ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا

لعبة «القط والفأر» بين المبعوث الأممي والميليشيات

ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا
TT

ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا

ما تبقى من أوراق كوبلر في ليبيا

شهدت الأيام الأخيرة الماضية مزيدًا من المؤشرات التي توحي بأن التسوية الدولية المعدّة للأزمة الليبية ما زالت تواجه بعض الصعوبات. إذ اضطر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر لإلغاء زيارته المقررة إلى طرابلس بهدف «تمهيد الطريق أمام المجلس الرئاسي» الليبي المنبثق عن اتفاق السلام الموقع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في الصخيرات بالمغرب، وذلك بعدما قوبلت هذه الزيارة بالرفض من القوى المسيطرة على العاصمة. وفي المقابل، طالبت هذه القوى ممثلة بمن تصف نفسها بـ«حكومة الإنقاذ» الأمم المتحدة «بفتح تحقيق في سلوك مبعوثها في ليبيا»، واعتبر رئيسها خليفة الغويل أن كوبلر يدير الأزمة الليبية «بطريقة لا تمت بصلة للوضع في ليبيا»، وأن البعثة الأممية أدارت اجتماعات الصخيرات بطريقة الإقصاء.
كل هذا الجدل.. وكل هذه المناورات الجارية حول الطاولة، تشبه إلى حد بعيد لعبة «القط والفأر» بين المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، والميليشيات التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس، إضافة إلى قوى أخرى تظهر وتختفي من المشهد.
الرهان منذ البداية كان يعتمد على أوراق ميليشيات من مدينة مصراتة المجاورة، لمساندة «حكومة الوفاق» المقترحة من الأمم المتحدة، لكن ماذا تبقى من هذه الأوراق اليوم؟ فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، لم يتمكن حتى الآن من دخول طرابلس، لمباشرة أعماله. كما أن كوبلر نفسه حاول المجيء إلى هنا، لكن تهديدات المسلحين حالت دون ذلك.
رغم كل شيء ما زال هناك أمل. طرابلس مدينة كبيرة. والخطة الجارية على الأرض، والتي يشرف عليها كوبلر والسراج، وأطراف أخرى، تهدف إلى تأمين موقع معين يوجد على شاطئ البحر، يشبه «المنطقة الخضراء» في العاصمة العراقية بغداد، يكون مقرا للحكومة «الشرعية» حسب الاعتراف الدولي.
حتى الآن توجد ثلاثة نطاقات أمنية يجري تحضيرها على قدم وساق، لكي تتولى حراسة مكاتب السراج قبل قدومه من تونس إلى العاصمة. وقد يلحق به كوبلر فيما بعد. هذا أمر محفوف بكثير من المخاطر أيضا. لغة الرفض تبدو حادة وهناك قناصون جرى توزيعهم، قبل عدة أيام، على أسطح عدد من مباني العاصمة؛ في جنزور وقرب فندق المهاري وفي نطاق مستشفى السكري.
* علاقة توتر قديمة
العلاقة المتوترة بين الأمم المتحدة وبعض الميليشيات المسلحة ليست وليدة اليوم. والأمر لا يخص كوبلر كشخص، بل يتعلق بطريقة معالجة المنظمة الدولية للأزمة في ليبيا على ما يبدو. كل طرف في هذا البلد ينظر إلى القضية من زاوية خاصة. غالبا لا أحد يرى الهدف المشترك الذي يمكن أن يوحد الليبيين، ألا وهو إنقاذ الاقتصاد المنهار وحفظ الأمن وبناء الدولة.
لقد دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة الليبية مجددًا في أواخر عام 2014، أي بعد نحو أربع سنوات من القرارات السريعة التي كانت قد اتخذتها ضد نظام معمّر القذافي في 2011. بما فيها منح حلف شمال الأطلسي «ناتو» الضوء الأخضر للتصرف عسكريا في هذا البلد النفطي.
النتيجة منذ البداية كانت كارثية، وهو أمر تحدث عنه صراحة، في الشهور الماضية، رئيس أكبر دولة مجاورة لليبيا، وهي مصر، كما تطرق إليه رئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما.
