أنهت أزمة قلبية حياة «ثعلب الدبلوماسية الألمانية العجوز»، هانز ديتريش غينشر عن عمر يناهز 89 سنة. وقال بيان أصدرته دائرة المستشارة أنجيلا ميركل إن غينشر توفي بين أهله وأحبائه بالقرب من العاصمة السابقة بون. وكان الوزير المخضرم السابق نقل قبل عدة أيام إلى المستشفى بعد أن تدهورت حالته الصحية.
وطبع غينشر الدبلوماسية الألمانية ببصماته طوال ربع قرن الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وكان مايسترو سياسة الانفراج إبان الحرب الباردة. ونال لقب «دبلوماسي الحرب الباردة»، حيث كان أحد موقّعي اتفاقية الوحدة الألمانية التي أنهت الحرب الباردة.
قبل استقالته المفاجئة من منصبه في مايو (أيار) 1992، كان وزير الخارجية الألماني المخضرم هانز ديتريش غينشر يعدّ أقدم وزير خارجية في العالم. ويقال، لكثرة ترحاله، إنه لو حسبت رحلاته المكوكية وخطوط طيرانه حول الكرة الأرضية خلال فترة استيزاره البالغة 18 عامًا، لكان قد التقى بنفسه حتمًا في إحدى المرات، بحسب النظرية النسبية لآينشتاين. وتوالى 6 وزراء خارجية أميركيين خلال الفترة التي تربع خلالها غينشر على «عرش» الدبلوماسية الألمانية.
وسمي غينشر بالوزير المخضرم لأنه عاصر المستشار فيلي براندت وزيرا للداخلية، وقاد الدبلوماسية الألمانية بين 1974 - 1992 مجايلا هيلموت شميدت وهيلموت كول. وعاصر غينشر فترات حكم الاشتراكيين والمحافظين على حد سواء، كما قاد أوركسترا السياسة الخارجية الألمانية قبل وبعد الوحدة الألمانية.
هذا عدا عن أنه قاد الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) بين 1974 - 1985، وترك بصماته واضحة على هذا الحزب، كما ترك بصماته على السياسة الخارجية الألمانية التي حملت اسمه «الغينشرية». وبالنظر لنظام الأحزاب البرلمانية الثلاثة (الاشتراكي والديمقراطي المسيحي والليبرالي) الذي قاد ألمانيا طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد حكم على الحزب الليبرالي أن يكون حليف أحد الحزبين الكبيرين حتى صعود الخضر إلى البرلمان كقوة رابعة عام 1988.
ويعتبر غينشر أشهر شخصية في السياسة الخارجية بعد موحد ألمانيا أوتو إدوارد ليوبولد فون بسمارك، وبعد وزير الخارجية غوستاف شتريزمان (23 - 1926) الذي أخرج الفرنسيين من منطقة الراين، وعزلهم عن حلفائهم الإنجليز آنذاك، وعقد اتفاقية عدم الاعتداء مع روسيا. وإذا كان شتريزمان يوصف بأنه أفضل استراتيجي ألماني في السياسة الخارجية، فإن غينشر يعتبر الأفضل تكتيكيًا على الإطلاق. وأطلق عليه ريتشارد برت، السفير الأميركي في بون مطلع الثمانينيات، لقب «المخادع» بسبب تكتيكاته الملتوية.
ويمكن اختصار «الغينشرية» بالقول إن وزير الخارجية المخضرم كان أحد أفضل لاعبي الأدوار السياسية خلال الحرب الباردة. ورسم سياسة جديدة لألمانيا المنقسمة ترتكز على تحقيق التوازن بين الشرق والغرب وتعزيز الانفراج في أوروبا. ويقال إن بعض الكلمات التي يستخدمها الإنسان تعتبر «مفاتيح» شخصيته، وعلى هذا الأساس لاحظ أحد الصحافيين الألمان أن «حفظ السلام والمسؤولية، والتعاون، والقدرة على التصرف» كانت الكلمات الأكثر تردّدا في مذكرات غينشر، التي صدرت عام 1990 بنحو ألف صفحة.
