المغاربة يواصلون النجاح في صناعة السيارات وجودة استهداف الاستثمارات

ماذا يجب على مصر أن تتعلم من التجربة المغربية؟

استثمارات «رينو» الجديدة تبلغ مليار دولار (رويترز)
استثمارات «رينو» الجديدة تبلغ مليار دولار (رويترز)
TT

المغاربة يواصلون النجاح في صناعة السيارات وجودة استهداف الاستثمارات

استثمارات «رينو» الجديدة تبلغ مليار دولار (رويترز)
استثمارات «رينو» الجديدة تبلغ مليار دولار (رويترز)

منذ بداية الشهر الحالي تنوعت أخبار الاقتصاد المغربي بين صناعة السيارات، القائدة لحركة الصادرات، وعرض لكيفية توجيه الاستثمارات الخارجية لحكومة المملكة المغربية الراغبة في التوسع في محيطها الجغرافي وتوطيد أمنها القومي وتعزيز علاقاتها مع دول الجوار، هذا بالإضافة إلى استمرار خطط الاستثمار في الموانئ المغربية التي تتمتع بموقع عبقري بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
في يوم الثامن من أبريل (نيسان) الحالي أعلن المغرب دخوله نادي الدول المصدرة لمحركات السيارات، حيث وقعت 600 شركة من مزودي مجموعة «رينو» الفرنسية للسيارات في الرباط على اتفاقية جديدة تهدف إلى إحداث منظومة صناعية متكاملة بالمغرب في مجال صناعة السيارات.
وقال حفيظ العلمي، وزير التجارة والصناعة المغربي، إن المشروع الذي تقوده مجموعة «رينو» ستبلغ استثماراته 10 مليارات درهم (مليار دولار)، وسيوفر عملا لنحو 50 ألف شخص.
وأضاف العلمي، خلال لقاء صحافي عقب توقيع الاتفاقيات الاستثمارية الجديدة: «دخل المغرب النادي المغلق للدول المصدرة لمحركات السيارات مند فبراير (شباط) الماضي، ومع إطلاقنا اليوم لمشروع المنظومة الصناعية لمجموعة (رينو) سيتحول بلدنا إلى منصة صناعية مرجعية لصناعة السيارات على الصعيد العالمي».
وأشار العلمي إلى أن المشروع الجديد، الذي يندرج في إطار مخطط التسريع الصناعي بالمغرب، سيضاعف قيمة صادرات صناعة السيارات المغربية. وقال: «منذ إطلاق المشروع الصناعي الأول لمجموعة (رينو) في طنجة قبل سنوات، تمكنا من جعل صناعة السيارات أكبر قطاع مصدر في المغرب بنحو خمسة مليارات دولار في السنة، نصفها سيارات مكتملة التجميع والنصف الآخر مكونات وأجزاء، مع المشروع الجديد فإن صادرات القطاع ستصل إلى 10 مليارات دولار، وإضافة إلى هذا الأثر الإيجابي على الصادرات، فإن مشروع المنظومة الصناعية الجديدة سيرفع أيضًا من مستوى مساهمة صناعة السيارات في الناتج المحلي الإجمالي إلى 23 في المائة عوضا عن 14 في المائة حاليا».
وأضاف العلمي أن «المشروع الجديد سيرفع من نسبة المكون المحلي في السيارات التي تصنعها مجموعة (رينو) في المغرب إلى 65 في المائة بدل نحو 30 في المائة حاليا. وبالتالي سيرفع من حجم القيمة المضافة المنتجة محليا في المغرب وفي مستوى مساهمة صناعة السيارات في الناتج المحلي للبلاد، فضلا عن أن بلوغ هذا المستوى من الإدماج الصناعي سيؤهل المغرب لاستقطاب استثمارات جديدة في هذا المجال، إذ سيعطي لقطاع صناعة السيارات المغربي الحجم الذي ينتظره كثير من كبار الصناعيين في العالم، من أجل القدوم والاستثمار في المغرب».
وجرى التوقيع على ثلاث اتفاقيات تتعلق بالمشروع الجديد، فبالإضافة إلى اتفاقية «رينو»، جرى التوقيع على اتفاقية ثانية تهدف إلى توفير العقار الصناعي لإقامة المشاريع، فيما تتعلق الاتفاقية الثالثة بالتكوين والتأهيل المهني للعمالة التي ستشغلها.
من جانبه، نوه بيرنارد كامبيي، مدير عمليات مجموعة «رينو» لأفريقيا والهند والشرق الأوسط، بالمخطط المغربي لتطوير صناعة السيارات والمناخ الجيد الذي وفره للمجموعة، قائلا إن «المغرب وفر كل شروط النجاح لهذه النقلة الصناعية، خصوصا العنصر البشري، من خلال إيلائه اهتماما خاصا بالتكوين المهني في مجال صناعة السيارات، الذي وقعنا بشأنه اتفاقيات جديدة، وبالتالي فالمنتجات التي ستخرج من المصانع التي ستفتح في إطار هذه المبادرة ستكون في مستوى عالٍ من الجودة والتنافسية».
ويستهدف المشروع الحالي رفع نسبة الاعتماد على المكون المحلي إلى 65 في المائة، إضافة إلى التصدير للأسواق الخارجية خصوصا في جنوب أوروبا.
وتمتلك «رينو» أكبر مصنع لإنتاج السيارات في المغرب بمنطقة طنجة الصناعية، بالإضافة إلى مصانع صوماكا في الدار البيضاء، وتوجه الشركة جزءا أساسيا من السيارات التي تجمعها في المغرب إلى الأسواق الأوروبية، بالإضافة إلى أسواق المنطقة العربية المتوسطية للتجارة الحرة، التي تضم بالإضافة إلى المغرب كلا من تونس ومصر والأردن.
وعلى هامش مصانع «رينو» استقطب المغرب في السنوات الأخيرة كثيرا من الاستثمارات في مجال تصنيع أجزاء وقطع السيارات.
وأصبح قطاع السيارات أول قطاع مصدر في البلاد، إذ بلغت صادراته في سنة 2015 نحو 46 مليار درهم (4.6 مليار دولار)، بزيادة 21 في المائة مقارنة مع 2014. وأصبحت صادرات قطاع صناعة السيارات تمثل حصة 24 في المائة من الصادرات الإجمالية للمغرب، متجاوزة صادرات الفوسفات ومشتقاته، وتتوزع صادرات قطاع صناعة السيارات بين تصدير الأجزاء والمكونات بحصة 49 في المائة، وتصدير السيارات المُركّبة بحصة 51 في المائة. أما عن أسلوب المغرب في توزيع الاستثمارات الخارجية فقد بلغت تدفقات الاستثمارات المغربية في الخارج نحو 276 مليار درهم (27.6 مليار دولار) خلال السنوات الثلاث الماضية حسب مكتب الصرف المغربي (هيئة حكومية مكلفة بمراقبة عمليات صرف العملات وتحويل الأموال)، وجاء هذا الرقم الكبير بسبب التوسع الكبير للمصارف المغربية في أفريقيا التي أصبحت تمتلك فروعا في 21 دولة أفريقية، متبوعة بشركات التأمين المغربية، الشيء الذي مد القنوات ومهد الطريق أمام القطاع الخاص المغربي لاستكشاف واستغلال فرص الأعمال المتاحة في القارة السوداء.
وتنوعت الاستثمارات بين استثمارات مباشرة واستثمارات المحفظة (السندات والأوراق المالية)، بالإضافة إلى ودائع الشركات ورجال الأعمال المغاربة في المصارف والخزائن بالخارج والقروض التجارية.
وتتجه جل الاستثمارات المغربية نحو بلدان أفريقيا الغربية، وتشمل قطاعات متنوعة، منها المصارف والتأمين، والاتصالات، والمناجم والتعدين، والصناعات الكيماوية، والعقار والأشغال، والكهرباء، والزراعة.
