أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. يستحضر ألق الزمن الجميل

عودة إلى مفهوم الموضة الحقيقي بديكورات بسيطة.. وصالونات حميمة

TT

أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. يستحضر ألق الزمن الجميل

أخيرا تنفست أوساط الموضة الصعداء بعد شهر كامل من عروض الأزياء، بدأت في نيويورك ومرت بلندن وميلانو لتنتهي في باريس. ورغم أنه لم تكن هناك ثورات، بمعنى توجهات بالمعنى الجديد، كانت هناك أناقة واضحة، تميل إلى التجاري، وتمثلت أكثر في طرق تنسيق القطع مع بعضها بشكل مبتكر، إضافة إلى الجمع بين قطع لم يكن يخطر بالبال جمعها بهذا المستوى الراقي. وليس أدل على هذا من الكنزة الصوفية العالية الرقبة التي ظهرت في عرض دار «فالنتينو» مع فساتين سهرة أو كوكتيل، ستجعل كل امرأة راضية عنها، لعمليتها. ثمانية أيام في باريس وحدها تجعل الشهية مفتوحة على مواضيع هامشية تكسر رتابة العروض حينا والملل الذي يتسرب إلى النفس حينا آخر، لهذا كانت هناك مواضيع كثيرة مثيرة للجدل تباينت بين التدبيرات الأمنية الصارمة التي أخرت بعض العروض وبين برودة الطقس. لكن الموضوع الذي تم تداوله أكثر، إلى جانب غياب مصممين فنيين من بيوت أزياء كبيرة، مثل «ديور»: «لانفان» وإشاعات بمغادرة آخرين مثل هادي سليمان، هو طرح كل ما يُعرض على منصات العرض مباشرة في اليوم التالي أو في نفس الأسبوع. صحيح أن الكثير من المصممين في بريطانيا والولايات المتحدة رحبوا به، إلا أن آخرين في باريس وميلانو رفضوه بشكل قاطع، بينما استبعد بعضهم تطبيقه في المستقبل القريب، على أساس أنه غير واقعي ويتطلب تحضيرات كثيرة. فعدم عمليته لا تشمل عروض الأزياء والزبناء بل تمس طريقة عمل المشترين والمشتريات الذين يعملون مع محلات كبيرة. فهؤلاء سيكون عليهم أن يأخذوا قرارات مصيرية، ستترجم إلى أرقام وأرباح عندما تصل إلى المحلات، مما سيجعل مهمتهم أصعب. فكيف يمكنهم انتقاء قطع قبل أن تعرض على منصات العرض؟ على الأقل اختياراتهم بعد رؤيتها على منصات العرض ومعاينة ردود أفعال الحضور، تمنحهم فكرة أوضح.
لحسن الحظ أن هذه المواضيع الجانبية، رغم أهميتها المصيرية إن صح القول، لم تغط على لحظات تاريخية عايشناها خلال أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017. مثل أول عرضه قدمه الجيورجي ديمنا فازاليا لدار «بالنسياجا»، أو ما يمكن أن يكون آخر عرض قدمه هادي سليمان لدار «سان لوران». وإذا كان الأول نجح في الامتحان بعودته إلى المؤسس كريستوبال بالنسياجا وأعاد صياغة تصاميمه المعمارية بأسلوب هندسي معاصر، فإن هادي سليمان كالعادة كان مثيرا للجدل. هو الآخر عاد، وربما لأول مرة، للغرب من أرشيف الدار وإحياء أسلوب إيف سان لوران. غاب أسلوبه الخاص المتأثر بأسلوب «الغرانج» الذي يحاول منذ سنوات تسويقه لنا برقي، وعاد إلى الثمانينات وعهد الراحل إيف سان لوران، الأمر الذي جعل العرض تجربة عاطفية ومنح التشكيلة تأثيرا دراميا. قد لا تكون كل التصاميم موفقة، خصوصا أن بعضها عاد إلى الثمانينات بشكل حرفي، أو توخى الفنية إلى حد السريالي مثل جاكيت على شكل قلب باللون الأحمر، إلا أن عدم استعماله للموسيقى، رغم أنه يعشق الموسيقى، واختياره مكانا حميما للعرض من دون ديكورات أو سفسطة، جعل العرض تجربة من الصعب أن تُنسى بسرعة، لا سيما أنها عادت بنا إلى عصر الصالونات. فقد خيم على المكان صمت لم يكسره سوى صوت بينيديكت دي جينستو، وهي تقدم كل قطعة كما كانت تفعل في عهد إيف سان لوران ما بين عامي 1977 و2002. رسالة هادي سليمان كانت إبراز الأزياء أولا وأخيرا، ونجح إلى حد كبير، إذ كان تأثير التجربة أكبر من تأثير الأزياء التي أغرق بعضها في الحنين إلى الماضي، إلى جانب أطوالها القصيرة جدا التي قد تجعل تسويقها صعبا في بعض الأسواق. ما يشفع لها أنك عندما تقترب منها وتلمسها، تلمس مدى الحرفية التي تمت بها. فهي تحاكي الـ«هوت كوتير» بكل تفاصيلها، ما يشير إلى أن الدار قد تكون بالفعل جادة في إعادة خط الـ«هوت كوتير» الذي أقفلته الدار بعد أن اشترتها مجموعة «كيرينغ» وتسلمها المصمم توم فورد.
