رسالة غامضة لإحدى الصحف الأوروبية أطلقت وثائق بنما

مشروع تعاوني فريد من نوعه بين صحافيين استقصائيين من أنحاء العالم

رسالة غامضة لإحدى الصحف الأوروبية أطلقت وثائق بنما
TT

رسالة غامضة لإحدى الصحف الأوروبية أطلقت وثائق بنما

رسالة غامضة لإحدى الصحف الأوروبية أطلقت وثائق بنما

بدأ الأمر برمته برسالة - مجهولة بالطبع - تحمل النص التالي: «مرحبا. أنا جون دو. هل أنت مهتم بالبيانات؟»
أما متلقي الرسالة فكان باستيان أوبرماير، مراسل إحدى الصحف الألمانية، الذي سارع بالرد بالإيجاب. وما تلا ذلك أمر لا يصدقه عقل، حيث شرع المدعو دو في إرسال ملفات اتضح أنها تضم 11.5 مليون وثيقة، وهي سجلات رقمية تغطي فترة تمتد لأربعة عقود اخص شركة محاماة في بنما متخصصة بمجال إنشاء شركات أوفشور لعملاء أثرياء.
وبناءً على هذه البيانات التي حصل عليها أوبرماير وزميله فريديك أوبرمير عام 2014 لتنظيم مشروع تعاوني فريد من نوعه بين صحافيين من مختلف العام. يقول المراسل باستيان أوبرماير الذي يعمل لدى صحيفة «زود دويتشه زايتونغ» الألمانية أن ذلك المصدر المجهول تواصل معه عبر دردشة مشفرة على الإنترنت، حيث كان يعرض نوع من البيانات تهدف إلى النشر العام وفضح مثل تلك الجرائم. ولكن المصدر حذره أن «حياته أو حياتها في خطر»، وهو ليس على استعداد للحديث إلا عبر الدردشة المشفرة فقط، ورفض تماما المقابلة الشخصية في أي مكان. ولقد سأل السيد أوبرماير المصدر المجهول قائلا: «ما هو مقدار البيانات التي نتكلم بشأنها؟»، فأجابه المصدر «أكبر مما يمكنك رؤيته في حياتك»، وفقا لإفادة مراسل الصحيفة الألمانية. من جانبهما، حرص الصحافيان الألمانيان على حماية هوية «جو دو» وسلامته، لذا يتكتمان بخصوص أي معلومات تتعلق به. وعبر رسالة بريد إلكتروني، قال أوبرماير: «لا يمكننا الكشف عن أي أرقام أو مرات للاتصال، بطبيعة الحال، أو ما إذا كنا ما نزال على اتصاله به، لكن ما يمكنني قوله إننا تواصلنا كثيرًا عبر سبل مختلفة، جميعها مشفرة. وفي بعض الأيام، تحدثت إلى المصدر أكثر مما تحدثت إلى زوجتي. في الواقع، لقد تحدثنا كثيرًا». وكان العالم قد فوجئ الأسبوع الماضي، بتسريب ملايين الوثائق السرية من شركة «موساك فونسيكا» للخدمات القانونية التي تتخذ من بنما مقرا لها، كاشفة عن فضيحة كبرى لرؤساء حاليين وسابقين وشخصيات سياسية وعامة ورياضية معروفة ومشاهير في الكثير من المجالات وشخصيات بارزة أخرى، متورطين في عمليات «إخفاء ثروات»، وتهرب ضريبى وغسل أموال. وكشفت أن بعضهم تعمد «إخفاء ثرواتهم» عن طريق حسابات سرية في شركات وبنوك لا تخضع لرقابة مالية أو دولية مشددة». وبفضل الإنترنت ومواقع الويب يمكن للصحافة الاستقصائية اليوم عرض نتائج تحقيقاتها بصورة أفضل تتيح لجمهور المستخدمين معرفة أدق التفاصيل وبشكل موثق وبطريقة عرض ملائمة أكثر مما كان عليه الحال قبل ظهور الإنترنت والتقنيات المتطورة». جدير بالذكر أن «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين»، وهي وحدة مؤلفة من 11 شخصًا تتبع «مركز النزاهة العامة» غير الهادف للربح، سبق وأن عمل مع الصحيفة الألمانية ومؤسسات إعلامية أخرى في تحقيقات موسعة من قبل. وقال السيد أوبرماير لمجلة «WIRED» أنه تواصل مع ذلك المصدر المجهول عبر سلسلة من القنوات المشفرة التي كانوا يغيرون التحادث خلالها من آن لآخر، وفي كل مرة يعمدون إلى إلغاء كافة تاريخ المحادثات السابقة ما بينهما. وكانوا يلمحون إلى استخدام تطبيقات التشفير»، فضلا عن البريد الإلكتروني المشفر بتقنية «PGP»، ولكنه رفض الإفصاح عن الطريقة المحددة التي اتبعوها في التواصل. وفي كل مرة كان المراسل والمصدر المجهول يعيدان بدء الاتصال من جديد، وكانا يستخدمان سؤالا متفقا عليه بينهما لإعادة التصديق على شخصية كل واحد منهما. مثالا بسؤال: «هل الجو مشمس اليوم؟» فيجيب قائلا: «إن القمر يمطر»، أو شيء من هذا الهراء، حتى يمكن لكل منا التحقق من شخصية الآخر، كما يقول المراسل أوبرماير. وبعد مطالعة جزء من الوثائق، تواصلت صحيفة «زود دويتشه زايتونغ» الألمانية مع الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين، الذي ساعد بدوره في تنسيق التسريبات الهائلة لملاذ الضرائب السابق بما في ذلك تحليل عام 2013 لبيانات ملاذ الضرائب المسربة للشركات الخارجية مع تسريبات أخرى أسفرت عن تحقيق مماثل العام الماضي والتي تركزت على الأصول المحمية من قبل بنك «اتش إس بي سي» السويسري. ولقد طار موظفو الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين إلى ميونيخ للتنسيق مع مراسلي صحيفة «زود دويتشه زايتونغ» الألمانية حول ذات المسألة.
