التعليم والإعلام والطائفية أمام مسؤولية «تحصين الوحدة الوطنية»

ضمن الفعاليات الثقافية لمعرض الرياض الدولي للكتاب

سيدة سعودية تطالع أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب و طفل يتصفح أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب (تصوير: بشير صالح)
سيدة سعودية تطالع أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب و طفل يتصفح أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب (تصوير: بشير صالح)
TT

التعليم والإعلام والطائفية أمام مسؤولية «تحصين الوحدة الوطنية»

سيدة سعودية تطالع أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب و طفل يتصفح أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب (تصوير: بشير صالح)
سيدة سعودية تطالع أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب و طفل يتصفح أحد الكتب في معرض الرياض الدولي للكتاب (تصوير: بشير صالح)

ضمن الفعاليات الثقافية لمعرض الرياض الدولي للكتاب، أقيمت مساء أول من أمس ندوة «تحصين الوحدة الوطنية» التي شارك فيها ثلاثة من الباحثين السعوديين، وتناولت ثلاثة محاور رئيسية في ترسيخ الوحدة الوطنية.
شارك في هذه الندوة الدكتور عبد الرحمن عسيري، أستاذ كرسي الأمير نايف لدراسات الوحدة الوطنية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، متحدثًا عن دور التعليم ترسيخ الوحدة الوطنية، وسعيد آل مرضمة، رئيس نادي نجران الأدبي، متحدثًا عن دور الإعلام في تحصين الوحدة الوطنية، أما الكاتب والباحث محمد المحفوظ فتحدث عن الطائفية على الجانب الوطني.
وأدار الندوة الدكتور خالد بن عبد العزيز الشريدة أستاذ علم الاجتماع بجامعة القصيم، وشهدت حضورًا لافتًا من جمهور يتقاسم مع المتحدثين القلق بشأن تحديات الوحدة الوطنية، وعناصر تعزيزها.
في البدء، وعن دور التعليم في ترسيخ الوحدة الوطنية، تحدث الدكتور عبد الرحمن عسيري الذي شدد على أن التعليم يُعّدُ «البوتقة الرئيسية التي يتم من خلالها غرس قيم الوطنية، وتمثلها سلوكا وإحساسا في كل جوانب الحياة اليومية»، واعتبر أن «تحقيق هذا المطلب يؤدي بالتالي إلى شعور الفرد بأهمية الكيان الذي ينتمي إليه».
وشدد على أهمية التفريق بين أن يكون الشخص وطنيا أو مواطنا، وقال: «الفرق بين الاثنين أن الفرد بمجرد انتمائه إلى دولة يُعّدُ مواطنًا فيها، أما مفهوم الوطنية فهو السعي إلى تغليب مصلحة الوطن بكل شرائحه وطوائفه ومكوناته على مصالحه الشخصية أو مصلحة الطائفة أو القبيلة التي ينتمي إليها».
وتحدث الدكتور عسيري عن التعدد الثقافي، وأكد على أن «التنوع الثقافي هو إثراء للوطن، وتمازج وتعايش هذه المكونات الثقافية هو صمام الأمان للوحدة الوطنية»، مضيفًا أن «التنوع الثقافي والاجتماعي والقبلي والمذهبي لمكونات الوطن هو أساس تقدمه ورفعته، وأن هذا التنوع يجب أن لا يكون موضعا للتنافر، بل يجب أن يكون وسيلة للتكامل»، داعيًا إلى تعميق هذا المفهوم من خلال التعليم، وقال: «يأتي دور المدرسة في دعم هذا التوجه وتنميته وغرسه وتضمين المناهج القيم الهادفة إلى التسامح والتعايش وقبول الآخر واحترامه».
ودعا عسيري إلى «جعل قضايا الوحدة الوطنية، وقيم المواطنة سلوكا يمارس في كل المؤسسات التعليمية من قبل كل العاملين في التعليم وليس خاصًا بالطلاب». كما شدد على مكافحة «العصبية والعنصرية القبلية بكل أشكالها وأنماطها وأنواعها والعمل على وأد كل القنوات المغذية لها».
وقال: «أظهرت الدراسات التطبيقية التي أجراها كرسي الأمير نايف لدراسات الوحدة الوطنية عن مظاهر ومشكلات العصبية القبلية في مدارس المملكة في كل المناطق أن هناك مشكلة ليست في الانتماء القبلي وإنما في التعصب القبلي والعنصرية القبلية»، موضحًا مجموعة من الأفكار التي تحد من ترسيخ هذه العنصرية، داعيًا لاعتمادها عبر وسائل التعليم، كما استعرض لعدد من التجارب الناجحة في دول العالم التي ساهمت في دمج المواطنين وتعميق الشعور بانتمائهم والحد من إبراز الفروقات أو إثارة النعرات بينهم.
أما عن دور الإعلام في تحصين الوحدة الوطنية، فقد تحدث سعيد آل مرضمة، رئيس نادي نجران الأدبي، وقال إنه يقع على عاتق وسائل الإعلام دور كبير في العمل على تعزيز الوحدة الوطنية، وقال: «وسائل الإعلام في كل الأوقات تحتل مكانة متميزة، بناءً على طبيعة وظائفها وتأثيرها، حيث يقوم الإعلام بدور مهم في تنمية الوعي السياسي لدى المواطنين».
ودعا وسائل الإعلام المحلية للعمل على زيادة مساهمتها في ترسيخ الوحدة الوطنية، ومنع كل ما من شأنه إضعاف النسيج الوطني وجعل قضية «الوحدة الوطنية خطًا أحمر يمنع تجاوزه أو الاقتراب منه».
وعدد آل مرضمة اثنين من التحديات التي تواجه الوحدة الوطنية، وهما: الطائفية، والقبلية. فعن الطائفية قال: «تعد الطائفية والمذهبية من التهديدات التي تواجه المجتمعات الخليجية، وهي إسفين يمكن أن يهددها».
أما القبلية فقد لاحظ أنها عصب تشكيل المجتمعات الخليجية والهيكل الرئيسي لبنائها، لكنه حذر من مظاهر التعصب التي تجعل الانتماء القبلي بديلاً عن الانتماء الوطني، أو يعمل على تقسيم المجتمعات المحلية. وقال: «هنا يأتي دور الإعلام ليشكل حائط صد في وجه دعاة الانقسام والتعصب، بتحصين الوطن، وتعزيز المبادرات التي تحمي وحدته».
واقترح رئيس نادي نجران الأدبي على وسائل الإعلام العمل على تبني مشروع إعلامي توعوي يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، مع التشديد على دور الشباب في رسم علاقات عابرة للانقسامات الفئوية، إذ إن فئة الشباب تمثل ما نسبته 65 إلى 70 في المائة من سكان المملكة.
وقال آل مرضمة إن «وسائل الإعلام مطالبة بتبني مشاريع وبرامج تعمل على تعزيز روح المواطنة، وفي ذات الوقت تركز على محاربة الطائفية وتعمد أيضًا على تحصين الشباب ضد الفكر التكفيري».
كما دعا لإشراك الإعلام الإلكتروني الذي يشهد نموًا متزايدًا في أداء دور بناء، يساهم في تعزيز التسامح وروح المواطنة، وقال إن ذلك يبدأ بتعريف الإعلام الإلكتروني وتسجيله رسميًا حتى يتحمل المسؤولية عما ينشره.
وقال إن وزارة الثقافة والإعلام ومن خلال القنوات التي تديرها هي الأخرى مدعوة لقيادة المبادرات التي من شأنها تعزيز روح المواطنة، والتعريف بالهويات المتعددة، ونشر قيم التسامح بين الجمهور.
الباحث والكاتب محمد محفوظ تحدث في كلمته عن «الوحدة الوطنية والمعضلة الطائفية»، فقال: «ثمة علاقة عميقة وجوهرية تربط مفهوم الوحدة ومفهوم التنوع، فالوحدة ليست نفيا للتنوع، وإنما هي البناء الذي يبنى على حقائق التعدد والتنوع».
وأكد أن «الوحدة الوطنية في ظل المجتمعات المتنوعة تبدأ بالاعتراف بالآخر وجودا وفكرا وحقوقا، وأن الصراعات والنزاعات الدائمة لا تنشأ بسبب وجود الاختلاف والتنوع وإنما تنشأ من العجز عن إقامة نسق مشترك يجمع الناس المختلفين ضمن دوائر ارتضوها، وإننا لن نستطيع كبح جماع العنف والتعصب إلا بمزيد من الألفة والوحدة الوطنية».
ولاحظ أن «المعضلة الطائفية تبدأ بالبروز حينما يفشل المجتمع في إدارة حقائق التنوع المتوفرة فيه على نحو إيجابي وحضاري». وقال إن «الممارسات الطائفية بكل مستوياتها ليست من الدين أو التدين السوي، وإنما هي من إخضاع الدين لمصالح السياسة بعيدا عن قيم الإسلام الكبرى»، و«دائما في المجتمعات المتنوعة هناك حقيقة ومعادلة ثابتة على هذا الصعيد (هويات فائضة يساوي مواطنة منقوصة) على حد تعبير الدكتور وجيه كوثراني».
يعيد المحفوظ جذور المعضلة الطائفية «إلى مخاصمة حالة التنوع والتعدد الموجودة في الفضاء الاجتماعي، هذه المخاصمة هي التي تقود إلى تبني خيارات غير إيجابية في التعامل مع حقائق التنوع الموجودة في المجتمع».
وقال: «الطائفية كمشكلة ليست وليدة التنوع، وإنما هي وليدة التعامل الخاطئ مع هذه الحقائق والأطلس الإنتربولوجي يؤكد أن أغلب المجتمعات الإنسانية اليوم، تعيش حقائق التعدد والتنوع، وأن المشكلات التي تفجرت في بعض هذه المجتمعات هي في جوهرها نتاج بعض أبناء هذه المجتمعات التي تتعامل مع التنوع بوصفه عيبا ينبغي إخفاؤه بالوسائل الناعمة والخشنة». وقال إن الطائفية تمارَس في المجتمع على نحوين: الطائفية الغالبة وهي تمارَس التهميش، والطائفية المعكوسة التي تفضي إلى الانكفاء والتمترس حول الذات.
وفي جوابه عن كيفية معالجة المعضلة الطائفية، دعا المحفوظ لإقرار التعددية الفقهية والمذهبية التي هي نتاج طبيعي لمبدأ الاجتهاد. كما حذر من وجود «أطراف كثيرة لها مصلحة راهنة ومستقبلية في إثارة الفتن الطائفية كمدخل لتفتيت المجتمعات العربية من الداخل، وكل أبناء وطن في العالم العربي يتحملون مسؤولية العمل على تأمين الاستعدادات والتجهيزات القيمية والمادية لإخماد كل بؤر التوتر الطائفي وإبعاد الحرائق الطائفية في مجتمعنا ووطننا». كما دعا «لبناء علاقة بين المكونات الدينية والمذهبية والقبلية على قاعدة المواطنة المتساوية وبعيدا عن إحن التاريخ ومعاركه».
وقال المحفوظ: «الوطن من أقصاه إلى أقصاه أمانة في أعناقنا جميعا، ولكي نصون الوطن ونحميه من الأفكار والآيديولوجيا التي تؤسس الحروب وصراعات طائفية ثمة ضرورات لبث قيم الحوار والتسامح الديني والمذهبي واحترام حقوق الإنسان، وكل مواطن لا يلتزم بمقتضيات الألفة والوحدة الوطنية هو يرتكب جريمة بحق حاضر الوطن ومستقبله».
كما دعا للاهتمام «بإبراز الحل المدني للمشكلات الدينية والذهبية، وجوهر الخيار المدني هو عبارة عن رفض إنتاج الخلافات الدينية أو المذهبية وإخراج الوجود الاجتماعي من كل الحساسيات والصراعات التي تتغدى من خلافات التاريخ والعقيدة»، داعيًا المثقفين للعمل «بحكمة وتصميم لإزالة كل الاحتقانات والهواجس والالتباسات التي تحول دون تطور علاقة المواطنين بعضهم مع بعض، والقيام بمبادرات وخطوات عملية تزيد من التفاهم والتعارف والتلاقي وصولا إلى تصليب الوحدة الوطنية وتعزيزها».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».