سجل المالكي

حصاد ثماني سنوات من المآسي والعنف الطائفي والإرهاب

سجل المالكي
TT

سجل المالكي

سجل المالكي

لا يكاد يمر يوم في العراق بهدوء ومن غير أن يعكر صفوه حادث انتحاري، أو انفجار سيارة مفخخة أو قنبلة مزروعة على جانب طريق.. حتى صار العنف والقتل طبقا يوميا، على المواطن العراقي المغلوب على أمره أن يعتاده ويتعامل معه على أنه أمر واقع معيش.
وطبقا للتقارير العالمية، فإن الأعوام الأخيرة، وتحديدا عام 2013، تعد الأسوأ في تاريخ العنف بالعراق منذ عام 1985 أيام الحرب العراقية - الإيرانية. فخلال شهر واحد وهو يوليو (تموز) الماضي سقط أكثر من 3383 قتيلا وجريحا، وهي الحصيلة الأكثر دموية في البلاد منذ سنوات.
وتستمر دوامة العنف في العراق، من دون بصيص أمل في احتواء هذه الآفة التي تنخر في المجتمع العراقي، فالحكومة التي يرأسها نوري المالكي، يتهمها خصومها بأنها فشلت طيلة ثماني سنوات في إيجاد حل يخفف من وتيرة العنف، ناهيك بوضع حل جذري لها. ويحمل معارضو الحكومة، المالكي شخصيا مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية، ليس لأنه رئيس الحكومة فقط، بل لأنه يتقلد جميع المناصب الأمنية، فهو وزير الداخلية بالوكالة والقائد العام للقوات المسلحة، حتى إن وزير الدفاع بالوكالة من المقربين منه، مما يعني أن الأمر بيده أيضا. وبات العنف أبرز سمات حكومة المالكي على مدى سنوات، ولن يعرف التاريخ مدخلا لها إلا من هذا الباب.