ولعب غينشر دورًا بارزًا في السلام والانفراج في أوروبا، إذ كان أحد أهم الشخصيات التي وضعت تواقيعها إلى اتفاقية الوحدة الألمانية إلى جانب ريغان وكول وغورباتشوف وشيفرنادزه. ويقول غينشر في مذكراته إن الوحدة الألمانية كانت أهم منجزاته خلال عمله السياسي النشط منذ الخمسينات. واعتبر غينشر يوم 30-9-1989 أهم يوم في حياته لأنه أبلغ فيه الألمان الشرقيين المعتصمين في سفارة ألمانيا الاتحادية في براغ، الذي كان عددهم يناهز 4500 شخصا، بأنه تمت الموافقة على نقلهم في قطارات إلى ألمانيا الغربية.
وفي جزء من أكثر فترات حياته السياسية قتامة وغموضًا، سارع غينشر إلى الاعتراف بسلوفينيا وكرواتيا في ديسمبر (كانون الأول) 1991، وكانت خطوة منفردة، لم يتم الاتفاق عليها في الاتحاد الأوروبي، وانتقدها الأمين العام للأمم المتحدة خافير دي كويلار لأنها أدت إلى توسيع الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة. واتخذ غينشر هذه الخطوة رغم معرفته بحساسية الموضوع بالنسبة للصرب الذين كانوا ينظرون إلى الكرواتيين كحلفاء سابقين لأدولف هتلر.
لم يتحدث غينشر بوضوح، ولا حتى في مذكراته، عن أسباب استقالته المفاجئة من منصبه عام 1992، واكتفى بإشارات عن مرضه و«نصائح الطبيب» و«تأثير زوجته» عليه. ويرى البعض أن غينشر كان «متشائمًا» من مستقبل ألمانيا الموحدة رغم نضاله الطويل من أجلها، وأنه استقال بعد فترة قليلة من الوحدة الألمانية في محاولة للقفز من السفينة قبل غرقها». ويرى البعض الآخر أن غينشر فقد، بانتهاء الحرب الباردة، الأرضية التي يجيد المناورة عليها، وما عاد قادرًا على مواكبة «النظام العالمي الجديد». وفي هذا الإطار، قالت زوجته باربرا غينشر في مقابلة صحافية أنها لم تجبر زوجها على الاستقالة. وأشارت إلى أن معهد أمراض القلب قدم لزوجها آخر نتائج التحليلات في يوليو (تموز) عام 1989 وأن الفحوصات كانت مقلقة.
ولم تكن حياة غينشر على متن الطائرات مريحة، كما لم تكن طفولته سعيدة حيث أصيب بالسل الرئوي وهو شاب صغير وقضى أشهرًا في المصحات. كما أنه خدم في الجيش الألماني إبان الحرب العالمية الثانية، واعتقل عدة مرات بعد انتهاء الحرب. وقضى أشهرًا طويلة متنقلا بين السجون الأميركية والبريطانية، قبل أن يطلق سراحه في عام 1946.
وارتبط بعلاقة وثيقة بالرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف، ونشأت علاقة مماثلة بين زوجته باربرا وراسيا غورباتشوف. وظل الاثنان يلتقيان بين آونة وأخرى رغم تفكّك الاتحاد السوفياتي واستقالة غينشر من وزارة الخارجية. وكتب في مذكراته أن موت راسيا أثر كثيرا في حياته وصحته، وأنه كان أول من سافر إلى موسكو برفقة زوجته لحضور مراسم الدفن. ويقال إن الأسس الأولية لاتفاق الوحدة الألمانية تم رسمها بين غينشر وغورباتشوف في القوقاز عام 1990.
