لا أضاحي ولا مناسف ولا عراضة شامية في دمشق

لا أضاحي ولا مناسف ولا عراضة شامية في دمشق

غياب مظاهر وتقاليد عيد الأضحى وارتفاع أسعار مستلزماته
السبت - 7 ذو الحجة 1434 هـ - 12 أكتوبر 2013 مـ
دمشق: هشام عدرة
يستقبل الدمشقيون عيد الأضحى هذا العام مع غياب للكثير من مظاهره وتقاليده مع ارتفاع أسعار اللحوم والخراف البلدية كأضاح في العيد وهو ما درج عليه الدمشقيون وخاصة ميسوري الحال وأبناء الطبقة الوسطى. هذه المظاهر تلاشت في السنتين الأخيرتين بسبب الحرب والوضع الاقتصادي الصعب التي تعيشه البلاد.
«هل تصدّق أنّ سعر الخروف الصغير في سوق لحوم الجملة بمنطقة الزبلطاني بدمشق وصل إلى 20 ألف ليرة سورية (نحو 117 دولارا) أي ما يعادل راتبي لشهر كامل؟» يتنهد عبد الكريم سالم الذي يعرّف بنفسه أنه موظف في مؤسسة حكومية منذ عشر سنوات ولديه ثلاثة أولاد.
«لقد جئت للسوق من ضاحية قدسيا»، يوضح عبد الكريم: «حيث منزلي هناك علّني أجد خروفا بسعر مقبول أشتريه بمناسبة العيد ولكن الأسعار كاوية. وحتى لن تتمكن زوجتي من تحضير مائدة العيد بالشكل الذي اعتدنا عليه في السابق، ففي اليوم الأول تحضّر زوجتي منسف الفريكة التي تغطيها قطع لحوم الغنم مع الكبة المشوية والمقلية. لن تكون هذه الأمور موجودة في عيد الأضحى لهذا العام لأنه وببساطة يا صديقي. كيلوغرام اللحمة المفرومة لدى معظم القصابين يزيد عن 2500 ليرة سورية فكيف لي أن أشتري على الأقل كيلوين لمائدة العيد» يتابع عبد الكريم متحسرا.
ورغم ارتفاع قيمة الليرة السورية مقابل الدولار في الأيام الأخيرة حيث وصلت لنحو 170 ليرة مقابل الدولار الواحد بينما كان الدولار يعادل نحو 210 ليرات سورية قبل ذلك فإن هذا الارتفاع لم ينعكس إيجابا على أسعار الكثير من المواد الاستهلاكية والغذائية والألبسة ومنها الحلويات الجاهزة والشوكولا، حيث لن يتمكن الكثير من الدمشقيين من شراء الحلويات الشرقية. فسعر الكيلوغرام الواحد الجيد منها وصل لأكثر من أربعة آلاف ليرة لدى المحلات المعروفة بجودة بضاعتها وعراقتها في حين أن الأنواع الشعبية منها والتي تحضّر بمكسرات قليلة جدا وبزبدة نباتية رخيصة الثمن فإن سعرها مرتفع أيضا يصل لنحو 1500 ليرة سورية فهو يزيد ثلاثة أضعاف عما كان عليه في العام الماضي وهذا حال أيضا الشوكولا والراحة والبرازق والغريبة والمعمول وغيرها من حلويات العيد الجاهزة.
في شارع معاوية الصغير المجاور لسوق البزورية بدمشق القديمة والمسمى شارع الشوكولا كان الحاج زهير غراوي (77 سنة) الذي يعتبر أقدم صاحب ورشة لتصنيع الشوكولا والملبس والراحة ما زال يعمل في الشارع منهمكا بلف الملبس والشوكولا في صرر فنية جميلة.
يقول غراوي لـ«الشرق الأوسط»: هناك بعض الطلبيات والتواصي لحفلات أعراس ومناسبات اجتماعية بمناسبة عيد الأضحى، ولكنها بالتأكيد ليست كما كانت في السابق خاصة أن أسعار الشوكولا والملبس تضاعفت أسعارها كوننا نستورد زبدة الكاكاو الخاصة بالشوكولا من الخارج وبالقطع الأجنبي فمن الطبيعي أن ترتفع أسعارها.