«ميو ميو» كانت طبقا مشكلا من الأرستقراطية الإنجليزية، بعضها مأخوذ من عصر الريجنسي وبعضها من الإدواردي أو الفيكتوري ظهرت في تصاميم بذيول طويلة وياقات عالية. ولم تضاه قوة التصاميم سوى قوة «ميو ميو» كخط أصبحت له مكانته بين الكبار، وهو ما تجسد في آخر يوم من أسبوع باريس في ظهور باقة من العارضات السوبر، من كندل جينر وجيجي حديد إلى لارا ستون وأدريانا ليما وتايلور هيل وغيرهن. بريقهن لحسن الحظ لم يغط على جمال حقائب اليد والأحذية المرصعة باللؤلؤ أو المزينة بأشرطة تلتف حول الساق. بالنسبة للأزياء، فالكل خرج وهو يقول إنها من أكثر التشكيلات التي قدمتها ميوتشا برادا جرأة وفخامة، خصوصا أن طريقة التنسيق اعتمدت على الـ«ماكسيماليزم»، أي أن الكثير قليل. الفكرة منها كانت رسم لوحة فنية لامرأة قوية وفاتنة لا يمكن أن تمر من دون أن تلتفت الرؤوس نحوها وتتحول الأنظار باتجاهها. قد تكون الفكرة منها أيضا لفتة إلى الثمانينات بالنظر إلى عدد العارضات السوبر اللواتي شاركن في العرض. بعد العرض تسابقت محررات الأزياء إلى الكواليس لفهم المزيد من ميوتشا برادا، التي شرحت أن «النبل والبؤس» هو العنوان الذي انطلقت منه وبنت عليه التشكيلة. النبل جسدته من خلال الأقمشة التي تعود إلى القرنين الـ16 والـ17 حيث كان بعضها يستعمل في صنع السجاد الباريسي. هذه الأقمشة صاغتها بمهارة في جاكيتات عصرية وبنطلونات واسعة وتنورات طويلة إضافة إلى إطلالات تستحضر ركوب الخيل. أما البؤس فكان مجرد نظرية لم تتجسد في أي قطعة، بما في ذلك الجينز المفترض أن يكون قماش الطبقة البروليتارية، والذي افتتحت به العرض. فقد جاء بتصاميم ارتقت به إلى مستوى جديد من النبل.