إلا أن اللافت للانتباه هو أن المصارف المغربية بدأت خلال العام الماضي في إطلاق فروع جديدة متخصصة في السلفات الصغيرة جدا، التي عرفت تطورا كبيرا في المغرب خلال السنوات الأخيرة بارتباط مع مبادرة التنمية البشرية وبرامج محاربة الفقر عبر تمويل أنشطة مدرة للدخل. كما عرفت السنة الماضية أيضا خروج كثير من شركات الأشغال المغربية الصغيرة جدا، والمتخصصة في برامج الكهرباء القروية، إلى أفريقيا، لتصدير خبرتها التي تكونت خلال السنوات الماضية في إطار البرنامج المغربي للكهربة القروية الذي نجح في تغطية 99 في المائة من القرى المغربية بالكهرباء.
في السياق ذاته، وضع الاتحاد العام لمقاولات المغرب برنامجا خاصا لتحفيز الشركات المغربية الكبرى على مرافقة الشركات الصغرى في توسعها الدولي، خصوصا في أفريقيا، وإشراكها في صفقاتها ومشاريعها في الخارج، ووضعت الحكومة تحفيزات خاصة للشركات المغربية الراغبة في التوسع في أفريقا، خصوصا في مجال صرف العملات وتحويل الأموال المرتبطة بنشاطاتها الاستثمارية والتجارية في الخارج.
وهناك خبر آخر في السياق نفسه، وهو أن شركة «مناجم» المغربية عزمت على تغيير سياساتها التوسعية في مجال استغلال الذهب في أفريقيا، وذلك في اتجاه البحث عن شراء مناجم ذهب في طور الاستغلال أو في مرحلة متقدمة من التطوير، بغرض البحث عن فرص قابلة للاستغلال بشكل سريع.
وآخر الأخبار المهمة كان في آخر يوم في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، حيث وقعت الوكالة الخاصة لميناء طنجة المتوسط في المغرب عقدا مع مجموعة «آي بي إم تيرمنالز» يقضي باستثمار هذه المجموعة 758 مليون يورو لتهيئة وتجهيز أرصفة تخزين الصناديق الحديدية وتوفير أجهزة التشغيل والأجهزة الخاصة على مستوى رصيف جديد بميناء طنجة المتوسط2.
ويتم حاليا إنجاز ميناء طنجة المتوسط2 بموازنة استثمارية تُقدر بنحو 13 مليار درهم (1.3 مليار دولار).
ويساهم التطور الذي يعرفه ميناء طنجة المتوسط في تعزيز موقع المغرب على حوض مضيق جبل طارق، ويساهم في مضاعفة إمكانات الميناء في معالجة الصناديق الحديدية، لتبلغ سقف 9 ملايين حاوية، وهو ما يمكن المغرب من تبوؤ موقع خاص في التصنيف العالمي ضمن أحسن عشرين ميناء على الصعيد الدولي.
وتنبع أهمية ميناء طنجة المتوسط من كونه يضم أنشطة الملاحة التجارية وميناء الركاب وميناء طنجة المتوسط2 والمركب الصناعي الذي يتضمن المناطق الصناعية واللوجيستية على مساحة ألف ومائتي هكتار.
واختار تقرير صادر عن البنك الدولي مطلع هذا العام، بعنوان «المدن القادرة على المنافسة في توفير فرص العمل والنمو.. ماذا؟ ومن؟ وكيف؟» ستة نماذج للمدن الناجحة اقتصاديا حول العالم كان من ضمنها طنجة.
وقال التقرير إن ميناء طنجة المتوسط من أكبر الموانئ في أفريقيا، وقد أسهم بشكل كبير في الزيادة السريعة في معدلات الاستثمار في جهة «طنجة تطوان» بأكملها: «الاستثمارات الوطنية في ميناء طنجة استطاعت جذب الاستثمارات الأجنبية خصوصًا في صناعة السيارات والتوريد، وهي الصناعات التي توفر أجورًا أعلى من المتوسط المحلي»، وفقا للتقرير.