مع أن هناك جدلا سواء على مستوى الأرقام أو الوقائع بشأن ثلاثة عهود من تاريخ العراق الحديث، وهي عهد نظام صدام حسين، وعهد الغزو الأميركي خلال السنوات الثلاث الأولى من الاحتلال الأميركي عام 2003، وعهد نوري المالكي الذي بدأ عام 2006 ولا يزال مستمرا، فإن المقارنة تكاد تكون مدهشة. وباستثناء الحروب التي خاضها صدام حسين (الحرب مع إيران 1980 - 1988)، وغزو الكويت (1990) والمواجهة مع الولايات المتحدة التي بدأت منذ غزو الكويت واستمرت على شكل حصار دام لـ13 عاما لينتهي باحتلال عام 2003، فإن ذلك العهد من حيث فرص الأمن والاستقرار وعمليات القتل عن طريق أعمال العنف تكاد تكون معدومة.. فلا اغتيالات ممنهجة كانت ترتكب، إلا للخصوم السياسيين المباشرين.. ولا مفخخات ولا تفجيرات في أي مدينة عراقية من الشمال إلى الجنوب. كما أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن أعداد القتلى والمعاقين والأرامل والأيتام في عهد صدام كانت تتعلق بالحروب التي خاضها، علما بأن صدام حسين لم يؤمن يوما بمفهوم شراكة أو بتداول سلمي للسلطة، ولم ينفِ عن نفسه صفة الديكتاتور، وهي الصفة الذي ظل المالكي ولا يزال يتطير منها كلما وصفه أحد خصومه بها، وفي مقدمتهم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي زاد بأن منَح المالكي لقب «طاغوت العصر» بعد أن كان وصفه لعدة مرات بـ«الديكتاتور». وكذلك نائبه لشؤون الخدمات صالح المطلك الذي وصف المالكي ولأكثر من مرة بلقب «الديكتاتور» وأبعد عن منصبه لأكثر من سنة بسبب ذلك.
من جهة ثانية, يقول محللون سياسيون إن المالكي استطاع خلال سنوات قليلة أن يجعل العراقيين يندمون على سنوات صدام حسين
وتشير الإحصاءات في أيام الاحتلال الأميركي، إلى أن معدلات القتل اليومية لم تكد تذكر خلال السنتين الأولى والثانية من الاحتلال (2003 - 2004) لتبدأ بعدها عملية المقاومة المسلحة منذ عام 2005. وعقب تفجير سامراء عام 2006 اندلعت أعمال القتل الطائفي حيث كان المالكي قد تسلم منصبه رئيس للوزراء بدلا من إبراهيم الجعفري بعدها بنحو شهرين.
ومع أن الأميركيين دشنوا عهد المالكي بقتل زعيم تنظيم القاعدة أبو مصعب الزرقاوي بغارة أميركية خلال شهر يونيو (حزيران) عام 2006، فإن عمليات القتل وإلقاء الجثث مجهولة الهوية في شوارع بغداد التي تقدر بنحو 70 جثة يوميا خلال عامي 2006 - 2007 صارت من الظواهر المألوفة آنذاك.
يقول عضو لجنة الأمن في البرلمان العراقي عن كتلة «متحدون» مظهر الجنابي لـ«الشرق الأوسط» إن «الإحصاءات الخاصة بالقتل اليومي والأسبوعي والشهري وبيانات المنظمات الدولية، تشير إلى أننا الدولة الأكثر فشلا على أصعدة الفساد والشفافية والنظافة وحقوق الإنسان، وتعني أننا جميعا بوصفنا مشاركين في هذه العملية السياسية، قد سودنا وجوهنا ووجوه من أوصلونا إلى البرلمان والحكومة».
ويتابع الجنابي قائلا إن «المالكي وعد كثيرا، لكنه لم يف بوعوده، وحين مارسنا دورنا الديمقراطي في سحب الثقة منه، فوجئنا بمن يتراجع في منتصف الطريق بمن فيهم أعضاء في القائمة العراقية التي أنتمي إليها والتي كانت أكثر قائمة نالت الويلات من سياسات المالكي بما فيها حرمانها من تشكيل الحكومة بوصفها القائمة الفائزة بأكبر عدد من الأصوات، حيث إن 27 عضوا في (العراقية) خانوا العهد والأمانة وأجهضوا مشروع سحب الثقة».
ويضيف الجنابي: «أود الإشارة هنا إلى أنه لا خلاف شخصيا لنا مع المالكي، ولكننا نتحدث عن نهج دولة أوصلتنا سياساته إلى مرحلة مؤسفة تجعلنا نقول وبكل صراحة إنه لا يوجد شيء في الأفق إلا بطبقة سياسية جديدة يجب أن تفرزها الانتخابات المقبلة». وأضاف: «الحديث عن هذه المرحلة وما خلفته من فشل ذريع في كل الميادين والمجالات، حديث عقيم، لأن العملية السياسية بمجملها بنيت على أكذوبة، وهي ما سمي بالتعهدات أو الاتفاقيات التي جرى إبرامها بين الشركاء». وأضاف: «كان من المفروض أن يتم تعيين الوزراء الأمنيين في غضون شهر، وها هي أربع سنوات مضت وعشرات آلاف الشهداء والجرحى، والوزارات الأمنية بيد رجل واحد يصر على ألا يعطيها لأحد».
ويقول جواد الجبوري الناطق باسم كتلة الأحرار الصدرية في البرلمان إن المالكي «هو المسؤول المباشر أمام مجلس النواب والشعب عن ضبط الوضع الأمني بصفته القائد العام للقوات المسلحة». وتساءل: «ماذا تعني القيادة العامة؟ هل تعني توزيع المناصب بالبيع وبالمزاد العلني؟ أم هو ملف مهم يجب الاجتهاد فيه لتقديم الخدمة الأمنية التي هي المطلب الأول للمواطن العراقي؟».
وأشار الجبوري إلى أن «المالكي يبحث عن شماعات لتعليق الأخطاء والإخفاقات»، في إشارة إلى اتهامه للسعودية بدعم الإرهاب. وأضاف أن المالكي «أخفق في رص الصف الوطني العراقي من حيث مد جسور الثقة والتوافق الوطني بين الشركاء وانصرف إلى تفكيك عرى التواصل الوطني».

