المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته

يقيك مزاجية الطقس وتقلبات الموضة

المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته
TT

المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته

المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته

رجل اليوم لا يبقى في مكان واحد؛ فهو إن لم يكن شابًا مغامرًا يرغب في اكتشاف الجديد وزيارة أماكن بعيدة، فهو رجل يحب السفر ويعتبره مهمًا للتعرف على ثقافات أخرى أو للهرب من روتين الحياة اليومية أو فقط للاستجمام والتسوق. هذا الرجل يثير اهتمام صُنّاع الموضة منذ زمن، إلى حد أنهم بدأوا يغيرون بعض تفاصيلها ويفصلونها على مقاسه لنيل رضاه، بطرحهم قطعًا كلاسيكية لا تعترف بزمان أو مكان، يمكنه استعمالها خريفًا وصيفًا. أي أن تخدمه أينما كان، مع مراعاتهم أن تكون بتصاميم أنيقة وتقنيات عالية.
من هذه القطع، التي تبرز في هذا الوقت تحديدًا من كل عام، نذكر المعطف المضاد للمطر. فحلول الربيع وتفتح الأزهار على دفء أشعة الشمس، لا يعني بالضرورة تحسن الطقس وصفاءه الدائم، إذ هناك دائمًا مفاجآت، تأخذ شكل زخات مطرية بين الفينة والأخرى أو انخفاض ملموس في درجات الحرارة مساء، الأمر الذي يجعل حاجة الرجل إلى قطعة تتميز بالعملية والأناقة؛ بأن تكون خفيفة على العين، ومن ناحية الوزن أيضًا. فالخفة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار قدرة القطعة على أن ترافقه في كل وجهاته من دون أن تثقل كاهله أو حقيبة سفره. وهذا تحديدًا ما نجح فيه هذا المعطف، بالنظر إلى أنه عندما يُطوى يبدو وكأنه مجرد إيشارب من الكشمير. ولأن العديد من هذه المعاطف تُغطي الفترة الواقعة بين الربيع والصيف، وفي بعض البلدان الأوروبية، تمتد إلى الخريف والشتاء، فإن صناعها يحرصون على استعمال أقمشة تتنفس لتمنح صاحبها الانتعاش حتى وإن كانت مبطنة. قد تكون دار «بيربري» أكثر من ارتبط اسمها بهذه القطعة الأيقونية، لأنها أكثر من أبدع فيها من الناحية الجمالية، كما أنها تدخل ضمن جيناتها، مما يجعلها تعود إليها في كل موسم لتجديدها وتطويرها. وتأكيدًا منها على أهمية هذا المعطف، وكيف غزا كل الثقافات إضافة إلى ديمقراطيته، رفعت أخيرًا شعارًا قويًا يقول: «يُصنع في بريطانيا ويستعمل في كل أنحاء العالم». ديمقراطيته بالنسبة لها تعود إلى أن ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية ظهرت به في عدة مناسبات سابقًا، كما ظهر به النجم براد بيت والنجمة الفرنسية كاثرين دونوف وهلم جرا من الشخصيات العالمية. وتزامنًا مع افتتاح ثاني محل لها في «مول الإمارات» بدبي، الذي تعتبره الأكبر مساحة، 15 ألف قدم مربع، وأيضًا أهمية في المنطقة العربية، إذ ستوفر فيه الدار كل تصاميمها، إلى جانب مستحضرات التجميل والعطور، إلا أنها، من ناحية الأزياء، ستعتمد على معطفها لكسب ود زبون المنطقة. والدليل أنها ستحتفل به في فعالية ضخمة بعنوان «فن الترانش» Art of the Trench تتزامن مع افتتاح المحل، وهي فعالية تجند لها منذ العام الماضي شخصيات عربية فنية واجتماعية، لإبراز جماليته ومناسبته للبيئة العربية. فقد تكون السوق العربية الأكثر مقاومة للمعطف لحد الآن، ربما لأن فكرة معطف وواقٍ من المطر غير واردة في بيئة لا تتساقط فيها الأمطار لعدة أشهر. بيد أن الدار البريطانية العريقة مصممة على أن تغير هذه النظرة وتدخلها خزانة الرجل والمرأة في المنطقة، من باب الأناقة والألوان والأقمشة المترفة، من الصوف والقطن إلى الدانتيل والبروكار وغيرها من الخامات والألوان التي تعشقها المنطقة. الجميل أنها منحت كل شخصية ظهرت به في حملتها حرية ارتدائها بالطريقة التي تتوافق مع متطلبات حياته اليومية، لهذا ارتداها بعض الرجال مع جينز أو مع الثوب، وبعض الفتيات فوق عباءة أو قفطان أو مع فستان أو تنورة. في كل الحالات كانت النتيجة مثيرة، تؤكد قوة هذه القطعة من الناحيتين الجمالية والعملية ومرونتها، أيًا كانت الثقافة والبيئة.
