ارتفعت نفقات الألمان بأعلى معدل منذ عام 2000، كما حققت الموازنة الألمانية أعلى فائض منذ توحيد شطري البلاد، واستقر معدل البطالة عند أدنى مستوياته على الإطلاق، لكن الألمان ليسوا سعداء وغير راضين عن ظروف عملهم.
منذ أيام قال مكتب الإحصاء الاتحادي إن نفقات المستهلكين الألمان قد ارتفعت خلال العام الماضي بصورة غير مسبوقة منذ 15 عاما، وأعلن المكتب في مقره بمدينة فيسبادن الألمانية، بمناسبة اليوم العالمي لحماية المستهلك، أن نفقات المستهلكين الألمان ارتفعت عام 2015 بنسبة 1.9 في المائة بعد احتساب تطور الأسعار.
وكانت هذه أعلى زيادة يتم تسجيلها لنفقات المستهلكين الألمان من عام 2000، الذي ارتفعت فيه نفقات المستهلكين بنسبة 2.1 في المائة، وعزا المكتب زيادة إنفاق المستهلكين الألمان إلى الانخفاض الشديد في سعر فائدة الودائع والارتفاع المحدود في أسعار السلع الاستهلاكية.
ودون احتساب معدل التضخم، تكون نفقات المستهلكين الألمان قد ارتفعت العام الماضي بنسبة 2.6 في المائة لتصل إلى 1.63 تريليون يورو.
إلا أنه في اليوم نفسه الذي أعلن فيه مكتب الإحصاء عن زيادة النفقات بأعلى وتيرة منذ 15 عاما، كشفت دراسة مدعومة من وزارة العمل الألمانية عن تزايد ملحوظ في عدم رضا الألمان عن أوضاع عملهم.
وأظهرت الدراسة - بحسب تصريحات متحدثة باسم الوزارة - أن نحو 20 في المائة فقط من الألمان يرون أن ظروف عملهم توافق تصوراتهم الشخصية عن ظروف العمل المثالية، وفي المقابل يرى 45 في المائة من الألمان أن ظروف عملهم بعيدة بشدة عن تصوراتهم عن الظروف المثالية للعمل.
ويرى الذين شملهم الاستطلاع أن ظروف العمل تبتعد باستمرار عن تصوراتهم عن المعايير المثالية لظروف العمل منذ تسعينات القرن الماضي.
وتم طرح الدراسة خلال مؤتمر تحت شعار «العمل 4.0»، الذي يناقش مستقبل العمل بعد الثورة الرقمية، وشارك في المؤتمر وزيرة العمل أندريا ناليس، لتقديم تقييم أولي لمشروع بدأ منذ ستة أشهر لرصد فرص ومخاطر التغيرات في سوق العمل. ومن المنتظر أن يفضي المشروع بحلول نهاية العام الحالي إلى نتائج محددة.
وكانت ناليس أوضحت من قبل أنها ترى أبعادا إيجابية في إضفاء المرونة على العمل عبر الرقمنة.
وقالت ناليس، في تصريحات لصحيفة «فيرتشافتس فوخه» الألمانية، إنه من الضروري أيضا تحقيق نوع من المرونة في قانون العمل.
يأتي هذا في الوقت الذي واصلت فيه طلبات إعانة البطالة في ألمانيا تراجعها خلال فبراير (شباط) الماضي للشهر الخامس على التوالي، بينما استقر معدل البطالة عند أدنى مستوياته على الإطلاق، في إشارة إلى تواصل قوة سوق العمل في أكبر اقتصاد عالمي.
وأعلنت وكالة العمل الاتحادية في ألمانيا، أن طلبات إعانة البطالة قد تراجعت بمقدار مائة ألف طلب في الماضي مقارنة بالشهر السابق له.
واستقر معدل البطالة في ألمانيا عند 6.2 في المائة بنهاية الشهر الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ بدء تجميع البيانات في يناير (كانون الثاني) من عام 1992.
ولا يُعد معدل البطالة المنخفض هو الرقم الأكثر تميزا في البيانات الألمانية، فقد حققت قائدة اقتصاد أوروبا عام 2015 أعلى فائض في موازنتها منذ إعادة توحيد شطري البلاد، وذلك بفضل النمو الاقتصادي المستقر والانتعاش في سوق العمل.
وأعلن مكتب الإحصاء الاتحادي أن الحكومة الاتحادية والولايات والمحليات حققتا فوائض في موازناتها العام الماضي بلغت قيمتها نحو 19.4 مليار يورو.
وأضاف المكتب أن فائض موازنة عام 2015 يمثل نسبة 0.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من النسبة التي تم توقعها من قبل.
يذكر أن ألمانيا حققت نسبة فائض أعلى بلغت 0.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي عام 2000 فقط، وذلك بسبب بيع تراخيص خدمات النظام العالمي للاتصالات المتنقلة في مزاد علني، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الفائض في موازنة الدولة بلغ حينها نحو 18.2 مليار يورو.
وبذلك ابتعدت ألمانيا العام الماضي مجددا عن الحد الأقصى المسموح به للاستدانة في موازنات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذي ينص على عدم زيادة العجز في الموازنة على 3 في المائة.
وكانت ألمانيا تجاوزت هذا الحد من قبل عام 2010 بعجز في الموازنة بلغت نسبته 4.2 في المائة.
وحافظ الاقتصاد الألماني في الربع الأخير من العام الماضي على مستوى النمو بنسبة 0.3 في المائة مقارنة بالربع الثالث، وذلك بسبب زيادة إقبال المستهلكين على الشراء والنفقات الحكومية المخصصة لإمداد مئات الآلاف من اللاجئين، وبوجه عام ارتفع معدل نمو أكبر اقتصاد في أوروبا العام الماضي بنسبة 1.7 في المائة، مقابل 1.6 في المائة عام 2014.
ولا يمكن الجزم أيضا بأن المؤشرات الجيدة لم تنعكس على أوضاع العاملين في ألمانيا، حيث رصد مكتب الإحصاء الاتحادي ارتفاعا كبيرا في تكاليف العمالة بألمانيا العام الماضي.
وذكر المكتب أن الزيادة التي تم رصدها خلال العام الماضي بلغت 2.6 في المائة مقارنة بعام 2014، تزيد عما تم رصده خلال العامين السابقين.
وأوضح المكتب أنه بالمقارنة التي تم القيام بها على مستوى الاتحاد الأوروبي التي تم رصدها للربع الثالث فقط من عام 2015 بلغت الزيادة في الأوساط الاقتصادية الألمانية 2.4 في المائة، لترتفع بذلك عن متوسط مستويات الاتحاد الأوروبي التي بلغت 1.8 في المائة، ومتوسط مستويات منطقة اليورو التي بلغت 1.1 في المائة.
وفي المقابل تراجعت تكاليف العمالة في خمس دول وهي البرتغال وسلوفينيا وقبرص وإيطاليا ولوكسمبورغ، وشهدت دول أخرى وهي ليتوانيا وبلغاريا ورومانيا ارتفاعا في تكاليف العمالة على نحو أكبر مما شهدته ألمانيا، ما يعني أن رجال الأعمال لم يدخروا جهدا في أرضاء موظفيهم ماليا، حيث ارتفعت تكاليف التوظيف رغم استقرار معدل البطالة، وقد تكون أسباب عدم الرضا تعود لإخفاقات غير اقتصادية.
فعلى الرغم من أن ألمانيا هي ثاني مُصدري العالم بعد الصين، والقوة الاقتصادية المحركة لأوروبا، فإن موظفيها لا يعملون في أفضل بيئات العمل في العالم، فقد أظهرت دراسة أميركية صدرت عن مؤسسة «غالوب» في 2014 أن 41 في المائة من الموظفين «متفقون جدا» مع حقيقة أنهم يعرفون ما هي مواقف شركاتهم ودورها، مقابل 31 في المائة فقط في ألمانيا.
ووفقا لدراسة «غالوب» التي صدرت تحت عنوان «حالة مكان العمل العالمي» التي اعتمدت على استطلاع رأي أجرته «غالوب» في 142 دولة حول العالم، وُجد أن 13 في المائة فقط من العاملين هم من يمكن اعتبارهم «مرتبطين» بأعمالهم، بينما صُنف 63 في المائة من العاملين على أنهم غير مرتبطين بالعمل، أما باقي العاملين، 24 في المائة، فهم منفصلون أو منسحبون من العمل.
وفي ألمانيا كانت نسبة العمال المرتبطين 15 في المائة من العاملين، بينما صُنف 61 في المائة من العاملين على أنهم غير مرتبطين بالعمل، أما باقي العاملين، 24 في المائة، فهم منفصلون أو منسحبون من العمل. وهذا يعني أن أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي يتسم بكفاءة شديدة ليس بعيدا عن المتوسط العالمي، بل يتطابق فيما يخص نسبة العمال المنفصلين أو المنسحبين.
ووفقا لتعريف «غالوب» فإن العاملين المرتبطين أو المشاركين هم الفئة التي تحب عملها وتشعر باتصال عميق مع مؤسستها، وهي الفئة التي تقود الابتكار داخل المؤسسة وتدفعها إلى الأمام، أما الفئة الثانية من العاملين، وهي الفئة الغالبة حول العالم، فهي فئة غير المرتبطين، ووصفتهم «غالوب» بأنهم يمشون نياما في العمل، يعطون الوقت وليس الطاقة أو العاطفة أو الإبداع، بينما عرفت «غالوب» فئة المنفصلين أو المنسحبين بأنهم هذه الفئة التي تعبر عن استيائها من العمل، وكل يوم عمل لهؤلاء هو تقويض لما حققه زملاؤهم «المرتبطون».
وقال التقرير وقتها إن ألمانيا «لديها مشكلة خطيرة في الإدارة»، حيث تعاني من أسوأ ثاني نسبة أوروبيا فيما يخص فئة المنفصلين.
جزئية أخرى تعاني منها ألمانيا، وهي أن نسبة المناصب القيادية بألمانيا التي تشغلها نساء أدنى من المتوسط على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وذكر المكتب العالمي للمرأة أن النساء شغلن 29 في المائة من المناصب القيادية في ألمانيا عام 2014، وأشار المكتب إلى أن هذه النسبة لم تتغير تقريبا خلال أخر عامين.
وبحسب بيانات المكتب، بلغ متوسط الوظائف القيادية التي شغلتها نساء على مستوى الاتحاد الأوروبي 33 في المائة.
وتحتل لاتفيا المرتبة الأولى في ذلك بنسبة 44 في المائة، بينما تأتي قبرص في المرتبة الأخيرة بنسبة 17 في المائة.
ومن المناصب القيادية التي شملتها الإحصائية، عضوات في مجالس إدارة شركات ومديرات تنفيذيات وقياديات في مجال التجارة والإنتاج وقطاع الخدمات.
ويتسبب حرمان المرأة من الوصول إلى المناصب القيادية في انخفاض نسبة الرضا بين كثير من النساء حول العالم وليس في ألمانيا فقط.
ووفقا لتقرير السعادة العالمي لعام 2016 الصادر منذ يومين، جاءت ألمانيا في المركز الـ16 عالميا، بعد 8 دول من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وكندا، وأستراليا ونيوزيلندا، ودول صغيرة مثل بورتريكو وكوستاريكا.
وصدر هذا التقرير بالتعاون بين شبكة حلول التنمية المستدامة، وهو مركز دولي معني بشؤون العلوم الاجتماعية، ومعهد الأرض في جامعة كولومبيا الأميركية.
بيانات اقتصادية إيجابية.. لكن الألمان غير راضين
البطالة عند أدنى مستوى.. وارتفاع كبير لنفقات المستهلكين
أحد العمال في مصانع «بي إم دبليو» للسيارات بألمانيا (رويترز)
بيانات اقتصادية إيجابية.. لكن الألمان غير راضين
أحد العمال في مصانع «بي إم دبليو» للسيارات بألمانيا (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
