وفاة هانز ديتريش غينشر.. دبلوماسي الحرب الباردة

«حفظ السلام» أكثر عبارة كرّرها في مذكراته

صورة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر (يسار) برفقة المستشار الألماني هيلموت شميدت (وسط) ووزير الخارجية الألماني هانز ديتريش غينشر (يمين) خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ في 7 سبتمبر 1976 (أ.ف.ب)....  هانز ديتريش غينشر خلال حضوره إحدى فعاليات حزبه في 5 فبراير (شباط) 2006 (رويترز)
صورة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر (يسار) برفقة المستشار الألماني هيلموت شميدت (وسط) ووزير الخارجية الألماني هانز ديتريش غينشر (يمين) خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ في 7 سبتمبر 1976 (أ.ف.ب).... هانز ديتريش غينشر خلال حضوره إحدى فعاليات حزبه في 5 فبراير (شباط) 2006 (رويترز)
TT

وفاة هانز ديتريش غينشر.. دبلوماسي الحرب الباردة

صورة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر (يسار) برفقة المستشار الألماني هيلموت شميدت (وسط) ووزير الخارجية الألماني هانز ديتريش غينشر (يمين) خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ في 7 سبتمبر 1976 (أ.ف.ب)....  هانز ديتريش غينشر خلال حضوره إحدى فعاليات حزبه في 5 فبراير (شباط) 2006 (رويترز)
صورة أرشيفية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر (يسار) برفقة المستشار الألماني هيلموت شميدت (وسط) ووزير الخارجية الألماني هانز ديتريش غينشر (يمين) خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ في 7 سبتمبر 1976 (أ.ف.ب).... هانز ديتريش غينشر خلال حضوره إحدى فعاليات حزبه في 5 فبراير (شباط) 2006 (رويترز)