بعد مقتل معمر القذافي تراجعت الأمم المتحدة خطوات للوراء، إلى أن وقع «الهجوم الإرهابي» على القنصلية الأميركية في بنغازي، ومقتل سفير الولايات المتحدة وثلاثة من رفاقه في مقر القنصلية، في سبتمبر (أيلول) 2012. ومع هذا الحادث، ظهر على السطح اسم أول مبعوث أممي لليبيا، هو الوزير اللبناني السابق الدكتور طارق متري. كما ظهر على المسرح أيضا حقيقة سطوة الميليشيات على حساب الجيش والشرطة. لقد تعرض الجيش الليبي لضربات من الناتو قصمت ظهره وشلت مفاصله. كما تهاوت مؤسسة الشرطة. عقب ذلك بدأ يظهر سؤال عما يمكن أن يصلح حال هذا البلد قبل فوات الأوان. شرع الدكتور علي زيدان، الذي جرى اختياره كرئيس للوزراء في ذلك الوقت، في وضع خطة، بالتعاون مع أطراف دولية، تقضي بنزع سلاح الميليشيات وتعضيد الجيش والشرطة.
لم يكتب لخطط زيدان المرتبكة النجاح، لأسباب كثيرة يطول شرحها، لكن أهمها يكمن في عدم جدية المجتمع الدولي، ودول جوار أيضا، في مواجهة الخطر المتنامي في ليبيا. وفي آخر أيامه في ليبيا كان زيدان في مرمى نيران الميليشيات، حتى اضطر في نهاية المطاف لترك منصبه في ظروف مأساوية.
سطوة المسلحين كانت أكبر بكثير.. أكبر مما يعتقد بعض القادة المحليين وبعض المراقبين الإقليميين والدوليين. ميزات رئيسية حصلت عليها الميليشيات بعد سقوط نظام القذافي، ولم يكن من المحتمل أن تتخلى عنها بسهولة، لا في ذلك الوقت المبكر، ولا اليوم، حيث يحاول كل من السراج وكوبلر، الضغط لحل الأزمة حتى لو وقعت بعض الكسور هنا أو هناك.
* بعد سقوط القذافي
حين سقط نظام القذافي، لم يلتفت الحكام الجدد لبناء المؤسسات التي تمثل العمود الفقري لأي دولة، ألا وهي الجيش والشرطة. في المقابل منح هؤلاء الحكام للميليشيات حق حماية الدُّور الحكومية وحدود الدولة، البرية والبحرية، مقابل مليارات الدولارات سنويا. هنا كشف أمراء الحرب من المنتمين للجماعات المتطرفة عن الوجه الحقيقي للمرحلة الجديدة، خاصة عقب معركة 2014 التي احترق فيها مطار طرابلس الدولي بما فيه من طائرات.
منذ ذلك الوقت اختلط الحابل بالنابل. دخل على الخط جماعات لتهريب السلاح والمقاتلين والمهاجرين غير الشرعيين، لدرجة أصبحت مقلقة لأوروبا وجيران ليبيا الآخرين. ومن جديد بدأ الضغط الدولي يتزايد في محاولة لرأب الصدع. فالبرلمان السابق (المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في صيف 2014) لا يريد أن يعترف بالبرلمان الجديد، ولا بالقوات المسلحة التي أعاد الفريق أول خليفة حفتر تجميعها لمحاربة الميليشيات المتطرفة انطلاقا من شرق البلاد.
المخاوف من تحول ليبيا، الواقعة على السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، إلى دولة فاشلة، جعل المنظمة الدولية تتدخل مرة أخرى، لكن يبدو أنها أمسكت بأوراق لا تحقق مكاسب تذكر على طاولة معقدة. قامت بتسمية ممثل جديد للأمين العام للأمم المتحدة، وهو الإسباني برناردينو ليون. كان ليون يسعى لعقد مصالحة بين البرلمان الجديد ونحو عشرين نائبا ممن يوالون سلطة الميلشيات المدعومة من المؤتمر الوطني العام الذي استمر في عقد جلساته في طرابلس.
تسببت لقاءات ليون مع الفرقاء الليبيين في حلحلة الكثير من الأمور، وتقريب بعض من وجهات النظر، انتهت إلى الشروع فيما أصبح يعرف بسلسلة مفاوضات «الصخيرات» المسماة على البلدة المغربية التي كانت تعقد فيها. ظهر لأول مرة اقتراح اسم السراج كرئيس لحكومة الوفاق.