ويشير التقرير إلى خطوات إنشاء الميناء، حيث موّلت الحكومة المغربية مشروع إنشاء ميناء جديد: طنجة المتوسط، على بعد 35 كيلومترا من مدينة طنجة، ليستوعب الميناء الجديد سفن الحاويات الكبيرة، ويوفر الوصول البري لأحجام التجارة الكبيرة، وهي أمور كانت محدودة في الميناء القديم.
كما قامت الحكومة بإجراء تحسينات كبيرة على شبكة الطرق البرية والسكك الحديدية في شمال المغرب، مما وفّر نموذجًا متعدد الوسائط للنقل السريع للحاويات والبضائع السائبة لمراكز السكان والتجارة والتصنيع والخدمات اللوجيستية.
ويشير التقرير إلى أن الجهات المعنية في المدينة عملت بجد لجذب فئة محددة من المستثمرين، بما في ذلك شركة «رينو»، حيث قامت الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات، مع كيانات التنمية الاقتصادية «المحلية» في المدينة بإنشاء مركز تدريب مخصص لتوفير العمال المهرة لصناعة السيارات، والآن توظف «رينو» 5 آلاف و500 شخص، بالإضافة إلى 30 ألف وظيفة غير مباشرة.
«الحكومة المحلية لطنجة كانت مثل الوتد في خيمة الممارسات الجيدة»، وفقًا للتقرير، الذي أشار إلى فاعليات تشجيع الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية التي تتسم بها المدينة.
ويقول البنك الدولي إن طنجة تمتعت بأقصى قدر من المنافع من الميناء الجديد، لأنه كان على اتصال جيد بشبكة الطرق، وتديره وكالة متخصصة قادرة على فهم واستهداف فرص النمو، وهذا ما على الدول الأخرى الاستفادة منه.
وتستهدف مصر بشكل مُعلن تحقيق ما وصل إليه المغرب في صناعة السيارات، حتى إن رئيس مجلس إدارة رابطة مصنعي السيارات في مصر صرح مطلع هذا العام بأن الحكومة تستهدف من الاستراتيجية التي تقوم بإعدادها، وزارة الصناعة والتجارة بالتعاون مع وزارة المالية النهوض بصناعة السيارات محليًا، لتكون مواكبة على أقل تقدير لتجربة المغرب في أقل مدة زمنية، وسبب هذا الاهتمام هو طفرة استخدام السيارات الفرنسية المُصنعة في المغرب في الفترة الأخيرة في شوارع مصر، إلا أنه حتى الآن لم تقم الحكومة المصرية بقراءة التجربة المغربية بشكل جيد.
ويطالب خبراء صناعة السيارات المحليون في مصر بضرورة النهوض بالصناعات المغذية، بهدف الارتقاء بصناعة السيارات في مصر خلال الفترة المقبلة، بما يمكنها من تقدم الاقتصاد المحلي، والخروج من عثرته التي يمر بها منذ ما يقرب من أربعة أعوام. وأكدوا ضرورة التحول من مجرد التجميع إلى التصنيع الكامل عبر دعوة كبرى الشركات العالمية الرائدة في مجال تصنيع السيارات والصناعات المغذية لضخ استثمارات لها في مصر على غرار التجربة المغربية.
كما طالبوا بالاهتمام بمنح تسهيلات جمركية وضريبية للشركات العالمية حتى تكون مصر محطة جذب أنظار لها خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى توفير العمالة الماهرة التي تحتاجها هذه الصناعة، وهي كلها مطالب قامت الحكومة المغربية بتنفيذها بالفعل، بل إن الصناع المصريين يستهدفون زيادة نسب المكون المحلى للسيارات المجمعة في مصر لتصل إلى 60 في المائة خلال السنوات المقبلة، وهو تقريبا المستهدف نفسه في المغرب.