أنهت أزمة قلبية حياة «ثعلب الدبلوماسية الألمانية العجوز»، هانز ديتريش غينشر عن عمر يناهز 89 سنة. وقال بيان أصدرته دائرة المستشارة أنجيلا ميركل إن غينشر توفي بين أهله وأحبائه بالقرب من العاصمة السابقة بون. وكان الوزير المخضرم السابق نقل قبل عدة أيام إلى المستشفى بعد أن تدهورت حالته الصحية.
وطبع غينشر الدبلوماسية الألمانية ببصماته طوال ربع قرن الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وكان مايسترو سياسة الانفراج إبان الحرب الباردة. ونال لقب «دبلوماسي الحرب الباردة»، حيث كان أحد موقّعي اتفاقية الوحدة الألمانية التي أنهت الحرب الباردة.
قبل استقالته المفاجئة من منصبه في مايو (أيار) 1992، كان وزير الخارجية الألماني المخضرم هانز ديتريش غينشر يعدّ أقدم وزير خارجية في العالم. ويقال، لكثرة ترحاله، إنه لو حسبت رحلاته المكوكية وخطوط طيرانه حول الكرة الأرضية خلال فترة استيزاره البالغة 18 عامًا، لكان قد التقى بنفسه حتمًا في إحدى المرات، بحسب النظرية النسبية لآينشتاين. وتوالى 6 وزراء خارجية أميركيين خلال الفترة التي تربع خلالها غينشر على «عرش» الدبلوماسية الألمانية.
وسمي غينشر بالوزير المخضرم لأنه عاصر المستشار فيلي براندت وزيرا للداخلية، وقاد الدبلوماسية الألمانية بين 1974 - 1992 مجايلا هيلموت شميدت وهيلموت كول. وعاصر غينشر فترات حكم الاشتراكيين والمحافظين على حد سواء، كما قاد أوركسترا السياسة الخارجية الألمانية قبل وبعد الوحدة الألمانية.
هذا عدا عن أنه قاد الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) بين 1974 - 1985، وترك بصماته واضحة على هذا الحزب، كما ترك بصماته على السياسة الخارجية الألمانية التي حملت اسمه «الغينشرية». وبالنظر لنظام الأحزاب البرلمانية الثلاثة (الاشتراكي والديمقراطي المسيحي والليبرالي) الذي قاد ألمانيا طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد حكم على الحزب الليبرالي أن يكون حليف أحد الحزبين الكبيرين حتى صعود الخضر إلى البرلمان كقوة رابعة عام 1988.
ويعتبر غينشر أشهر شخصية في السياسة الخارجية بعد موحد ألمانيا أوتو إدوارد ليوبولد فون بسمارك، وبعد وزير الخارجية غوستاف شتريزمان (23 - 1926) الذي أخرج الفرنسيين من منطقة الراين، وعزلهم عن حلفائهم الإنجليز آنذاك، وعقد اتفاقية عدم الاعتداء مع روسيا. وإذا كان شتريزمان يوصف بأنه أفضل استراتيجي ألماني في السياسة الخارجية، فإن غينشر يعتبر الأفضل تكتيكيًا على الإطلاق. وأطلق عليه ريتشارد برت، السفير الأميركي في بون مطلع الثمانينيات، لقب «المخادع» بسبب تكتيكاته الملتوية.
ويمكن اختصار «الغينشرية» بالقول إن وزير الخارجية المخضرم كان أحد أفضل لاعبي الأدوار السياسية خلال الحرب الباردة. ورسم سياسة جديدة لألمانيا المنقسمة ترتكز على تحقيق التوازن بين الشرق والغرب وتعزيز الانفراج في أوروبا. ويقال إن بعض الكلمات التي يستخدمها الإنسان تعتبر «مفاتيح» شخصيته، وعلى هذا الأساس لاحظ أحد الصحافيين الألمان أن «حفظ السلام والمسؤولية، والتعاون، والقدرة على التصرف» كانت الكلمات الأكثر تردّدا في مذكرات غينشر، التي صدرت عام 1990 بنحو ألف صفحة.
ولعب غينشر دورًا بارزًا في السلام والانفراج في أوروبا، إذ كان أحد أهم الشخصيات التي وضعت تواقيعها إلى اتفاقية الوحدة الألمانية إلى جانب ريغان وكول وغورباتشوف وشيفرنادزه. ويقول غينشر في مذكراته إن الوحدة الألمانية كانت أهم منجزاته خلال عمله السياسي النشط منذ الخمسينات. واعتبر غينشر يوم 30-9-1989 أهم يوم في حياته لأنه أبلغ فيه الألمان الشرقيين المعتصمين في سفارة ألمانيا الاتحادية في براغ، الذي كان عددهم يناهز 4500 شخصا، بأنه تمت الموافقة على نقلهم في قطارات إلى ألمانيا الغربية.
وفي جزء من أكثر فترات حياته السياسية قتامة وغموضًا، سارع غينشر إلى الاعتراف بسلوفينيا وكرواتيا في ديسمبر (كانون الأول) 1991، وكانت خطوة منفردة، لم يتم الاتفاق عليها في الاتحاد الأوروبي، وانتقدها الأمين العام للأمم المتحدة خافير دي كويلار لأنها أدت إلى توسيع الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة. واتخذ غينشر هذه الخطوة رغم معرفته بحساسية الموضوع بالنسبة للصرب الذين كانوا ينظرون إلى الكرواتيين كحلفاء سابقين لأدولف هتلر.