هذا التنوع تحديدًا هو ما يفسر القوة المتزايدة لهذا المعطف، فنظرة خاطفة إلى السوق وصفحات المجلات، تشير إلى أنه على الرغم من التغيرات الكثيرة التي تعرضت لها الموضة عبر العقود، بقي تصميمه صامدًا لم يتغير في أساسياته، كما ظل القطعة التي يتفق عليها الأبناء مع الأجداد والآباء بالنظر إلى تاريخها الطويل. وإلى الآن فإن صورته التي تظهر على منصات ميلانو هي نفسها التي تظهر على منصات نيويورك أو باريس أو لندن، وهي أيضًا الصورة نفسها التي رسمها السيد توماس بيربري في عام 1856، وصممها من أجل المحاربين الإنجليز في الحرب العالمية الأولى. ما يفرق بين تصميمه وباقي التصاميم الحالية أنه لم يبق مصنوعًا من قماش الغاباردين الذي يتميز بخفة فضلاً عن كونه يمنح الدفء في الشتاء، ويتنفس في الصيف فقط، وأدخل عليه كريستوفر بايلي مصمم «بيربري» أقمشة أخرى مثل البروكار، الدانتيل، الصوف وغيرها، مستغلاً تطور التكنولوجيا ومحترمًا متطلبات السوق.
في عصر توماس بيربري، لم تكن هذه التكنولوجيا متوفرة، ومع ذلك فإنه كان مبتكرًا، لأن الغاباردين كان جديدًا في ذلك الوقت، حيث اكتشف أنه يحمي المزارعين من تقلبات الطقس، ففكر أن يطوعه للجنود الذين كانوا يحفرون الخنادق ليختبئوا فيها خلال الحرب، ومن تم جاء اسمه «ترانش» وتعني الخندق.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن توماس بيربري هو أول من مصمم هذا المعطف أو فكّر فيه؛ فقد سبقه إلى ذلك تشارلز ماكنتوش الذي كان، في الحقيقة، أول من قدمه من المطاط والنايلون المقاوم للمطر. كان واسعًا بعض الشيء وطويلاً إلى الكاحل. ويبدو أن بداية القرن العشرين كان فترة حاول فيها العديد من الخياطين اكتشاف خامات جديدة. وفي حين نجح بعضهم فشل البعض الآخر، لكنهم في كل الأحوال زرعوا الفكرة وعبّدوا الطريق للمزيد من الاختبارات والتطوير ركزت غالبًا على الخامات، إما باستعمال غشاء خفيف لتغليفه من الخارج أو بإدخال ألياف طبيعية أو بطلائه بمادة الراتينغ والشمع، بينما أدخل البعض الآخر مادة النايلون، وما شابها من مواد، للرفع من قدرته على المقاومة. ولحد الآن لم تتوقف عمليات التطوير وأغلبها يتم في معامل بريطانية أو سويسرية أو إيطالية مجهزة بآليات متطورة، كما توظف حرفيين مهرة يؤمنون بضرورة إرضاء الزبون حتى يبقى راضيًا ووفيًا لها. رضا الزبون، حسب قناعتهم، يأتي بحمايتهم له من الأمطار والرياح في الخريف، والإبقاء عليه منتعشًا في الربيع والصيف، مع الإبقاء على تصميمه الأساسي. فالتغييرات هنا تشمل تعديلات طفيفة، مثل الجيوب، أو إدخال تفاصيل على شكل طيات أو تطريزات على الظهر أو تحديد الخصر والأكتاف أو اللعب بأحجام وألوان الأزرار. ورغم أن ولادته كانت في بريطانيا، فإن شعبيته امتدت لكل أنحاء العالم، وبات مصممون آخرون يتبنونه بالتدريج، بمن فيهم الإيطاليون والفرنسيون. «بريوني» الإيطالية، مثلاً، التي تخاطب الرجل الكلاسيكي، أصبحت تطرحه بتصميم واسع بعض الشيء، تمزج فيه الحرير بالنايلون، بينما تقدمه «كانالي» على شكل سترات، نظرًا لطوله القصير، وتستعمل فيه المواد نفسها مع إمكانية ارتدائه على الوجهين، أما «برونيلو كوتشينيللي» فتقدمه حاليًا من الحرير المطلي بالراتينغ وبتصميم كلاسيكي. فالملاحظ أن القاسم المشترك بين البيوت الإيطالية، من «بريوني» و«كانالي» إلى «كوتشينيللي»، أنها تطمح لإرضاء الرجل والاستحواذ على اهتمامه، وإمكانياته طبعًا، بإغناء خزانته وتوفير كل القطع التي يمكن أن يحتاج إليها، لكن من دون أن تخضه أو تخض ما تعود عليه منها من تصاميم كلاسيكية. طبعا هناك إيطاليون آخرون من أمثال جيورجيو أرماني، سالفاتوري فيراغامو وغيرهم، لم يبخلوا عليه بتصاميم أكثر جرأة من حيث تبنيها الأسلوب الشبابي الذي يتجسد في جاكيتات قصيرة أو ألوان متوهجة أو خامات من البلاستيك المعالج. العنصر الثاني الذي لا يقل أهمية، وأصبح واضحًا أكثر رغم أنه ليس جديدًا، هو الأسلوب «السبور». فأغلب المصممين يحرصون عليه حاليًا ويتبارون على التميز فيه معتمدين على التكنولوجيا. المصمم البريطاني كريستوفر رايبورن، مثلاً قدم مجموعة بالتعاون مع شركة «فيكتورينوكس» السويسرية، أقل ما يمكن وصفها به أنها مزيج من الدقة والفنية والعملية، إضافة إلى مرونة تأخذ عدة أشكال، بما في ذلك ارتداؤها بأكثر من وجه.

