افتتاح غير مألوف لـ«مهرجان بيروت للرقص المعاصر». العرض احتفاء بالروح اللبنانية العائلية التي تتجلى في أبهى حللها ظهيرة الأحد على مائدة رحبة تجتمع إليها العائلة وضيوفها. الطاولة الكبيرة احتلت هذه المرة وسط المسرح، وعليها القدور والحلل، والخضراوات على أنواعها. عشرة أشخاص يتحلقون حول السفرة العامرة. الدقائق الأولى من العرض هي انشغال صامت بتقطيع الخضراوات يشارك فيه الجميع، بحيث يصبح صوت حفيف السكين على خشبة التقطيع هو الموسيقى المضخمة الوحيدة التي تسمع. بعد ذلك تدخل المشهديات في حيوية دائبة تشارك فيها الطاولة نفسها التي تساعد عجلاتها في جعلها تتحرك تبعًا لحاجة الراقصين، ومتطلبات العرض.
تتوسط مي بو مطر، بإطلالتها الأمومية، الطاولة واصفة ما تقوم به، مرشدة ضيوفها إلى الطريقة التي تحضر بها طبق «الفتوش»، لنرى، الجميع يغرق بعد ذلك في تنفيذ التعليمات، قبل أن ينطلق البديع يوسف حبيش في موسيقى إيقاعية ترافق التقطيع الحثيث والمتواصل، يتبعه الإخوة الثلاثة جبران، وهم الأشهر في عالم الأعواد الشجية، بترك المشاركة في التقطيع، والانصراف إلى عزف الأنغام الطربة، الفياضة بالفرح.
يجمع راجح حول المائدة، التي يشارك فيها الضيوف تحضيرًا، وغناء ورقصًا، وأكلاً وشربًا، ثلاثة من كبار أسماء مصممي الرقص في العالم، لكل ثقافته وخلفيته، وأسلوبه في التناغم الجسدي وفي التجاوب مع موسيقى الأعواد الجبرانية العربية الشجية. الياباني القادم من طوكيو هيرواكي أوميد، المصمم البديع الآتي من توغو أناني سانوفي، والبلجيكي الحامل عشقه للأوبرا إلى جانب اللبناني صاحب الفكرة عمر راجح. وصلات رقص أفرادية، ثنائية أو جماعية تتخلل الاحتفاء بالمائدة تحضيرًا وتذوقًا. يبدو الرقص ارتجاليًا. كل يترك لجسده أن يتواءم مع الموسيقى، كما يبدو له. يقدم عمر راجح رقصًا خارجًا من روح الدبكة، والتمايل الشرقي للجسد، دون أن يغرق في التقليدية التي تعيده على نمط معلوم ومعروف. هو في تلك الهنيهة الارتجالية، راقص حديث يحن إلى أصوله، من تحريك الأرداف إلى تمايل الذراعين، وارتجاج الأعضاء. الراقص التوغولي سانوفي يبقى هو الآخر أمينا لأفريقيا، وتقليدية قبائلها وحرارة أجساد أهلها وتماهيهم المذهل مع الموسيقى الإيقاعية. رائحة الخضراوات، التي يعود الراقصون إلى الطاولة، بعد كل وصلة لاستكمال تقطيعها، تفوح لتملأ المسرح. على صوت الميجانا وبعض المعزوفات الشرقية المختلطة بأخرى آتية من أماكن بعيدة، يترك الراقصون لأنفسهم سجية إمتاع الجمهور، على طريقتهم.
بعض الكلمات والتعليقات حول الطعام الصيني والياباني، من الراقص البلجيكي، تأتي لتنكه العمل. الشاشة الخليفة حاضرة لتبث عليها بعض التعليقات. العرض يتخذ من الرقص حجة، ربما، ليقدم احتفالية بهيجة، بروح الألفة اللبنانية، القائمة على جمع الناس، على اختلافاتهم وتبايناتهم، حيث المتعة هي العنصر الأهم. متعة الطعام والشراب والرقص والموسيقى والتقاء العائلة والأحبة في آن واحد.
لم يترك عمر راجح الجمهور يغادر الصالة، بعد أن كان شاهدًا على تحضير الطعام. الدعوة للجميع، في نهاية العرض، لاعتلاء المسرح، وتناول ما تم إنجازه من مأكولات خلال العرض. يكشف مصمم الرقص اللبناني أيضًا أن المرأة التي كانت تترأس تحضير الأكل هي والدته، التي تتكلم هي بدورها، مع الجمهور الغفير، داعية إياهم إلى تشارك الطعام، الذي يتألف من الفتوش، والمناقيش وطبخة المخلوطة. العرض كان قد قدم قبل بيروت، في كل من باريس وفيينا.
مع «بيتنا» وحول المأكولات اللبنانية، انطلق «مهرجان بيروت للرقص المعاصر» في دورته الثانية عشرة، التي تستمر حتى الثلاثين من الحالي، موزعة عروضه على مسرحي «المدينة» و«بيريت» وعلى هامشه، تقام ورشات عمل ولقاءات، وحوارات.
في افتتاح العرض الأول، قالت مديرة المهرجان، ميا حبيس، إن «المهرجان يرقص بيروت منذ 12 عامًا، وسيبقيها ترقص رغم كل الظروف». ولذلك فالعروض متواصلة بينها الفرنسي، والإسباني، والعراقي، والإيطالي، والإنجليزي - الهندي. مروحة متنوعة لكل المذاقات.
8:36 دقيقه
«الفتوش» بطل عرض «بيتنا» يفتتح «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»
https://aawsat.com/home/article/617371/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%B4%C2%BB-%D8%A8%D8%B7%D9%84-%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%C2%AB%D8%A8%D9%8A%D8%AA%D9%86%D8%A7%C2%BB-%D9%8A%D9%81%D8%AA%D8%AA%D8%AD-%C2%AB%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%82%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D8%B1%C2%BB
«الفتوش» بطل عرض «بيتنا» يفتتح «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»
استلهام طريف لاحتفالية يوم الأحد العائلية حول المائدة اللبنانية
مشهد من العرض ({الشرق الأوسط})
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
«الفتوش» بطل عرض «بيتنا» يفتتح «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»
مشهد من العرض ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