* دفاع المالكي
هناك الآن شبه إجماع بين خصوم المالكي، على أن سجل حكومته كان حافلا خلال السنوات الماضية، حيث شهد العراقيون مزيدا من أعمال العنف والقتل والخروقات التي تعبر عنها الإحصاءات الرسمية التي تعلن عنها المصادر الصحية والأمنية من جهة، والأمم المتحدة من جهة أخرى.
لكن إحسان العوادي، عضو البرلمان العراقي عن ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي، يدافع عن سجل المالكي من زاوية أخرى، وتتمثل في المساعي الهادفة إلى إسقاط مشاريع المالكي التنموية في البرلمان.
يقول العوادي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «قانون البنى التحتية الذي قدمته الحكومة منذ دورتها الأولى وبالذات منذ عام 2007 وبمبلغ قدره 72 مليار دولار وبطريقة الدفع بالآجل، أجهضه البرلمان لأسباب ولدوافع سياسية». ويضيف قائلا: «خلال الدورة البرلمانية الحالية، الحكومة تقدمت ثانية بالمشروع عام 2013 وبمبلغ قدره 38 مليار دولار مع كامل الخطط لتنفيذه على أرض الواقع، والكتل السياسية التي لا تريد أن يحسب ذلك إنجازا للمالكي أوقفته ولم تشرعه، على الرغم من أنه يحل كثيرا من المشكلات، والذي من شأنه زيادة فرص العمل والقضاء على البطالة والفقر، وهي الحواضن الأساسية للإرهاب».
ويتابع العوادي: «ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فهناك من حرض الإدارة الأميركية على عدم تسليح الجيش العراقي، وهناك من طالب بتسليم الأسلحة الثقيلة إلى العشائر، فكيف يمكن للمالكي أو أي قيادة عسكرية وفي ظل هذه الأجواء، محاربة الإرهاب وإيقاف نزف الدم وما دام يوجد شركاء في الوطن والعملية السياسية يرفضون تسليح الجيش ومع ذلك ينتقدون المالكي بعدم توفير الأمن؟».

* أموال.. وجثث مجهولة
لكن وجهة نظر العوادي في مشروع البنى التحتية سرعان ما يجهضها زعيم المؤتمر الوطني العراقي والسياسي البارز أحمد الجلبي الذي قال في ندوة بمركز «إنهيدوانا» بمقره في مدينة الحرية ببغداد، وحضرتها «الشرق الأوسط» إن «هناك 6000 مشروع في مختلف المجالات، وبتكلفة 228 تريليون دينار عراقي (220 مليار دولار)، صرفت لها مخصصات مالية، لكن لم ينجز شيء منها». ويضيف الجلبي أن «رصيد منظومة الـ(دي إف اي) نهاية عام 2012 كان 18 مليار دولار، أما في نهاية 2013 فكان الرصيد ستة مليارات دولار، ولا يعلم أوجه صرف هذه الأموال». ويتابع قائلا: «هناك أكثر من ثلاثة مليارات دولار صرفت خلال الفترة السابقة لا يعرف مصيرها أو المشاريع التي صرفت من أجلها».
وتساءل الجلبي عن «الكيفية التي صرفت بها الأموال الهائلة التي دخلت إلى العراق منذ 2003 ولغاية 2013 البالغة أكثر من 467 مليار دولار». وإذا كانت متلازمة الأمن والاقتصاد والسياسة تسير بموازاة بعضها مع بعض، فإن الفرصة التي يلتقطها خصوم المالكي تبدو كبيرة لجهة تسجيل مزيد من الإخفاقات في الميادين السياسية والاقتصادية والأمنية.
بالنسبة للجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، فإن سجل المالكي الأمني والسياسي يبدو فيها شديد الاضطراب خلال سنوات حكمه الثمانية، التي ازدادت اضطرابا خلال السنوات الأربع الأخيرة. عضو البرلمان عن كتلة التحالف الكردستاني وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية شوان محمد طه يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «مهام الحكومة في العادة هي وظائف ذات طابع خدمي وأمني، وكلاهما مترابط بعضه مع بعض، فتوفير الخدمات يؤدي إلى الرفاهية التي بدورها توفر فرص الأمن والأمان. لكن ما نلاحظه أنه خلال الدورتين الماضيتين للحكومة الحالية التي يترأسها المالكي، هناك إخفاق على كل المستويات وفي المقدمة منها إدارة الملفين معا.. الأمن والخدمات».
ويضيف طه قائلا إن «لدينا سلطة لكن بلا مؤسسات دولة، وما تبقى من مؤسسات الدولة، ضرب به رئيس الوزراء عرض الحائط»، وعدّ «مستوى ما وصلنا إليه على مستويات الأمن والخدمات مع إصرار الحكومة على الاستمرار بسياسة التفرد في القرار نفسها، يمثل تراجعا خطيرا في المشروع الديمقراطي، لأن المالكي تراجع عن تعهداته مع الشركاء، وهو الأمر الذي ترك أثره حتى على علاقات العراق الإقليمية التي تراجعت كثيرا بعد أن تفننا في صناعة العدو».