* همسات

- تصاميمه الكلاسيكية تركز على الألوان الداكنة والطبيعية مثل الأزرق الغامق، والكحلي والأسود والبيج بكل درجاته، بينما التصاميم الشبابية تستعمل درجات ألوان من الطبيعة مثل الأخضر والأزرق والأحمر والأصفر. ولا يقتصر استعمال هذه الألوان المتوهجة على مصممين شباب بل أيضًا على أسماء مخضرمة في هذا المجال، مثل «بيربري» و«ماكنتوش». هذه الأخيرة قد تكون بقيت مخلصة لاستعمالها القطن المخلوط بالمطاط، لكنها لم ترَ مانعًا في إضافة جرعة لا بأس بها من الألوان الفاتحة، مثل الأحمر والأصفر.
- مهما اختلفت تصاميمه، لا يمكن القول إنه غير رسمي. فمهمته أن يقي الرجل من عوامل الجو، وفي الوقت ذاته أن يحمي ما يرتديه تحته، سواء كان بدلة مفصلة من الصوف أو بلايزر من الحرير، حتى إذا وصل إلى وجهته، ظهر متألقًا.
- يمكن القول إنها القطعة الأنسب في فصل الشتاء في بلداننا العربية حيث يكون الطقس دافئا رغم المطر، كما أنها الأنسب في الدول الأوروبية في الخريف والربيع، حيث تكون أشعة الشمس خادعة، تسمح للمطر بأن يتسلل من بينها في أي لحظة دون سابق إنذار.
- رغم أنه يأتي بأطوال مختلفة، يبقى الأضمن والأكثر أناقة هو ذلك الذي يغطي الركبة ببعض سنتمترات أو يجلس فوقها ببعض السنتيمترات.
- اختياره بحزام أو دون حزام، مسألة خاصة تتعلق بذوق صاحبه، لكن لا بأس من الإشارة إلى أن الحزام يناسب الرجل القصير أكثر، بينما التصميم المنسدل دون حزام يناسب الرجل المائل إلى السمنة أو يعاني من بروز الكرش.
- قد يعتقد الرجل الطويل أنه أكثر حظًا من غيره، لكن عليه هو الآخر أن يتجنب المعطف الذي يصل إلى الكاحل أو القصير جدًا. الأفضل بالنسبة له هو أن يصل إلى الركبة.

