدم 200 قطعة تروي لمحات من 4000 عام من التاريخ معظمها من مقتنيات المتحف البريطاني والبعض الآخر مستعار من متاحف في صقلية.
ينتقي منسقا المعرض بيتر هيغز وديريك بوم فترات محددة من تاريخ الجزيرة ليعرضا من خلاله رؤية لدور صقلية في التاريخ الإنساني. ويشير بيتر هيغز إلى أن تنظيم معرض يسرد كامل تاريخ الجزيرة أمر محال بسبب التنوع والثراء التاريخي لها، ولكن وقع الاختيار على التركيز على الحكم اليوناني وحكم النورمان، ويضيف: «تمثل هاتان المرحلتان التغييرات المهمة والأهمية السياسية للجزيرة التي كانت متفوقة في المجالات العسكرية والاقتصادية». الجزيرة جذبت الغزاة لعدة عوامل، أهمها لثراء تربتها. وجذبت الجزيرة شخصيات شهيرة من فلاسفة وعلماء اليونان مثل أفلاطون، وأرشميدس الذي ولد هناك في القرن الثالث.
يشير هيغز إلى صورة ضخمة لمعبد يوناني ضخم في مدينة أغريجنتو بصقلية، ويقول إنه مثال لرغبة الحكام اليونانيين في «تأكيد سطوتهم على الجزيرة، ورغبتهم في المباهاة أمام الدول الأخرى».
المعرض يصور الثنائية الدائمة بين العمليات العسكرية والغزو وبين الاستقرار في الأراضي المفتوحة والبناء والثقافة التي تنتج عن الاختلاط مع الشعوب الأصلية. ويركز حول فترتين، الأولى وصول اليونانيين من النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد وتفاعلهم مع المقيمين. الفترة الثانية تمثل حكم النورمان في الفترة ما بين 1100 و1250 قبل الميلاد. ويقدم المعرض نماذج على انتعاش الثقافة والحضارة المادية خلال تلك الفترات.
يشير هيغز إلى حقيقة تكررت مع معظم الغزاة لصقلية وهي الحكم عن بعد، فعلى سبيل المثال عندما قام النورمان بغزو الجزيرة في القرن الثالث لم يجعلوها مقرا لحكمهم، بل اكتفوا بوضع حكام هناك وتعاملوا مع الجزيرة بوصفها «مخزنا للحبوب» إشارة إلى خصوبة التربة، «بعض الحكام اشتهروا باستغلال الجزيرة وسرقة كنوزها»، ويعلق هيغز: مع انحلال الإمبراطورية الرومانية نجحت الإمبراطورية البيزنطية في السيطرة على الجزيرة وحكمتها عن بعد أيضا من القسطنطينية.
مع دخول العرب الساحة وغزوهم لصقلية حيث قدموا إليها من تونس ورأوا فيها موقعا مناسبا لمد سيطرتهم. ولكن الوجود العربي أثر في الحضارة المحلية بشكل محوري، يعقب هيغز: «قام العرب بزراعة الموالح في صقلية واستقدموها من شمال أفريقيا، كما زرعوا محاصيل جديدة على الجزيرة، واستحدثوا أساليب مبتكرة للري، فعندما يزور الناس صقلية الآن لا يعرفون أن أشهر الفواكه فيها من ليمون وبرتقال كان العرب أول من زرعها هناك. ومن الأمور التي ميزت الحكم العربي أيضا إعطاء الحرية للمسيحيين واليهود بممارسة شعائرهم بحرية».
عند غزو النورمان للجزيرة وجدوا مساعدة من سكانها المسلمين الذين ضاقوا ذرعا بحكم الفاطميين الذي دأبوا على التعالي على أهل صقلية، فقاموا هم والبيزنطيون اليونان في الجزيرة بالترحيب بالنورمان. وهنا تبدأ مرحلة ثرية حضاريا وثقافيا في الجزيرة تحت حكم روجر الثاني الذي يصفه هيغز بأنه «رجل شديد الذكاء».
قام روجر الثاني باحتضان الثقافات المختلفة على الجزيرة، «في البلاط الحاكم لعب هو دور الحاكم الشرقي المسلم الطابع، وهو ما يتبدى في الفن الذي ميز تلك الحقبة. كما قام أيضا بتقمص الشخصية والتراث اليوناني، وفي نفس الوقت احتفظ بشخصيته كحاكم نورماني. فهو كان يريد التودد لجميع الطوائف في البلاد». من القطع التي تعكس حكم الملك روجر الثاني والتنوع الثقافي والفني في عصره يشير هيغز إلى قطعة خشبية قد تكون جزءا من باب، منحوت على الطريقة المملوكية، وهو صنع على يد نجارين من مصر الفاطمية لقصر الملك روجر الثاني في باليرمو. هناك أيضا لوح من الرخام عليه كتابات عربية ولكن بخط لاتيني، يشير هيغز إلى أن الكتابات تتضمن «الطواف حول الكعبة وتقبيل الحجر الأسود»، المدهش أن تلك القطعة زينت أحد الجدران في كنيسة بباليرمو. أعبر عن دهشتي ولكن هيغز يوضح أن ذلك أمر تعمده الملك روجر الثاني الذي أراد استقطاب أشهر الحرفيين من جميع أنحاء العالم.
قطعة أخرى تشير إلى تضافر الثقافة العربية الإسلامية والمسيحية خلال حكم النورمان. بالنظر لأعلى تعرض صورة مضخمة لجانب من سقف «كابيلا بالاتينا» وفيه نرى النقوش الخشبية العربية الطابع بداخلها رسومات لقديسين وشخصيات دينية مسيحية، ولكن بين الخطوط الخشبية المتقاطعة نلمح كتابات عربية، «أيضا بالنظر المقرب يمكنك رؤية رسومات للملك روجر الثاني مرة بلباس مسلم وأخرى بلباس مسيحي».
ديريك بوم المنسق المشارك للمعرض يشير إلى شاهد قبر والدة أحد الرهبان، القطعة تحمل كتابات بأكثر من لغة من بينها العربية، يقول تبرز العربية من اللغات الأخرى بأنها الأكثر «ثراء وشاعرية وتفصيلا». ويتحدث عن التأثيرات المعمارية والفنية التي تنقل التأثير المسلم في «كابيلا بالاتينا»، «في سقف الكنيسة كما ترى نرى حرفة الحفر على الخشب والتي قام بعملها حرفيين من القاهرة الفاطمية أحضرهم الملك روجر الثاني، وإذا نظرنا إلى جانب من الفيسفساء الموجود على قطع من الحجر هنا، نرى عمل الحرفيين البيزنطيين الذين قدموا من إسطنبول. يرى روجر الثاني في هذا التبادل الحضاري والثقافي وسيلة للتأكيد على أهميته هو شخصيا، فهو استخدم العمال البيزنطيين ليؤكد أنه لا يقل عن الحكام البيزنطيين، وكذلك الحال مع استقدام العمال الفاطميين. أعتقد أنها سياسة مدروسة منه». وفي عهده تحولت صقلية إلى مركز يجذب العلماء من جميع أنحاء العالم يأتون لمطالعة الوثائق والكتب اليونانية التي احتفظت بها مكتبات إسلامية ويونانية وعرف عن الملك أنه كان يرحب بالعلماء والكتاب في بلاطه، وكان لديه اهتمام قوي بالابتكار العلمي. وكمثال يقدم المعرض نسخة نادرة من خريطة صقلية قام بها العالم الإسلامي الشهير محمد الإدريسي بناء على تكليف من روجر الثاني.


اختيارات المحرر

فيديو