* لغة الأرقام: معدلات القتل 400 شهريا
* طبقا للتقارير العالمية، فإن الأعوام الأخيرة كانت الأسوأ في تاريخ العنف في العراق، وتحديدا عام 2013، الذي كان أسوأ عام في تاريخ العنف بالعراق مند عام 1985 أيام الحرب العراقية - الإيرانية.
فخلال شهر واحد هو يوليو (تموز)، فإن حصيلة أعمال العنف في العراق بلغت 3383 قتيلا وجريحا، وهي الحصيلة الأكثر دموية في البلاد منذ أكثر من خمس سنوات. وقال القائم بأعمال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جيورجي بوستين في بيان له إن «1057 عراقيا قتلوا وأصيب 2326 آخرون خلال أعمال الإرهاب والعنف في شهر يوليو»، مشيرا إلى أن «عدد القتلى من المدنيين بلغ 928 وجرح 2109، فيما قتل 129 عنصرا أمنيا وجرح أكثر من 217 آخرين». وأوضح بوستين: «ما زالت تأثيرات الإرهاب على المدنيين بمعدلات عالية»، لافتا إلى «وصول عدد القتلى من المدنيين إلى 4.137 وجرح أكثر من 9.865 منذ بداية عام 2013».
وتابع بوستين أن «البلاد لم تشهد مثل هذه الأرقام العالية منذ خمس سنوات، عندما تسبب الاهتياج الأعمى للنزاع الطائفي بجروح عميقة في هذه البلاد قبل هدوئه في النهاية»، داعيا «القادة السياسيين في العراق إلى اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لإيقاف نزف الدم، والحيلولة دون عودة تلك الأيام المظلمة مرة أخرى». ولفت بوستين إلى أن «العاصمة بغداد كانت الأكثر تضررا من بين المحافظات في حصيلة شهر يوليو بوقوع 957 قتيلا وجريحا من المدنيين، منهم 238 قتيلا و719 جريحا، تتبعها محافظات صلاح الدين ونينوى وديالى وكركوك والأنبار حيث بلغت أعداد الضحايا المئات، ثم تتبعها محافظات بابل والبصرة وواسط، حيث تصل أعداد ضحاياها إلى العشرات». إحصائية الأمم المتحدة هذه تضع معدلا لأعمال القتل بنسب تجاوزت 400 قتيل شهريا، وهو عدد يثبت فشل خطط الحكومة الأمنية في مقابل نجاح كبير للمنظمات الإرهابية. والمفارقة اللافتة للنظر أنه وبموجب تقرير أصدره مستشار الأمن الوطني العراقي السابق موفق الربيعي، فإن 67 في المائة من الضحايا هم من الطائفة الشيعية، فيما أشار إلى تصاعد نسبة الضحايا الكرد والتركمان إلى 13 في المائة خلال العام الماضي. الربيعي، وفي بيان له، قال إن «جميع الإحصاءات والبيانات الدولية والمحلية رغم تفاوتها في دقة أرقام عدد الضحايا والمفقودين، فإنها تشير بوضوح إلى أن نسب الضحايا تصل إلى 67 في المائة في محافظات الوسط والجنوب التي تقطنها غالبية من الطائفة الشيعية في العراق». ويضيف الربيعي أن «الإحصاءات تشير أيضا إلى تصاعد نسبة ضحايا الكرد والتركمان والأيزيدية في محافظات صلاح الدين وكركوك وديالى ونينوى خلال العام الماضي 2013 لتصل إلى 13 في المائة»، مبينا أن «80 في المائة من ضحايا الإرهاب في العراق هم من الشيعة والكرد والتركمان». وفي