* نبذة تاريخية
* إذا كان الفضل في تصميم المعطف الواقي من المطر كما نعرفه اليوم يعود إلى توماس بيربري، فإن فكرة طرح قطعة مضادة للمطر تعود إلى تشارلز ماكنتوش الذي نجح عام 1823 أن يخترع مادة مطاطية لاصقة جمع فيها طبقتين من الأقمشة، بهدف وقاية سائقي عربات النقل والعاملين في الأماكن المفتوحة آنذاك من المطر والبلل. للأسف لم يكن اختراعه ناجحًا مائة في المائة، إذ كانت تنتج عنه رائحة كريهة في الشتاء، وفي الصيف يلتصق بالجسم بشكل غير صحي ومريح، لهذا فقد شعبيته بحلول عام 1830. عام 1854، التقطت شركة «هيليويل» الخيط وطرحته مرة أخرى بتصاميم بوجهين، أكثر أناقة وقوة في مواجهة عوامل الطقس. ورغم أنها تختلف كثيرًا عما طرحه تشارلز ماكنتوش، فإن الشركة أطلقت عليه اسم «ماكنتوش»، وهو لا يزال مستعملاً لحد اليوم رغم أن الشركة حاليًا تملكها شركة يابانية.
- يبدو أن هذه الفترة شهدت اهتمامًا كبيرًا بهذه القطعة وتطويرها، حيث ظهر مصممون آخرون حاولوا ترك بصماتهم عليها، مثل جون إيماري الذي افتتح محل خياطة في «ريجنت ستريت» عام 1851 تحت اسم «أكواسكوتم». «أكوا» ومعناها في اللاتينية الماء، و«سكوتم» الدرع. وسرعان ما بدأت الشركة تصنع معاطف للجنود البريطانيين، وكانت تتميز بطول يصل إلى الكاحل. وكانت تحقق إقبالاً لا يستهان به لولا دخول شاب عمره 21 عامًا، واسمه توماس بيربري على الخط في عام 1856.
كان شابًا متحمسًا ويتمتع بنظرة مستقبلية ورغبة جامحة في الابتكار. ولد بيربري وشب في الريف، الأمر الذي جعله يتنبه إلى أن المزارعين كانوا يستعملون ملابس من الكتان تدفئهم شتاء وتنعشهم صيفًا، فضل أنها كانت خفيفة الوزن، ولا تحدد حركتهم ومقاومة للبلل، لأنها كانت تنكمش بمجرد تعرضها للبلل. وهكذا فكر بأن يستعملها في معاطف واقية من عوامل الطقس للجنود. عام 1870 أصبح توماس بيربري أكبر منافس لـ«أكواسكوتم»، لا سيما بعدما توصل إلى نوع من القطن المصري يُنسج بطريقة تجعله مقاومًا للمطر أطلق عليها «غاباردين» لا يتميز بخفة الوزن فحسب بل لا تنبعث منه أية رائحة عندما يتعرض للماء. الآن أصبح القطعة اللصيقة باسم «بيربري» لأنها لم تتوقف أبدًا عن تطويره وتجميله إلى حد أنه بالنسبة للمرأة يمكن أن يغني عن فستان في حفل حميم أو دعوة غداء.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.