منذ البداية كانت هناك علامة استفهام تحتاج لإجابة عن القوة التي سوف تحمي عمل الحكومة المقترحة. هل ستعتمد على الميليشيات المسلحة، وبالتالي العودة إلى المربع صفر، كما كان الحال عقب مقتل القذافي. أم يكون الاعتماد على الجيش بقيادة حفتر. أم ما بين هذا وذاك.
* بعد ليون.. كوبلر
انتهت مدة عمل ليون، وجاء من بعده كوبلر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ليجد نفس علامة الاستفهام وقد تضخمت وأصبحت أكبر من السابق. القوى الفاعلة على الأرض غير موجودة في مفاوضات الصخيرات. واللقاءات التي تعقد مع بعض قادتها، كل على حدة، تعقد في الخفاء.
المقصود بهذه القوى هي تلك التي تملك السلاح والعناصر المقاتلة. هي تكون من ثلاث جبهات.. الأولى قوات الجيش الوطني بقيادة حفتر. والثانية قوات الميليشيات، وأهمها الكتائب الأقرب إلى الشكل النظامي، وهذه موجودة لدى مدينة مصراتة وفي بعض ضواحي طرابلس، وفي منطقة الزنتان أيضا. والثالثة هي قوات ما يعرف باسم «جيش القبائل» وهو عبارة عن جيش تابع للقوات المسلحة الليبية، لكنه ظل لعدة أشهر لا يفضل الحرب تحت راية حفتر.
خيارات البعثة الأممية
لم يكن من بين خيارات البعثة الأممية في ليبيا العودة إلى الوراء لتصويب الأخطاء.. أي أنها فضلت الاستمرار في تجاهل المعادلة الخاصة بالقوات الممسكة بالأرض وكيفية التعامل معها مستقبلا. زار كوبلر الفريق أول حفتر، ونظمت المنظمة الدولية لقاءات مع قادة كتائب وبلديات من عدة مدن، لكن مسألة جمع هذه القوى في «بوتقة نظامية» واحدة، كان أمرا غير قابل للنقاش.
لهذا عاد السؤال مجددا. من سيحمي مسار كوبلر وحكومة التوافق التي اقترحها. الميليشيات أم الجيش؟ أم خليط مشترك وفق تصور جديد؟ وكيف يمكن الوصول إلى مخرج لهذه المعضلة؟ ومع ذلك ظل كوبلر يراهن على أن الجميع سيرضخ في نهاية المطاف لحلول الأمم المتحدة. أولا حكومة وفاق ثم إعادة ترتيب الوضع الأمني وضبطه.
أحيانا يقول أحدهم إن الأمر يشبه محاولة لتمرير فيل من خرم إبرة. هذا ممكن، لكنه يحتاج إلى كثير من الحيل والتربيطات. الفشل قد يتحول إلى كارثة. منذ نحو أربعة أشهر، يوجد مسار يبدو أنه الرهان الوحيد، بل الورقة الأخيرة، في يد ممثل المنظمة الدولية في ليبيا. قادة الميليشيات الرافضة للحكومة تعرف هذا. وكذلك قادة في الجيش. إنه الثقب نفسه.. يبدو أنه أخذ يتسع رويدا رويدا، بسبب الضغوط الدولية والتلويح بمعاقبة معرقلي حكومة الوفاق.
معلوم أن السراج من مواليد طرابلس، ولديه في عضوية مجلسه الرئاسي، قيادات من مصراتة ومن الجنوب، لها بعض السلطة على جانب من كتائب مدينتي طرابلس ومصراتة المجاورة لها. وعلى هذا الأساس جرى تشكيل لجنة أمنية لتهيئة طرابلس لمرحلة جديدة. لكن العاصمة فيها ما لا يقل عن 17 ميليشيا ترفض خطط كوبلر، ومن بين هذه الميليشيات من يوالي المؤتمر الوطني، والحكومة المنبثقة عنه والمعروفة باسم «حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل. كما توجد ميليشيات توالي الجماعة الليبية المقاتلة وأخرى توالي تنظيم داعش، وغيرها ممن يوالي الجناح الإخواني الرافض لحكومة التوافق أيضا. ولا يوجد تواجد للجيش الوطني بقيادة حفتر داخل طرابلس، لكن حتى هذا الجيش غير متحمس للحكومة المقترحة، ويرى بعض من قادته أنها «مجرد حكومة وصاية».