نيكولا غيسكيير بدوره عاد إلى الماضي ليصوغ المستقبل، فيما يمكن القول: إنه أفضل تشكيلة قدمها لدار «لويس فويتون» لحد الآن. من الواضح أنه أراد تقديم كل ما تحتاجه المرأة، وراعى أن تناسب كل المناسبات والأجواء، آخذا بعين الاعتبار أن السفر جزء لا يتجزأ من الثقافة المعاصرة، عدا أنه يدخل في صلب جينات الدار الفرنسية، الأمر الذي يفسر أن التشكيلة مناسبة لكل المواسم. أقيم العرض كما العادة في «فاوندايشن لويس فويتون» التي صممها المعماري فرانك غيري، وفي قاعة زينتها ديكورات مستقبلية توسطتها نحو 57 عمودا مغلفا بالزجاج. عندما تدخلها تشعر بأن المصمم يريد أن يأخذنا في مغامرة إلى مدينة أتلانتيس الغارقة، واكتشاف كنوزها المدفونة. وعندما بدأ العرض نجح المصمم في الحفاظ على شعلة الحماس وحس المغامرة، بفضل تصاميم تتحدى الزمن، يتمازج فيها الكلاسيكي بالحداثي، ويتراقص فيها القديم على إيقاعات مستقبلية. ففي الكتيب الذي وضعه على المقاعد، شرح بأنه أراد «صياغة إبداعات الماضي لخدمة الذوق العصري الحالي»، وربما هذا ما يفسر ما تتضمنه التشكيلة من حنين إلى الماضي. فهذا الماضي، حسب المصمم، ركيزة مهمة لبناء الاستمرارية ومن دونه لا يوجد حاضر أو مستقبل، في إشارة مبطنة إلى أن السفر جزء من ماضي الدار وركيزة من ركائزها الأساسية، وهو ما احترمه غيسكيير وقدمه هنا على نغمات «سبور» تارة، ونغمات كلاسيكية تارة أخرى. والنتيجة أنه تفوق على نفسه وقدم أحسن ما لديه منذ أن تسلم المشعل من مارك جايكوبس.
لكن باريس ليست باريس من دون «شانيل». وكما عودتنا كان عرضها في «لوغران باليه»، مقرها شبه الرسمي، متعة لكل الحواس ولم يخل من المفاجآت. المفاجأة هذه المرة أنها لم تعتمد على ديكور ضخم كان يسرق الأضواء من الأزياء، كما في السابق، بل اكتفت بصالون يشعر فيه كل الحضور، وعددهم لا يقل عن 3000، بأهميتهم. فقد جلسوا كلهم في الصف الأمامي، وهو ما جاء واضحا في بطاقة الدعوة التي رُسم عليها كرسي كتب فوقه «فرونت رو أونلي» أي صف أمامي فقط. ربما كانت فكرة مصممها كارل لاغرفيلد، أن يأخذنا إلى الأيام الخوالي عندما كانت عروض الأزياء قصرا على الطبقات الثرية والأرستقراطية، مع اختلاف كبير هذه المرة أنه فتح أبواب «لوغران باليه» الأربعة لكل الطبقات. فـ«شانيل» كما يكرر «ديمقراطية»، لا تفرق بين أحد، وهو ما يُحسب له في ظل التغيرات التي بدأت تهدد الموضة وتحاول إنزالها من برجها العاجي وفي ظل تزايد أهمية التواصل الاجتماعي.
للخريف والشتاء المقبلين، قدم نحو 100 إطلالة، حتى تجد فيها المرأة، أيا كان أسلوبها، ذوقها، عمرها أو بيئتها، ما يناسبها. أفليست هذه ديمقراطية أيضا؟ طبعا حضرت كل رموز الدار، من تايور التويد والفستان الناعم إلى اللؤلؤ، إضافة إلى تنورات مستقيمة وطويلة بسحابات جانبية يمكن التحكم فيها، بفتحها أو إغلاقها للحصول على مظهر مختلف في كل مرة، أو حسب البيئة التي تعيش فيها صاحبتها. الجاكيت بدوره جاء بسحاب ما أضفى على الإطلالة مظهرا عصريا و«سبور»، علما بأن التويد لم يكن هو الغالب على التايورات، إذ كانت هناك تايورات من الصوف لا تقل أناقة، بل تستحضر صورة كوكو شانيل خصوصا أنها زينت بقلادات متدلية بصفوف متعددة من اللؤلؤ المصفوف، وقبعات رأس مبتكرة بأشرطة من اللؤلؤ للتحكم فيها. الصوف ظهر أيضا في كنزات سميكة بعضها مرصع يذكرنا بأن الدار تمتلك ورشات كثيرة متخصصة في كل المجالات، ما يجعل مهمة لاغرفيلد سهلة من جهة، وتشجعه على البذخ من جهة ثانية. تجسد هذا البدخ في استعماله أجمل الأقمشة وأيضا في استعماله طبقات متعددة من الأزياء في الإطلالة الواحدة، فيما يمكن القول إنه أيضا نوع من العملية. رغم جمال الأزياء وما تحمله من فكرة الديمقراطية، فإنها ستبقى بالنسبة للبعض بعيدة المنال ومجرد حلم، على العكس من الإكسسوارات. فهذه مقدور عليها وهو ما تعرفه الدار، بدليل أنها جاءت بأعداد وأشكال لا تحصى، من السلاسل والقلادات إلى القبعات والأساور، وطبعا حقائب اليد والأحذية. وهكذا إذا لم تستطع الواحدة منا شراء تايور أو فستان سهرة طويل، يمكنها أن تشتري حقيبة أو ربما أقراط أذن لتدخل نادي «شانيل».