لم يتحدث غينشر بوضوح، ولا حتى في مذكراته، عن أسباب استقالته المفاجئة من منصبه عام 1992، واكتفى بإشارات عن مرضه و«نصائح الطبيب» و«تأثير زوجته» عليه. ويرى البعض أن غينشر كان «متشائمًا» من مستقبل ألمانيا الموحدة رغم نضاله الطويل من أجلها، وأنه استقال بعد فترة قليلة من الوحدة الألمانية في محاولة للقفز من السفينة قبل غرقها». ويرى البعض الآخر أن غينشر فقد، بانتهاء الحرب الباردة، الأرضية التي يجيد المناورة عليها، وما عاد قادرًا على مواكبة «النظام العالمي الجديد». وفي هذا الإطار، قالت زوجته باربرا غينشر في مقابلة صحافية أنها لم تجبر زوجها على الاستقالة. وأشارت إلى أن معهد أمراض القلب قدم لزوجها آخر نتائج التحليلات في يوليو (تموز) عام 1989 وأن الفحوصات كانت مقلقة.
ولم تكن حياة غينشر على متن الطائرات مريحة، كما لم تكن طفولته سعيدة حيث أصيب بالسل الرئوي وهو شاب صغير وقضى أشهرًا في المصحات. كما أنه خدم في الجيش الألماني إبان الحرب العالمية الثانية، واعتقل عدة مرات بعد انتهاء الحرب. وقضى أشهرًا طويلة متنقلا بين السجون الأميركية والبريطانية، قبل أن يطلق سراحه في عام 1946.
وارتبط بعلاقة وثيقة بالرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف، ونشأت علاقة مماثلة بين زوجته باربرا وراسيا غورباتشوف. وظل الاثنان يلتقيان بين آونة وأخرى رغم تفكّك الاتحاد السوفياتي واستقالة غينشر من وزارة الخارجية. وكتب في مذكراته أن موت راسيا أثر كثيرا في حياته وصحته، وأنه كان أول من سافر إلى موسكو برفقة زوجته لحضور مراسم الدفن. ويقال إن الأسس الأولية لاتفاق الوحدة الألمانية تم رسمها بين غينشر وغورباتشوف في القوقاز عام 1990.
وولد هانز ديتريش غينشر يوم 21 مارس (آذار) 1927 في مدينة رايدلبيرغ الصغيرة بالقرب من هالة (شرقي البلاد). وانتقلت العائلة إلى هالة عام 1933 حيث ارتاد غينشر، بعد وفاة والده عام 1937. على مدرسة سالشتادت. وانضم إلى «منظمة الأشبال» التي تعتبر المرحلة التأهيلية لمنظمة «شباب هتلر». وأنهى مرحلة طفولته عام 1942 مع دخوله إلى «شباب هتلر»، وسحب فصيله بالكامل إلى الجبهة كمراسلين. وعايش غينشر قصف لايبزج الشهير من قبل الحلفاء عام 1943، وكان عمره لا يزيد على 16 سنة.
وعاد غينشر ليزور أمه في هالة عام 1944، واعتقله الحلفاء قبل يوم واحد من موعد الانتهاء الرسمي للحرب. وتنقل بين السجون الأميركية والبريطانية إلى أن أطلق سراحه عام 1946، وبعد أشهر قضاها في الثانوية لإكمال البكلوريا، و3 أشهر في مصحة لتلقي العلاج ضد السل الرئوي، سجل أسمه رسميًا في جامعة هالة لدراسة القانون. وانتقل عام 1948 إلى جامعة «لايبزج» وأدى الامتحان النهائي الأول في القانون في خريف 1949.
وكتب غينشر في مذكراته: «بدأت أدرك أنه لا مستقبل لدي في ألمانيا الديمقراطية، وأني لا أستطيع أن اكبت آرائي السياسية مدى الحياة». وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1952 تنكر مع اثنين من أصدقائه على شكل سائحين وغادر هالة إلى برلين الغربية، ولحقته أمه في أبريل (نيسان) 1954، وفي العام نفسه، أدى امتحان القانون الثاني في جامعة هامبورغ، وبدأ حياته السياسية بعد أن انخرط في الحزب الليبرالي. وأصبح، عام 1956، مستشارًا قانونيًا للكتلة البرلمانية للحزب الليبرالي، ثم أحد أعضاء قيادة الحزب منذ 1960، ثم نصب رئيسًا للحزب بين 1954 – 1965، وشغل منصب وزير الداخلية في حكومة فيلي براندت عام 1974. وقدّم نفسه لمنفذي عملية ميونيخ (الدورة الأولمبية) كرهينة مقابل إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، لكن منفذي العملية رفضوا ذلك.
عرف غينشر بنزاهته، وعرض كل الهدايا التي تلقاها خلال فترة استيزاره في مزاد علني وأعاد الأموال إلى صندوق الدولة الألمانية. وكانت الهدايا القيمة من دول أفريقيا وآسيا وأوروبا تمثّل ثروة كبيرة.
وفي 11 مارس من عام 2011، تعرض غينشر إلى «أخطر أزمة قلبية» بحسب وصفه، حينما سرق اللصوص القلم الذي وقع به اتفاق الوحدة الألمانية من بيته في بون. وكان غينشر وزوجته باربرا مدعوين إلى حفلة عشاء خارج بيتهما حينما حصلت السرقة. وقال المحققون آنذاك إن اللصوص كانوا يراقبون حركة الزوجين، واختاروا وقت غيابهما لتنفيذ العملية.