تقول باسمة خيرو وهي مهندسة معمارية تعمل في مكتب هندسي بدمشق كانت تبحث في سوق البزورية بدمشق القديمة عن مستلزمات تحضير كعك العيد: «الأسعار غير معقولة الجوز بثلاثة آلاف وخمسمائة ليرة (ونحن في موسم نضجه يجب أن يكون رخيص الثمن) واللوز بألفي ليرة. إنّ أسعارها تعادل ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في العام الماضي في مثل هذه الأيام أي قبل عيد الأضحى الماضي، وكذلك الزبدة والفستق الحلبي والحلبة وغيرها، فتحضير حلوى العيد شيء جميل ويحقق بعض السعادة في المنزل في هذا الوقت الصعب الذي افتقدنا فيه الفرح، ولولا أنني عوّدت أسرتي على تحضير كعك العيد في المنزل كل عام لما عملت على شراء المستلزمات بهذه الأسعار المرتفعة والتي ستكون بالتأكيد على حساب التخلي عن شراء الألبسة الجديدة لي ولزوجي أما أولادي الأربعة فسأشتري لهم لباسا جديدا ولكنني سأبحث عن الألبسة الرخيصة الثمن فأسعار ألبسة الأطفال في الأسواق الدمشقية المعروفة مرتفعة بشكل غير طبيعي حتى أنها في كثير من المحلات أعلى ثمنا من أسعار ألبسة الكبار».
ولكن حتى هذه (أي ألبسة الكبار) هناك جنون في الأسعار. تعلّق ربا ملاحفجي التي تعمل مساعدة طبيب في مشفى دمشقي، وهي تتجول في سوق الحمراء الراقية بدمشق: «هؤلاء الباعة والتجار يستغلوننا نحن المستهلكين الدراويش وأصحاب الدخل المحدود. عندما ارتفع الدولار قبل أشهر ووصل لأكثر من 300 ليرة رفعوا أسعار بضاعتهم بشكل كبير بحجة انخفاض قيمة الليرة، اليوم ارتفعت قيمة الليرة بشكل واضح مع ذلك لم يقبلوا أن يخفضوا أسعار بضاعتهم والحجة جاهزة لديهم وهي: أنهم اشتروها بسعر مرتفع فكيف سيبيعونها بسعر أقل» تتنهد ربا. «فهناك منهم من أعلن عن تنزيلات (أوكازيون) على بضاعته ومعظمها من العام الماضي ومن الموديلات القديمة والمضحك المحزن هنا أن هؤلاء الباعة وضعوا سعر العام الماضي على بضاعتهم من الألبسة الرجالية والنسائية واعتبروا ذلك (تخفيضات وأوكازيون)».
في سوق الحميدية العريقة والتراثية وقت المساء تسمع أصوات مولدات الكهرباء الصادرة من دكاكينه والتي تصل لسقفه المرتفع حيث عاد مؤخرا التقنين الكهربائي إلى أحياء وأسواق دمشق.
الازدحام البشري على أشدّه ويبدوا أن أحد أصحاب المحلات في السوق وقبل عيد الأضحى بأسبوع أراد أن يجذب زبائن السوق فرفع صوت مسجلته بصلاة العيد.
ويعلّق جاره: لم يبق للعيد سوى أيام كل عام وأنت بخير! ولكن كيف هي حركة البيع مع هذا الازدحام البشري في السوق؟ يبتسم: الكثير من الناس ينظرون لبضاعتنا وعندما يسألون عن السعر يمشون لا يشترون ليسألوا بائعا آخر لعلّ أسعاره أقل. صحيح أن سوق الحميدية عرفت منذ عقود ببضاعة محلاتها من الألبسة ومستلزمات زينة النساء بأنها أرخص من الأسواق الأخرى ولكن الغلاء لحق الجميع ومع ذلك تبقى أسعارنا أقل ومقبولة وشعبية إلى حد ما.
يغيب عن موسم هذا العيد كما في العام الماضي تقليد آخر كان يتابعه الدمشقيون وهو حفلات العراضة الشامية التي كان ينظمها بعض أصحاب محلات الأسواق الدمشقية بمناسبة بدء موسم التنزيلات أو تغيير ديكور المحل أو نوع بضاعته والتي تتوج عادة بطقس احتفالي يكون قبل بدء موسم العيد وتحييه أمام المحل فرق العراضة الشامية بلباس رجالها وشبابها التقليدي وبالعبارات الزجلية الشعبية والأهازيج والتهاليل وبألعاب السيف والترس وغيرها من مفردات فنون العراضة الشامية التراثية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة