هوى صوت الجبل اللبناني ورحل بهدوء

وديع الصافي احتفظ بوعيه حتى اللحظات الأخيرة.. وكان يردد دائما أمام أولاده بأن ساعة الوداع باتت وشيكة

عاش صاحب «عندك بحرية يا ريس» و«على الله تعود» و«يا بني» و«دق باب البيت عالسكيت» وغيرها  فترة طويلة رحالة.. يتنقل من بلاد إلى أخرى وأبرزها البرازيل وفرنسا (رويترز)
عاش صاحب «عندك بحرية يا ريس» و«على الله تعود» و«يا بني» و«دق باب البيت عالسكيت» وغيرها فترة طويلة رحالة.. يتنقل من بلاد إلى أخرى وأبرزها البرازيل وفرنسا (رويترز)
TT

هوى صوت الجبل اللبناني ورحل بهدوء

عاش صاحب «عندك بحرية يا ريس» و«على الله تعود» و«يا بني» و«دق باب البيت عالسكيت» وغيرها  فترة طويلة رحالة.. يتنقل من بلاد إلى أخرى وأبرزها البرازيل وفرنسا (رويترز)
عاش صاحب «عندك بحرية يا ريس» و«على الله تعود» و«يا بني» و«دق باب البيت عالسكيت» وغيرها فترة طويلة رحالة.. يتنقل من بلاد إلى أخرى وأبرزها البرازيل وفرنسا (رويترز)

«أنا رايح لعندو ونيال اللي بموت قبل أولادو». هذه الكلمات لفظها المطرب اللبناني وديع الصافي أمام أولاده قبيل لحظات من وفاته في أحد مستشفيات منطقة المتن وبالتحديد في مستشفى (بيل فو) في المنصورية عن عمر يناهز الـ92.
وحسب ما ذكر الطبيب سامي حداد، زوج إحدى بناته (مارلين) لـ«الشرق الأوسط»، فإن «وديع الصافي تم نقله إلى قسم الطوارئ في المستشفى المذكور بعد ظهر أمس نحو السادسة مساء، إثر إصابته بأزمة قلبية حادة. وبقي الأطباء المختصون يحاولون إنعاشه لمدة ثلاث ساعات إلا أنه ما لبث أن فارق الحياة متأثرا بحالته الصحية المتردية». وقال حداد: «كانت صحته تتراجع باستمرار في الآونة الأخيرة مما جعله مقيما في سريره منذ نحو السنتين». وعن طبيعة المرض الذي أودى بحياته أوضح قائلا: «ليس هناك من مرض محدد، إذ كان في الفترة الأخيرة يعاني من قصور في القلب والرئة وغيرها من الأمراض التي تصيب عادة الشخص بعمره، ولكنه بقي حتى اللحظة الأخيرة يقظا واعيا رغم أن كلامه بدأ يقل مع الوقت إلى أن صار يلوذ أكثر بالصمت».
وعما إذا كان أفراد عائلته بقربه ساعة ما وافته المنية أجاب: «لم يتركه أولاده ولو لحظة واحدة وهو كان يسكن في منزل ابنه طوني في المنصورية حيث أحيط بكل رعاية وعطف».
وأشار د. حداد إلى أنه وعلى الرغم من حالته الصحية المتردية في الفترة الأخيرة، فإنه حافظ على رباطة جأشه، وكان يستقبل جميع زواره ويسميهم بأسمائهم.
وأضاف: «لقد شغله الغناء حتى وهو في هذه الحالة (في بداية مرضه) إذ كان يمسك بآلة العود ويعزف عليها ويدندن للحظات قليلة ثم يضعها جانبا لأنه كان منهكا ومتعبا».
وعما إذا كان قد شعر بدنو رحيله عن هذا العالم رد د. سامي حداد «لقد شعر بدنو أجله منذ فترة طويلة، فكان مدركا لذلك منذ اللحظات الأولى لمرضه، فغالبا ما كان يردد قائلا، (أجا الوقت وصار لازم روح)».
وعن حالة أبنائه إثر سماعهم بخبر وفاته علق د. حداد: «لقد صدمنا جميعا رغم أننا كنا على علم مسبق بأن حالته الصحية صعبة، ولكننا كنا نأمل دائما أن يعيش بيننا أطول فترة ممكنة. فهو كان بمثابة بركة البيت ورأس الهرم فيه».
أما نجل المطرب الراحل جورج صافي، وهو أحد أبنائه المقربين جدا منه، إذ كان يرافقه في حفلاته الغنائية وتسجيلاته الصوتية وحفلات تكريمه حتى سنوات خلت، فقد أصيب بانهيار عصبي إثر وفاة والده (مساء الجمعة)، فأجهش بالبكاء وامتنع عن الرد على المكالمات الهاتفية التي وردته عقب انتشار الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفزة التي بثته تحت عنوان «خبر عاجل». وبدا جورج متأثرا خلال إطلالة تلفزيونية في ساعة متأخرة مساء أول من أمس، وقال بصوت متهدج: « قلبه لم يستطع التحمل فخانه وكان يقول دائما نيال اللي بروح قبل أولادو».
أحد أحفاد المطرب الراحل (وودي جوليان) الموجود حاليا في ولاية (ميري لاند) في الولايات المتحدة الأميركية، علم بالخبر بالتواتر ومن خلال مواقع الاتصال الاجتماعي قبيل أن يتصل به والده شخصيا ليخبره بالأمر. وفي اتصال معه أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه ما زال لا يستوعب خبر وفاة جده الذي كان يستمتع بالجلوس معه لأوقات طويلة، وأنه لطالما افتخر به وبالمدرسة التي أسسها في الغناء في العالم العربي وقال: «كان يملك صوتا فريدا من نوعه وما زلت أذكر حتى اليوم حادثة حصلت معي وحفرت في ذهني، عندما كنت متوجها إلى منزله فسمعت صوته من بعيد ينشد إحدى الأغاني. لقد كان في استطاعة كل أهل الحي سماعه أيضا، والمفاجأة كانت أنه كان يغني من دون ميكروفون من داخل غرفة الجلوس التي يحب تمضية أطول وقت ممكن فيها».
وزير الثقافة غابي ليون كان أول الواصلين إلى المستشفى حيث رقد عملاق الغناء العربي معزيا عائلته.
والمعروف أن وديع الصافي واسمه الحقيقي وديع فرنسيس، ولد في عام 1921 ولم يكن بعد قد أكمل السنتين من عمره عندما أذهل خاله نمر العجيل بقوة صوته ونقاوته. كان يطيب له أن يمسك بيده ويجول وإياه في إحياء بلدة نيحا في البقاع حيث مسقط رأسه وعند سماع صياح الديك كان الطفل يتوقف لبرهة ويصيح بدوره مقلدا الديك ببراعة، فيربت الخال على كتفه إعجابا وهو يتمتم «مش معقول ولد بها العمر بيملك هالصوت».