3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)

أسفرت ضربات روسية بالمسيّرات والصواريخ استهدفت أوكرانيا ليلاً عن مقتل 3 أشخاص على الأقل وإصابة عدد آخر بجروح، حسبما أفاد به مسؤولون إقليميون، اليوم (الاثنين).

وقُتل شخصان عندما استهدفت مسيّرات منطقة أوديسا، حسبما أفاد به الحاكم الإقليمي أوليغ كيبر، مشيراً إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجروح.

وفي زابوريجيا، أدى هجوم بمسيّرات استهدف منشآت صناعية إلى مقتل رجل يبلغ من العمر 33 عاماً وإصابة آخر بجروح، حسب حاكم المنطقة إيفان فيدوروف.

رجال الإطفاء داخل مجمع تابع لشركة خاصة تضرر جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة خلال الليل في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا بمنطقة أوديسا (رويترز)

تتعرّض المدينة التي تعد مركزاً صناعياً رئيسياً قرب خط الجبهة، لضربات متكررة في وقت تكثّف القوات الروسية الضغط على جنوب شرقي أوكرانيا.

وشمالاً، استهدف صاروخ منطقة خولودنوغرسكي في خاركيف، حسبما أفاد به رئيس البلدية إيغور تيريخوف، صباح الاثنين.

ولم يفصح عن عدد للضحايا في وقت عملت فرق الطوارئ على تقييم الأضرار.

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (رويترز)

جاءت الضربات بعد وابل من الصواريخ والمسيّرات الروسية التي استهدفت، الأحد، البنى التحتية المخصصة للطاقة وسكك الحديد ومناطق سكنية في أنحاء أوكرانيا، حيث استُهدفت كييف على وجه الخصوص.

سيارة تحترق في أوديسا (رويترز)

وقُتل رجل وأُصيب أكثر من عشرة بجروح في العاصمة وفي محيطها في ذلك الهجوم.


4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
TT

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)

في ختام الكلمة التي ألقاها مطالع مايو (أيار) 1950، خلال الحفل التأسيسي لمجموعة الفحم والصلب الأوروبية، التي كانت النواة الأولى للمجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم للسوق الأوروبية المشتركة وبعدها للاتحاد الأوروبي، قال جان مونّيه، أحد «آباء أوروبا الأربعة» (إلى جانب كونراد أديناور وروبرت شومان وآلشيدي دي غاسبيري)، إن «المشروع الأوروبي لن يكتمل بناؤه إلا من رحم الأزمات التي هي أفضل حليف له».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

انقضت 75 سنة على تلك العبارة التي أكّدت صحتها سبحة الأزمات التي تعاقبت على المشروع الأوروبي، ليخرج منها بقفزات نوعيّة رسّخت دعائمه، وكانت خطوات واسعة نحو المزيد من الاندماج والتكامل على الأصعدة المالية والاجتماعية والاقتصادية. لكن العملاق الاقتصادي الذي تولّد من ذلك المشروع الطموح الذي قام ليكون سدّاً منيعاً في وجه المغامرات العسكرية التي أدمت التاريخ الأوروبي، ما زال «قزماً سياسياً» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم ويرسمون الخرائط الجيوسياسية.

معادلة الاقتصاد والسياسة

لا يختلف اثنان في أوروبا على أن فشل المشروع الأوروبي حتى الآن في معادلة قوته الاقتصادية بالنفوذ السياسي الذي يتناسب معها، يعود لسببين: الأول، تمنّع الدول الأعضاء، وبخاصة منها الكبرى، في التنازل للإدارة المشتركة عن صلاحيات في السياسة الخارجية. والثاني، وربما الأهم، رفض الحكومات الأوروبية وضع قدراتها العسكرية تحت عباءة قيادة موحّدة وتشكيل جيش مشترك يخضع لتوجيهات المجلس الأوروبي وأوامره.