رغم كل هذه العراقيل، تمكن السراج، وبتعاون مع البعثة الأممية، من تشكيل «لجنة أمنية» تقوم في الوقت الحالي بالبناء على الموجود.. أي على المؤيدين للحكومة وخطط كوبلر، في كتائب من مصراتة ومن طرابلس. وحين حاول المبعوث الأممي دخول العاصمة، وجرى منعه من قبل المتشددين الرافضين له، كان يبدو أنه استعجل النتائج المتوقعة من «اللجنة الأمنية» المشار إليها.
ومع ذلك تمكنت هذه اللجنة من التوصل إلى وضع خطة تتكون من ثلاثة نطاقات أمنية، لكي تؤمن الحكومة، وتؤمن البعثة الأممية حين تأتي معها برئاسة كوبلر. ووفقا لأحدث معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مصادر قريبة من قادة طرابلس، فإن المقترح لشغل النطاق الأمني الأول، كتيبة الحلبوص (أساسا من مدينة مصراتة)، على أن يكون في النطاق الأمني الثاني كتائب من طرابلس، بينما تختص قوات «مديرية أمن العاصمة» بالنطاق الأمني الثالث. كما ستشارك قوات من جهاز البحث الجنائي الليبي وقوات (يقال: إنهم مستشارو أمن) من عدة بلدان أوروبية، في تأمين مقر الحكومة.
* الوضع الحالي
الخطة بدأت تطبق على أرض الواقع. ففي اليومين الماضيين جرى مخاطبة 20 معسكرا للميليشيات والكتائب من طرابلس ومن مصراتة، لكي يرسل كل منها 15 عنصرا للتدريب على عملية التأمين، ومن ثم التوزيع على النطاقات الأمنية الثلاثة التي ستشكل طوقا حول مقر الحكومة لحمايته. ويقول مسؤول في هذه اللجنة إن «هذه دفعة أولى.. كل دفعة تتكون من 300 عنصر، وخلال اليومين المقبلين سيكون قد جرى الانتهاء من تدريب نحو ألف رجل لمساعدة باقي القوات على تأمين مقار الحكومة المقرر أن تكون في قرية سياحية قريبة من مقار الأمم المتحدة الأصلية في طرابلس».
ومع ذلك يبدو الوضع صعبا في ظل وجود كتائب وميليشيات وعناصر مسلحة أخرى رافضة للحكومة.. «حتى كتيبة الحلبوص فيها متشددون يرفضون الحكومة.. كما أن كتيبة المحجوب (من مصراتة أيضا) فيها قادة غير متحمسين لخطة كوبلر والسراج»، ناهيك عن قوات طرابلس الأخرى الرافضة لحكومة التوافق منذ البداية، ومنها المجاميع المسلحة الموالية لقيادات في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته ولحكومة الإنقاذ وتجمع «لواء الصمود».
دخول السراج إلى طرابلس كرئيس لأعلى سلطة (المجلس الرئاسي) في هذا البلد، له دلالات أخرى مهمة. منها على سبيل المثال أنه سيكون أول حاكم لليبيا منذ مئات السنين يكون من مواليد طرابلس في غرب البلاد. معروف أنه بعد حقبة الحكم القرمنلي (التركي) ثم الإيطالي، جاء الملك إدريس في مطلع خمسينات القرن الماضي، من المنطقة الشرقية، ثم خلفه القذافي من مدينة سرت في الشمال الأوسط من البلاد. هذا، في بعض الأحيان، يتحول لموضوع مثير للحماس في جلسات طرابلس المسائية. من الخلف يواصل كوبلر ضغوطه لإنجاح مخرجات حوار الصخيرات.