وتقضي اتفاقية الشراكة الأوروبية مع مصر بخفض الجمارك على السيارات تدريجيا، لتصل إلى صفر في المائة بحلول عام 2019. وهو الأمر الذي يتطلب سرعة دعم صناعة السيارات محليا، حتى تستطيع المنافسة.
وتقدمت وزارة الصناعة والتجارة إلى المصنعين بمقترح يشتمل على 75 مكونا للاختيار، من بينها ما هو ملائم لهم للوصول بنسبة المكون المحلي في صناعة السيارات إلى 60 في المائة خلال السنوات الثماني المقبلة.
ولكن بعد ثلاثة أعوام من الآن ستدخل السيارات الأوروبية السوق المصرية بتعريفة جمركية صفر في المائة، مما يصعب مهمة المستثمرين، كما أن بعض المصنعين اعترضوا على مقترحات الوزارة، والشيء الأسوأ أن البيروقراطية المصرية دائما ما تتأخر في تنفيذ المخططات، فمشروع صناعة السيارة المصرية بدأ منذ الحقبة الناصرية.
الإنجاز الثاني للمغاربة مرتبط بنجاح تجربة ربط الداخل المغربي بالموانئ عن طريق السكك الحديدية الجيدة والطرق، ورغم أن الحكومة المصرية تولي اهتماما كبيرا بـ«المشروع القومي للطرق»، وخطة تطوير «إقليم قناة السويس»، إلا أن السكك الحديدية المصرية مُهملة بشدة في المخطط المصري، وتنقل حاليا أقل من 3 في المائة من البضائع المصرية، ولا تقوم بالنقل إلا ليلا، حتى إن أغلبية موانئ إقليم قناة السويس الستة غير مرتبطة بشبكة السكك الحديدية من الأساس، رغم انخفاض تكلفة النقل بهذه الوسيلة، ودرجة الآمان المرتفعة، خصوصا في مصر التي تحتل المرتبة الأولى عالميا من حيث معدل ضحايا حوادث الطرق.
وثالثا على الحكومة المصرية الاستفادة من التجربة المغربية في طريقة توزيع الاستثمارات، وإن كان المغرب قد قام باستثمار (27.6 مليار دولار) خلال السنوات الثلاث الماضية في غرب أفريقيا، وهو رقم أدنى من الأموال التي ضختها الدول الخليجية في الاقتصاد المصري خلال الفترة نفسها تقريبا، وقاربت الـ35 مليار دولار، إلا أن معظمها أُنفق على الاحتياجات الجارية للاقتصاد المصري من مشتقات بترولية وسلع أساسية وخفض عجز ميزان المدفوعات.
إلا أن الجزء الأكثر تأثيرا في حياة المصريين اليومية هو ما تم إنفاقه على الخطة الاستثمارية الأولى، التي قامت بتنفيذها الحكومة المصرية بتمويل بلغ ثلاثة مليارات دولار من دولة الإمارات، وشملت إعداد طرق ودعم أسطول الحافلات العامة، بل وتأمين كل شبكة السكك الحديدية المصرية فيما يخص إنشاء الأنفاق ونقط عبور المارة (المزلقانات) ومشروعات أخرى.
هذا في الوقت الذي قدم فيه المغرب جزءا مهما من الاستثمارات لنشاط التمويل متناهي الصغر، ووفقا للبيانات الحكومية فإن مصر والمغرب تسيطران على 73 في المائة من عدد المقترضين بنظام التمويل متناهي الصغر في المغرب: «38 في المائة من مصر، و35 في المائة من المغرب»، ويُقدر عدد المصريين المحتاجين إلى التمويل متناهي الصغر بـ15 مليون مصري، يحتاجون إلى عشرين مليار جنيه «2.3 مليار دولار»، مقارنة بملياري جنيه الرقم الحالي.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.