لكن الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا على خطوط التماس الأوروبية، والمخاوف التي أيقظتها من تكرار مغامرات استعادة المجد الروسي الضائع، والشرخ العميق الذي ظهر في العلاقات الأوروبية - الأميركية على أكثر من صعيد، كل ذلك وضع الأوروبيين أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله منذ سنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف تبدّلت أولوياته ومصالحه وبات في خانة المنافسين والخصوم.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تتحدث خلال ندوة في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ)

الدورة الأخيرة من مؤتمر الأمن في ميونيخ كانت بمثابة تلاوة الفاتحة على جثمان النظام العالمي الذي قام فوق ركام الحرب العالمية الأخيرة، كما شهدت جنازة العلاقات الأطلسية التي نشأت لردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء في يالطا، والتي كانت طوال عقود سبعة صمّام أمان للأوروبيين وعباءة أمنية سمحت لهم بالانصراف إلى بناء مشروع التكامل الاقتصادي بعيداً عن هموم التسلّح وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة دونالد ترمب إعادة تشكيل جذرية لهذه العلاقات، وأظهرت عزماً واضحاً على رفع الغطاء الأمني عن حلفائها التاريخيين، إلا إذا استوفوا شروطها التي لم تعد تقتصر على زيادة تمويل المجهود العسكري، لتتجاوزه إلى العلاقات التجارية والسياسية.

أوكرانيا تُفجّر الخلافات

وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، تداعت بلدان الاتحاد الأوروبي للنفير الذي أطلقته إدارة جو بايدن، وحشدت موارد عسكرية ومالية ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي بالمال والأسلحة والتكنولوجيا، لمساعدة الجيش الأوكراني في مجهوده لصدّ الهجمات الروسية. وتفيد المصادر الرسمية الأوروبية بأن مجموع المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا منذ فبراير (شباط) 2022 حتى اليوم، يزيد على 190 مليار دولار، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها البرلمان الأوروبي منذ أيام بمقدار 94 مليار دولار.

هذا المجهود الضخم كانت له، ولا تزال، تداعيات عميقة على المشهد السياسي الأوروبي؛ إذ تنامت الجهات المتحفظة على الاستمرار في تمويل أوكرانيا، وتلك الرافضة لمواصلة الرهان على المواجهة العسكرية مع موسكو والداعية إلى استعادة قنوات التواصل المباشر معها لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير على هامش مشاركته بمؤتمر الأمن في العاصمة البافارية (د.ب.أ)

لكن في المقابل، ومع مضي الإدارة الأميركية في انكفائها عن الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، وتزايد المخاوف من إقدام روسيا على مغامرات أخرى في الجوار الأوروبي، بدأت ترجح كفة الدول الداعية إلى افتراص هذا الوضع لتحقيق الحلم الكبير الذي كان يراود الآباء المؤسسين للاتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قيادة موحدة يكون المدماك الأخير الذي يرسّخ مشروع الاتحاد في صيغته الفيدرالية.

وكان لافتاً ما جاء في التقرير الأمني الأخير الذي صدر عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمجلس الأوروبي، أن تكلفة الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا، هي دون الكلفة السنوية المفترضة في حال نصر روسي محتمل وحرب ضد الحلف الأطلسي، علماً بأن مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثير.

«عطلة تاريخية طويلة»

كان التقرير المذكور صدر عشيّة مؤتمر ميونيخ الذي ما زالت تتردد في أصدائه التصريحات «الديغولية»، التي أدلى بها المستشار الألماني فردريك ميرتس عندما قال: «إن النظام العالمي الذي كان قائماً طيلة عقود لم يعد موجوداً... وإن العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب ناشئة عن التخاصم بين الدول العظمى بقدر ما هي ثمرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية، في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من الحدود القصوى لقدراتها على التأثير في الأحداث العالمية الكبرى».

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

وأضاف: «أوروبا اليوم عائدة من عطلة تاريخية طويلة»، كاشفاً عن أنه في مرحلة متقدمة في محادثاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «قدرة ردع نووية أوروبية» تحت المظلة النووية للحلف الأطلسي، ودعا إلى زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتوحيد الصناعات الحربية الأوروبية.

لكن ماكرون، من جهته، أكد التركيز على أهمية العلاقات الأطلسية كما فعل ميرتس، وشدد على ضرورة التنسيق الأوروبي لإرساء القواعد النهائية للبنيان الأمني المستقل، رافضاً المفاوضات التي تدار من خارج الاتحاد لفرض أطر أمنية على الأوروبيين.