هناك تلويح بفرض عقوبات دولية على رئيس المؤتمر الوطني وعلى حكومة الإنقاذ، وعلى البرلمان، وعلى قادة آخرين. كما يوجد عامل آخر مساعد يمكن أن يعجل بإنجاح مهمة كوبلر، وهو الواقع الاقتصادي السيئ الذي مسَّ بمرارته عموم الليبيين.. رغيف الخبز من الحجم الكبير ارتفع سعره خلال فترة قصيرة من ربع دينار إلى أربعة دنانير، كما أن الدولار ارتفع سعره في السوق السوداء من 1.28 دينار إلى أكثر من 3 دنانير، واليورو من 1.40 دينار إلى نحو 4 دنانير. وبينما يخشى قادة الميليشيات من انتفاضة في طرابلس ضد التدهور الاقتصادي والانفلات الأمني، وضد المسلحين، يواصل أمراء الحرب الرافضين للسراج تحدي المجتمع الدولي، ورفض دعوات كوبلر بمنح الحكومة فرصة.. حتى بعض الأطراف التي أيدت مخرجات الحوار، يوجد لديها تعاون من وراء الستار مع بعض المتطرفين، خوفا من المستقبل. فقد أعلنت حكومة الغويل النفير العام، بالتزامن مع تعليمات من قادة تنظيم داعش للتجمع في طرابلس لمنع دخول السراج للعاصمة.
**محطات كوبلر
* منذ تعيينه في موقع المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا في الرابع من نوفمبر الماضي، وقفت التنظيمات المتطرفة وغالبية الميليشيات المسلحة في طرابلس ضد مهمة مارتن كوبلر لإيجاد حكومة وفاق وطني. لكن الدبلوماسي الألماني المولود عام 1953 في شتوتغارت، أبدى تحديا لكي يخرج بليبيا إلى بر الأمان.
* أطراف ليبية شاركت في حوار بلدة الصخيرات المغربية طيلة نحو 18 شهرا، توصلت برعاية كوبلر للتوقيع على «اتفاق نهائي» في منتصف ديسمبر (كانون الأول) لتشكيل حكومة الوفاق، ومنذ ذلك الوقت بدا المبعوث الأممي متفائلا، خاصة بعد حضور ممثلين عن مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام ومجالس بلدية وأحزاب سياسية، لكن تغير مواقف البعض أصاب كوبلر بالغضب.
* يفترض أن تحظى حكومة السراج بثقة البرلمان الحالي الذي يعقد جلساته في طبرق، لكن هذه الخطوة تأخرت كثيرا فيما عده بعض المراقبين مماطلات، خاصة فيما يتعلق بمادة الاتفاق الخاصة بوضع القوات المسلحة، والدعوة لتعديلها. وقال كوبلر بعد توقيع اتفاق الصخيرات بنحو أربعين يوما، إن أي تعديل «يجب أن يكون متماشيا مع الآلية التي وضعها الاتفاق».
* بادر كوبلر بالترحيب بأول إعلان من المجلس الرئاسي الليبي لوزراء حكومة التوافق، في منتصف الشهر الماضي، وعده إنجازا كبيرا لبداية جديدة، وقال: إن أنظار الشعب الليبي تتجه صوب حكومة الوفاق لممارسة سلطاتها والعمل بإصرار من أجل إعادة توحيد مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار والأمن، إلا أنه، بعد ذلك، لم ينكر العقبات التي تواجه العملية برمتها.
* أول تحرك عملي ضد البعثة الأممية كان من جانب معارضي حكومة السراج في طرابلس، في الأسبوع الأول من هذا الشهر، وذلك حين جرى احتجاز ثلاثة من أعضاء اللجنة الأمنية المؤقتة في العاصمة. وأعرب كوبلر عن قلقه من هذا الاحتجاز الذي استمر لفترة وجيرة، وطالب «كافة الأطراف» و«السلطات المعنية على الأرض» إلى التعاون الكامل مع اللجنة الأمنية المؤقتة المنبثقة عن الحوار السياسي.
* قبل يومين كان كوبلر يعتزم زيارة طرابلس لتمهيد الطريق أمام وصول السراج وفريقه، لكن الحكومة المدعومة من الميليشيات في العاصمة (وغير المعترف بها دوليا) أعلنت عن منع طائرة المبعوث الأممي من الهبوط في طرابلس وإلغاء زيارته.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.