إشارة ذات دلالة بالغة في سياق الصراع الطائفي في العراق، فإن الربيعي يقول إن «البيانات تؤكد عدم استهداف المكون السني بصورة متعمدة؛ حيث إن نسب استهداف الطائفة السنية تبقى منخفضة ودون معدلات الخطر، في حين تشير التقارير الدولية والمحلية إلى أن الجماعات المسلحة وتنظيم القاعدة وفروعها تشن حملة منظمة لإبادة الطائفة الشيعية في العراق». وإذا كان تقرير الربيعي يشير إلى أن الاستهدافات الإرهابية ذات طبيعة طائفية، فإنه واستنادا إلى مسؤولية الحكومة التي كان الربيعي جزء منها (مستشار الأمن الوطني خلال الولاية الأولى للمالكي) لم تتمكن حتى من حماية المكون الشيعي على الرغم من أنها جاءت بهدف إنقاذه وتعويض مظلوميته خلال العهود السابقة. لكن الناطق باسم وزارة الداخلية و«عمليات بغداد» العميد سعد معن يرى، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «السبب الرئيس لزيادة الضحايا بين المدنيين خلال الشهر الماضي وحتى شهر يونيو (حزيران) يعود إلى أن التنظيمات الإرهابية وفي المقدمة منها تنظيم القاعدة اتبعت خطة إجرامية تتمثل في التفجير في الأهداف الأكثر سهولة التي يصعب حمايتها من قبل الأجهزة الأمنية». وأضاف معن أن «تفجير المقاهي الشعبية والأسواق وملاعب كرة القدم والكراجات عن طريق السيارات التي باتت تفخخ داخل المناطق، أو العبوات الناسفة أو اللاصقة، وكلها محلية الصنع، إنما توقع بالتأكيد المزيد من الضحايا بين المدنيين، وهو ما تؤشر إليه الإحصاءات نفسها، حيث إن الخسائر في صفوف المدنيين أكثر بكثير من العناصر الأمنية، وهو ما يعني أن الهدف هو إحداث ضجة إعلامية تستفيد منها التنظيمات الإرهابية في عملها ضد الشعب العراقي». وأشار إلى أن «معركتنا مستمرة مع الإرهاب، ولدينا، على الرغم من الإخفاقات التي نعترف بها، الكثير من النجاحات المهمة على صعيد تفكيك خلايا الإرهاب والقبض على المجرمين والعثور على أكداس من الأسلحة بمختلف الأنواع». وبلغة الأرقام ذاتها، فإنه في مجال الخدمات واستنادا لتقرير حكومي أصدرته لجنة النفط والطاقة التي يترأسها نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني، فإن العراق يخسر 40 مليار دولار سنويا بسبب الأضرار المترتبة على الفشل في إنتاج الكهرباء بسبب ملفات الفساد.
وفي إطار مكافحة الفساد، فإن آخر تقرير لمنظمة الشفافية العالمية لهذا العام يقول إن العراق يعد أول دول الفساد بالعالم، وإن وعود رئيس الحكومة عام 2011 بمكافحة الفساد لم تنجح نتيجة سيطرة الإرادات السياسية على مؤسسات مكافحة الفساد. وتوقعت أن يشهد العراق تحديات فساد كبرى بمجال النفط في الفترة المقبلة بسبب سياسات الحكومة الخاطئة. ثم أضافت المنظمة أن 25 في المائة من الشعب العراقي تحت خط الفقر، وأن نسبة البطالة ازدادت بمعدل 20 في المائة في الفترة الأخيرة.