وأرسل الرئيس الفرنسي أكثر من إشارة إلى أن الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبي موحّد يكون نواة الاستقلالية الأوروبية، خاصة بعد أزمة غرينلاند التي طويت صفحتها مؤقتاً، وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجدداً إلى مشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

ورغم تحاشي الأوروبيين حتى الآن الحديث صراحة عن «جيش مشترك»، يتفق الجميع على أن التسمية ليست هي المهمة، بل أن يكون للاتحاد قوة دفاعية أوروبية مقتدرة، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في ميونيخ مؤخراً: «لسنا بحاجة إلى 27 جيشاً قوياً، بل إلى 27 دولة عضواً في الاتحاد تساهم في منظومة أوروبية مشتركة للدفاع».

جانب من اجتماع الجانبين الألماني والصيني في ميونيخ يوم 14 فبراير (رويترز)

وقد علمت «الشرق الأوسط» أنه برغم تحفظات بعض الدول على فكرة الجيش المشترك، والحذر الشديد الذي تقارب به المفوضية هذا الملف الحسّاس سياسياً، كان موضوع القوة الدفاعية الأوروبية المشتركة مطروحاً، للمرة الأولى، على جدول أعمال مجلس وزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل مطلع هذا الشهر.

وذكّر أحد الوزراء المشاركين في ذلك الاجتماع، بأن فكرة القوة العسكرية المشتركة تعود إلى بدايات المشروع الأوروبي، وهي طرحت لأول مرة عام 1952 تحت عنوان «مجموعة الدفاع الأوروبية»، لكنها لم تشهد النور يومها بسببٍ من رفض فرنسا القاطع لها. فرنسا التي هي اليوم، إلى جانب ألمانيا، أكثر الدول تحمساً لها. وثمّة من ذهب إلى القول: «على الأوروبيين أن يغيّروا بشكل جذري استراتيجيتهم الدفاعية، وساذج هو الذي ما زال يراهن على ترمب للدفاع عن أوروبا».


زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة، وذلك في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». وفي حديثه من كييف، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، قبيل الذكرى الرابعة للصراع بين روسيا وأوكرانيا، يوم الثلاثاء، قال زيلينسكي إن رؤيته للصراع تختلف عن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأوضح زيلينسكي، في المقابلة التي ترجمتها «بي بي سي» من الأوكرانية إلى الإنجليزية ونُشرت في وقت متأخر من يوم الأحد بتوقيت لندن: «لدينا وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالحرب العالمية الثالثة. أعتقد أن بوتين قد بدأها بالفعل. السؤال هو ما مساحة الأراضي التي سيتمكن من الاستيلاء عليها وكيف يمكن إيقافه».

ومضى زيلينسكي قائلاً إن «روسيا تريد أن تفرض على العالم أسلوب حياة مختلفاً، وتُغير الحياة التي اختارها الناس لأنفسهم، لذلك، أنا أؤمن، وقد آمنت لفترة طويلة، بأن بوتين قد بدأ، بالفعل، هذه الحرب، ونحن نمنعها من أن تصبح حرباً عالمية ثالثة واسعة النطاق»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

كما ذكر الزعيم الأوكراني أنه يُعوّل على ضمانات أمنية موثوقة من الولايات المتحدة لبلاده لا تعتمد فقط على إرادة الرئيس الأميركي.

وقال زيلينسكي، عندما سئل عما إذا كان يثق في ترمب: «بصفتنا رؤساء، لدينا فترات ولاية محددة. نحن نريد ضمانات لمدة 30 عاماً، على سبيل المثال. هناك حاجة للكونغرس. الرؤساء يتغيرون، لكن المؤسسات تبقى».

وشدد زيلينسكي أيضاً على أن الهدف على المدى الطويل هو استعادة جميع الأراضي التي احتلتها روسيا منذ بداية الحرب، والعودة إلى حدود أوكرانيا التي تأسست عام 1991؛ عام استقلالها. ورأى أن تحقيق هذا الهدف مجرد مسألة وقت، ولكنه ليس ممكناً في الوقت الحاضر.

وقال الزعيم الأوكراني: «القيام بذلك، اليوم، يعني فقدان عدد هائل من الناس، الملايين من الناس؛ لأن الجيش الروسي كبير، ونحن ندرك تكلفة مثل هذه الخطوات. لن يكون لدينا ما يكفي من الناس، كما أننا لا نملك كمية كافية من الأسلحة، وهذا لا يعتمد علينا فقط، بل على شركائنا».