وفي الأثناء ذاتها، بدأ وصول شحنات البيانات المسربة المجزأة تباعا. يقول السيد رايل: «تسلمنا المزيد والمزيد من تلك التسريبات حتى بلغت 11.5 مليون وثيقة». ولقد رفض السيد أوبرماير شرح الكيفية التي سلم بها مصدره المجهول مئات الغيغابايت أو ربما مئات التيرابايت من المعلومات في ذلك الوقت. فتلك الملفات أكبر بكثير مما يمكن رفعه على أي معروفة خدمة للبريد الإلكتروني، بطبيعة الحال، رغم إمكانية وسهولة إرسال هذه الكمية من البيانات مجهولة المصدر في شكل أقراص صلبة مشفرة عن طريق الشحن. وقال السيد أوبرماير بإيجاز «تعلمت الكثير عن صناعة النقل الآمن للملفات الكبيرة من خلال هذه التجربة». يقول السيد جيرارد رايل مدير الاتحاد الدولي للمحققين الصحافيين: «نحن لسنا ويكيليكس بأي حال. فنحن نحاول إظهار أنه يمكن تأدية مهنة الصحافة بشكل مهني ومسؤول».
وتتناول الغالبية العظمى من الوثائق التي كشف النقاب عنها كيف عمد عدد من الزعماء على مستوى العالم والمشاهير والأفراد لاستغلال شركات أوفشور في إخفاء ثرواتهم، وفي بعض الأحيان لتجنب الضرائب أو إخفاء نشاطات غير قانونية، وفق تقرير لـ«واشنطن بوست». وقد دفعت الموجة الأولى من المعلومات التي كشف النقاب عنها - وقد تستمر عملية الكشف عن معلومات لسنوات - بالفعل رئيس وزراء آيسلندا لتقديم استقالته على خلفية الكشف عن ممتلكات أوفشور خاصة به. من بين الآلاف الذين وردت أسمائهم بالوثائق الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو وأفراد من أسرة الرئيس الصيني شي جين بينغ، ومقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووالد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، إيان، ونجم كرة القدم ليونيل ميسي. ودفعت التسريبات الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من بين آخرين، للدعوة إلى إصلاح النظام الضريبي العالمي. وبعد أكثر من عام منذ أول اتصال داخل مقر الصحيفة التي يعملان بها في ميونيخ، «زود دويتشي تسايتونغ»، ما يزال أوبرماير، 38 عامًا، وزميله أوبرمير، 32 عامًا، يجهلان مصدر الوثائق وسبب اختيارهما من جانب المصدر. والآن، ما هي وثائق بنما؟ تتألف وثائق بنما من 11.5 مليون وثيقة تخص شركة محاماة في بنما تدعى «موساك فونيسكا». ويبدو أن الوثائق تدين عددًا من الشخصيات البارزة عالميًا في نشاطات مالية غير قانونية محتملة (واشنطن بوست).
وتولى الاتحاد الصحافي تنسيق العمل بين مراسلين من 45 دولة، العام الماضي، للتحقيق بشأن الملفات المسربة من مصرف سويسري خاص أخفى مئات الملايين من الضرائب عن أعين السلطات الضريبية. وجاء مشروع «التسريبات السويسرية» بعد عدة شهور من الكشف عن اتفاقات ضريبية سرية بين مئات الشركات العالمية ومسؤولين في لوكسمبورغ. وبناءً على جهود عمل تدريجي، من منطقة لأخرى، جمع «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، فريقًا مؤلف من 370 صحافيًا من قرابة 100 مؤسسة إعلامية تنتشر عبر 70 دولة، تبعًا لما أفاده مايكل هودسون ومارينا ووكر، اثنين من كبار مسؤولي الاتحاد.
يذكر أن شركاء الاتحاد داخل الولايات المتحدة كانوا «صحف مكلاتشي» وموقع وشبكة «فيوجن». أما «واشنطن بوست» فقد سبق وأن تعاونت مع الاتحاد في تحقيق عام 2013 عن الملاذات الضريبية. وأوضح هودسون أن الهدف كان إيجاد صحافيين محليين يعرفون طبيعة البيئة المحيطة: «بدلاً من التدخل للقيام بالعمل بأنفسنا. لقد فضلنا ترك العمل لمن يعرفونه أفضل. إن الكثير للغاية من أهم القصص المطروحة اليوم على درجة بالغة من التعقيد والانتشار العالمي بحيث أصبحت الاستعانة بأسلوب المراسل الوحيد لا تتناسب معها». وقد تطلب هذا العمل الهائل الذي أطلق عليه «مشروع بروموثيوس»، إقرار درجة غير مسبوقة من التعاون بين مؤسسات إعلامية متنافسة بطبيعتها. وقد اتفق «الشركاء» على التشارك في المعلومات القيمة مع المجموعة بأكملها، والامتناع عن نشر أي شيء قبل الموعد المقرر للنشر الجماعي.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.