وولد هانز ديتريش غينشر يوم 21 مارس (آذار) 1927 في مدينة رايدلبيرغ الصغيرة بالقرب من هالة (شرقي البلاد). وانتقلت العائلة إلى هالة عام 1933 حيث ارتاد غينشر، بعد وفاة والده عام 1937. على مدرسة سالشتادت. وانضم إلى «منظمة الأشبال» التي تعتبر المرحلة التأهيلية لمنظمة «شباب هتلر». وأنهى مرحلة طفولته عام 1942 مع دخوله إلى «شباب هتلر»، وسحب فصيله بالكامل إلى الجبهة كمراسلين. وعايش غينشر قصف لايبزج الشهير من قبل الحلفاء عام 1943، وكان عمره لا يزيد على 16 سنة.
وعاد غينشر ليزور أمه في هالة عام 1944، واعتقله الحلفاء قبل يوم واحد من موعد الانتهاء الرسمي للحرب. وتنقل بين السجون الأميركية والبريطانية إلى أن أطلق سراحه عام 1946، وبعد أشهر قضاها في الثانوية لإكمال البكلوريا، و3 أشهر في مصحة لتلقي العلاج ضد السل الرئوي، سجل أسمه رسميًا في جامعة هالة لدراسة القانون. وانتقل عام 1948 إلى جامعة «لايبزج» وأدى الامتحان النهائي الأول في القانون في خريف 1949.
وكتب غينشر في مذكراته: «بدأت أدرك أنه لا مستقبل لدي في ألمانيا الديمقراطية، وأني لا أستطيع أن اكبت آرائي السياسية مدى الحياة». وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1952 تنكر مع اثنين من أصدقائه على شكل سائحين وغادر هالة إلى برلين الغربية، ولحقته أمه في أبريل (نيسان) 1954، وفي العام نفسه، أدى امتحان القانون الثاني في جامعة هامبورغ، وبدأ حياته السياسية بعد أن انخرط في الحزب الليبرالي. وأصبح، عام 1956، مستشارًا قانونيًا للكتلة البرلمانية للحزب الليبرالي، ثم أحد أعضاء قيادة الحزب منذ 1960، ثم نصب رئيسًا للحزب بين 1954 – 1965، وشغل منصب وزير الداخلية في حكومة فيلي براندت عام 1974. وقدّم نفسه لمنفذي عملية ميونيخ (الدورة الأولمبية) كرهينة مقابل إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، لكن منفذي العملية رفضوا ذلك.
عرف غينشر بنزاهته، وعرض كل الهدايا التي تلقاها خلال فترة استيزاره في مزاد علني وأعاد الأموال إلى صندوق الدولة الألمانية. وكانت الهدايا القيمة من دول أفريقيا وآسيا وأوروبا تمثّل ثروة كبيرة.
وفي 11 مارس من عام 2011، تعرض غينشر إلى «أخطر أزمة قلبية» بحسب وصفه، حينما سرق اللصوص القلم الذي وقع به اتفاق الوحدة الألمانية من بيته في بون. وكان غينشر وزوجته باربرا مدعوين إلى حفلة عشاء خارج بيتهما حينما حصلت السرقة. وقال المحققون آنذاك إن اللصوص كانوا يراقبون حركة الزوجين، واختاروا وقت غيابهما لتنفيذ العملية.
وفاة هانز ديتريش غينشر.. دبلوماسي الحرب الباردة
«حفظ السلام» أكثر عبارة كرّرها في مذكراته
صورة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر (يسار) برفقة المستشار الألماني هيلموت شميدت (وسط) ووزير الخارجية الألماني هانز ديتريش غينشر (يمين) خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ في 7 سبتمبر 1976 (أ.ف.ب).... هانز ديتريش غينشر خلال حضوره إحدى فعاليات حزبه في 5 فبراير (شباط) 2006 (رويترز)
وفاة هانز ديتريش غينشر.. دبلوماسي الحرب الباردة
صورة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر (يسار) برفقة المستشار الألماني هيلموت شميدت (وسط) ووزير الخارجية الألماني هانز ديتريش غينشر (يمين) خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ في 7 سبتمبر 1976 (أ.ف.ب).... هانز ديتريش غينشر خلال حضوره إحدى فعاليات حزبه في 5 فبراير (شباط) 2006 (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
