أول أجر قيم تقاضاه وديع الصافي في بداية مشواره الفني كان ثماني ليرات ذهبية من الست نظيرة جنبلاط والدة الزعيم الدرزي الراحل كمال جنبلاط، وذلك لقاء غنائه لها وهي طريحة الفراش وكان يومها لا يتجاوز الـ11. عام 1938 انتقلت عائلة فرنسيس إلى بيروت وهناك لعبت الصدفة دورها، عندما دخل عليه شقيقه توفيق يحمل قصاصة ورق عن إعلان لمسابقة غنائية تنظمها إذاعة لبنان الرسمية والمعروفة حينذاك بإذاعة الشرق الأدنى. ويقال إن أغنيتي «ولو» و«ندم» كانتا بمثابة باب جديد تنطلق منه الأغنية العربية فاستوحيت منهما أغاني كثيرة بينها «أيظن» من شعر نزار قباني، التي غناها محمد عبد الوهاب وبعده نجاة الصغيرة، وتتمحور حول قصة تحاكي المستمع وتداعب خياله.
عاش صاحب «عندك بحرية يا ريس» و«على الله تعود» و«يا بني» و«دق باب البيت عالسكيت» وغيرها فترة طويلة رحالة، يتنقل من بلاد إلى أخرى وأبرزها البرازيل وفرنسا، حيث بقي فيها طيلة فترة الحرب اللبنانية. تعرض لأكثر من نكسة صحية عندما أصيب بمرض في رئتيه عام 1979 ومرة أخرى عام 1989 عندما خضع لعملية قلب مفتوح. وفي عام 2003 أضاء اللبنانيون الشموع من أجله بعد أن أصيب بوعكة صحية ألمت بقلبه المتعب بقي على إثرها فترة في المستشفى.
كرمه أكثر من رئيس جمهورية وحمل أكثر من وسام استحقاق منها خمسة أوسمة لبنانية نالها أيام كميل شيمعون، وفؤاد شهاب، وسليمان فرنجية، وإلياس الهراوي. أما الرئيس اللبناني إميل لحود فقد منحه وسام الأرز برتبة فارس.
حمل ثلاث جنسيات المصرية والفرنسية والبرازيلية، إلا أنه يفتخر باللبنانية ويردد أن الأيام علمته بأن ما أعز من الولد إلا البلد.. وهو مستعد للبسمة في أي لحظة ويصفه ابنه أنطوان أنه «يضحك بالعرض» أي من كل قلبه. من أحب الأغاني إلى قلبه «الليل يا ليلى».. ووصيته الدائمة لأولاده أن يتسلحوا بالمحبة: «لتكن المحبة زادكم اليومي وأنتم تعملون.. وأنتم تأكلون وأنتم تتحدثون وأنتم تغنون».
وانشغل الوسط الفني في لبنان بخبر رحيل وديع الصافي، وطالبت المطربة نجوى كرم الدولة اللبنانية بإعلان يوم حداد رسمي لفقدانها «فنانا لن نشهد مثيلا له إلا كل مائة عام». وشاركها الرأي الملحن هشام بولس. فيما شن الإعلامي نيشان ديرهاروتونيان انتقادا لاذعا على المحطات التلفزيونية التي تابعت عرض برامجها ليلة وفاة وديع الصافي بشكل طبيعي. وعلق قائلا: «لو أي زعيم جرح إصبع يده لكانت التلفزيونات انعجقت وقطعت برامجها لمتابعة الخبر، فغياب وديع الصافي لم يعكر صفو برامجهم وكأن البلد في غيبوبة». أما نانسي عجرم فغردت على حسابها الخاص في «تويتر» قائلة: «لبنان في حالة ألم وكلنا كذلك. وديع الصافي رمز لبنان ارقد بسلام». أما فارس كرم فكتب على صفحته الخاصة «فيس بوك» «وديع الصافي... الكبار ما بيرحلوا». أما الموسيقي زياد سحاب فقال: «سلم عا زكي.. والأخوين رحباني وفيلمون وهبي». ونعت الفنانة نوال الزغبي الراحل الكبير على طريقتها فقالت: «للأسف الشديد هرم وجبل من لبنان خسرنا منذ لحظات.. العملاق الكبير وديع الصافي الله يرحمه.. خبر محزن». أما إليسا فعلقت على الخبر قائلة: «خسارة كبيرة وحزن عميق تجاه أسطورة عظيمة.. رح تعيش بذكرياتنا وقلوبنا.. الله يرحمك وديع الصافي».
وكان لصباح كلمة رسمية بالمناسبة قالت فيها: «أرزة من أرزات لبنان هوت اليوم وجبال لبنان انحنت حزنا واتشحت بالسواد على رحيل هذا العملاق الكبير». وتابعت: «الله يرحمك يا أستاذ وديع تغمدك الله بواسع رحمته وجعل مثواك الجنة إلى جانب الأبرار.. الله معك يا كبير.. سوف تبقى خالدا في قلوبنا وخالدا بفنك الأصيل وبأغانيك وبأعمالك العظيمة التي ستبقى محفورة على جدار الزمن وفي تاريخ الفن اللبناني العريق.. فلتسترح نفسك في السماء.. الراحة الدائمة أعطه يا رب ونورك الأزلي فليضئ له».
يذكر أن مراسم وداع وديع الصافي ستقام في الثالثة من بعد ظهر غد، في كاتدرائية مار جرجس وسط بيروت.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».