«الضبعة»... «الحلم النووي» المصري يدخل مرحلة حاسمة

جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)
جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)
TT

«الضبعة»... «الحلم النووي» المصري يدخل مرحلة حاسمة

جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)
جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)

تقف مصر على مقربة من تحقيق «الحلم النووي»، الذي راودها منذ خمسينات القرن الماضي، عقب خطوات جادة وثابتة لتنفيذ «مشروعها الاستراتيجي»، وإنشاء أول محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية في مدينة الضبعة بمحافظة مطروح على ساحل البحر الأبيض المتوسط على بعد نحو 289 كيلومتراً شمال غربي القاهرة، بتمويل وتكنولوجية روسيين. وبينما يأتي المشروع في سياق خطة مصر لتنويع مصادر الطاقة ورؤيتها الاستراتيجية لامتلاك الطاقة النووية السلمية، فإن مشروع «محطة الضبعة النووية» تتجاوز أبعاده حدود الاقتصاد، لتمتد إلى السياسة والبيئة والمجتمع.

بالتزامن مع الاحتفال بالعيد السنوي الخامس للطاقة النووية، الذي يوافق التاسع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، شارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عبر تقنية «الفيديو كونفرانس»، في مراسم تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى بمحطة الضبعة النووية، وتوقيع أمر شراء الوقود النووي، ليدخل «الحلم النووي» المصري مرحلة حاسمة.

وعد الرئيس الروسي، في كلمته حينها عبر تقنية «الفيديو كونفرانس»، التعاون القائم بين مصر وروسيا في بناء المفاعل النووي «نجاحاً بارزاً»، مشيراً إلى أن «المشروع سيوفر الكهرباء اللازمة لدعم الاقتصاد المصري المتنامي».

وقال السيسي في كلمته إنه «في ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة في قطاع الطاقة، وارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، تتجلى بوضوح أهمية وحكمة القرار الاستراتيجي، الذي اتخذته البلاد، بإحياء البرنامج النووي السلمي، باعتباره خياراً وطنياً، يضمن تأمين مصادر طاقة مستدامة وآمنة ونظيفة، دعماً لأهداف رؤية مصر 2030».

وتقدر الطاقة الكهربائية المتوقع توليدها من محطة الضبعة النووية بنحو 4800 ميغاواط، عبر أربعة مفاعلات من الجيل الثالث من طراز VVER-1200، وهو ما يمثل 10 في المائة من إنتاج الكهرباء في مصر.

وخطت مصر أولى خطواتها الجادة نحو تنفيذ المشروع في نوفمبر 2015 بتوقيع اتفاقية مبدئية بين الرئيسين المصري والروسي لإقامة أول محطة نووية لتوليد الكهرباء، تنفذها شركة «روساتوم» الحكومية الروسية، لتتخذ مصر من يوم التوقيع عيداً وطنياً للطاقة النووية.

وبعد عامين، وتحديداً في نوفمبر 2017، تم التوقيع على العقود الرئيسية لبناء الوحدات الأربع للمحطة، بطاقة 1200 ميغاواط لكل وحدة، لتنطلق بعدها الأعمال التحضيرية والإنشائية للمشروع بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 28.75 مليون دولار، 85 في المائة منها قرض حكومي روسي ميسّر بفائدة 3 في المائة سنوياً يبدأ سداده عام 2029، والباقي تمويل ذاتي مصري.

«تشيرنوبل» جمد الحلم

الرغبة في امتلاك الطاقة النووية السلمية «حلم راود المصريين منذ منتصف القرن الماضي»، بحسب السيسي. حيث بدأت طموحات مصر النووية بعد فترة قصيرة من اكتشاف القدرة على توليد الطاقة السلمية من الانشطار النووي. ففي أعقاب مؤتمر جنيف الأول للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، أنشأت مصر هيئة الطاقة الذرية (AEA) عام 1955. وبعد ست سنوات افتتحت مركز البحوث النووية في أنشاص وشغّلت أول مفاعل بحثي (من طراز WWR-S ) بقدرة 2 ميغاواط، بالتعاون مع «الاتحاد السوفياتي» آنذاك، لإجراء الأبحاث والتدريب وإنتاج النظائر المشعة.