هل افتقد الحضور الديكورات الضخمة التي كانت مادة دسمة تغذي الانستغرام والسناب تشات وغيرهما؟ الجواب بكل بساطة: أبدا، فقد كانوا أسعد بحصولهم على كراسي صفوف أمامية، جعلتهم يشعرون بأهميتهم وفي الوقت ذاته مكنتهم من معاينة كل إطلالة عن قرب، وفي نهاية الأمر هذا هو الأهم.
اسم «فالنتينو» في المقابل، ليس لصيقا بالديكورات أو الإبهار المسرحي، بقدر ما هو لصيق بالحرفية والتقنيات الإيطالية العريقة، وتلك التجربة الحميمة التي يخرج منها الحضور وهم في حالة نشوة. وهذا ما أكدته الدار هذه المرة أيضا وقدرته زبوناتها اللواتي لم يتوقفن عن ترديد كلمات مثل «برافا» أو «بيليسيما» طوال العرض.
فباستثناء بيانو توسط القاعة المنصوبة في حديقة التويلريز، عزفت عليه فانيسا واغنر مقطوعات لجون كايج وفيليب غلاس، بدا كل شيء عاديا إلى أن بدأ العرض وتهادت العارضات وكأنهن راقصات باليه. فالكثير من الإطلالات كانت بأقمشة خفيفة وشفافة أحيانا، ما جعلها تبدو حالمة. «فالنتينو» من بيوت الأزياء القليلة التي تحقق أرباحا تُثلج صدور مالكيها، حيث سجلت ارتفاعا في مبيعات الأزياء الجاهزة والإكسسوارات بنسبة 50 في المائة، في الآونة الأخيرة، بفضل وفائها لفلسفتها بأن الموضة «حلم» و«فن» وليس وجبة سريعة. هذه الفلسفة تجسدت هنا في أزياء تعبق بكل ما تؤمن به الدار من دقة وحرفية، تشير إلى أنها لن تركب موجة عرض الأزياء اليوم وطرحها للبيع مباشرة في الغد، لأن أزياءها تحتاج إلى وقت للتنفيذ والإنجاز لكي تأتي بالشكل المطلوب. تشبث مصمموها، ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي، بالطريقة الكلاسيكية لعرض تصاميمهما، ونظرتهما إلى الموضة ككل، يستهدف تسليط الأضواء على الأزياء، حيث كانت كل إطلالة بمثابة لوحة فنية رسما فيها مجموعة سخية من فساتين الكوكتيل والسهرة، نجح الثنائي في التخفيف من فخامتها، بتنسيقها مع كنزات بياقات عالية لكي تناسب النهار أيضا. استعملا أيضا أقمشة مثل حرير الجيرسيه عوض الحرير الكريب لنفس الغاية، ألا وهي التخفيف من رسميتها، كما استعاضا عن الياقات العالية والأكمام الطويلة التي رأيناها في تشكيلاتهما الأخيرة، بالكشاكش والياقات المفتوحة التي تفتح المجال لتنسيقها مع كنزات أو قمصان بالنسبة لامرأة تتوخى الحشمة أو الدفء. 20 دقيقة غاب فيها الحضور عن الواقع وعاشوا لحظات من الحلم تعيد للذهن الفرق بين الموضة كفن ووسيلة إبداع، وبين الأزياء السريعة رغم أن الديكور كان عاديا وليس صالونا يستحضر الزمن الجميل. فلكل زمن جمالياته ومبدعوه.



جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.