وفي عام 1964 أعلنت مصر عن خطط لبناء أول محطة لتوليد الكهرباء النووية، واختارت مبدئياً موقع «سيدي كرير» في الساحل الشمالي أيضاً، لكن الظروف الاقتصادية والسياسية في المنطقة أرجأت المشروع.

وبعد حرب 1973، عاد الحلم النووي يراود المصريين وتم وضع خطة لبناء محطات نووية بقدرة 10 آلاف ميغاواط بحلول عام 2000، وخصصت منطقة «الضبعة» بعد مفاضلة بين أماكن عدة على سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط.

وشهدت الفترة بين 1983 و1968 المناقصة الدولية الثانية للمشروع وتلقت فيها مصر عروضاً من شركات أميركية وألمانية وسويدية. وكانت القاهرة على وشك توقيع العقد لكن «كارثة مفاعل تشيرنوبل» (أوكرانيا التي كانت آنذاك جزءاً من الاتحاد السوفياتي) في أبريل (نيسان) 1986 جمّدت الحلم.

وبعد هدوء المخاوف من المفاعلات النووية السلمية، قررت مصر إحياء برنامجها النووي عام 1999، وفي عام 2007 تم تشكيل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA) كهيئة مستقلة تكون مسؤولة عن تنفيذ وإدارة المشروع النووي. وأعلن الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2008 عن إعادة تفعيل دراسات موقع الضبعة. لكن مرة أخرى تعطّل المشروع بفعل أحداث 2011، قبل أن يعيد السيسي إحياءه بالتوقيع على اتفاق مبدئي مع روسيا عام 2015.

عوائد اقتصادية

تدخل مصر النادي النووي بطموحات اقتصادية كبيرة، مستهدفة تعزيز أمن الطاقة وتحقيق التنمية، ويقول السيسي إن المشروع «سيعزز مكانة بلاده كمركز إقليمي للطاقة، ويحدث نقلة نوعية في مسار توطين المعرفة والاستثمار في الكوادر البشرية».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يشهد مراسم توقيع أمر شراء الوقود النووي في نوفمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

ويعد دخول مصر إلى ميدان التطوير الصناعي والتكنولوجي للطاقة النووية من العوائد المهمة للمشروع، بحسب دراسة نشرها نائب رئيس وحدة دراسات الاقتصاد والطاقة بـ«المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، أحمد بيومي، العام الماضي، حيث من المتوقع أن تكون نسبة تنفيذ نحو 20 في المائة من المشروع بالتعاون مع الشركات المحلية، ومن المستهدف أن تصل نسبة المكون المحلي من 20 إلى 25 في المائة عند تشغيل المفاعل الأول في 2028، تزيد إلى 35 في المائة عند تشغيل المفاعل الرابع في 2031، كما ستتولى شركة «روساتوم» الحكومية الروسية تدريب ما يقرب من ألفي شخص من موظفي التشغيل والصيانة للعمل في المحطة.

وفقاً لهيئة الاستعلامات المصرية الرسمية، فإنه «من المتوقع أن تبلغ القيمة المضافة للمشروع في الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الإنشاء نحو 4 مليارات دولار سنوياً». وتوفر المحطة مصدراً ثابتاً للكهرباء يعمل على مدار الساعة، ما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويضمن استقرار الشبكة.

ويأتي إنشاء محطة الضبعة النووية في إطار خطة مصرية لتنويع «سلة الطاقة»، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة، الدكتور جمال القليوبي، الذي يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تسعى لأن تكون لديها مصادر متعددة من الطاقة، لا تعتمد فقط على الشق الحراري واستخدام الوقود الأحفوري». وقال: «طوال 50 عاماً كان الوقود الأحفوري مصدراً لنحو 98 في المائة من الطاقة في مصر، لكن الأمر تغيّر منذ عام 2018 مع زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة من الرياح والشمس والهيدروجين الأخضر»، مشيراً إلى أن «محطة الضبعة مع اكتمال تشغيل مفاعلاتها قد تسهم في نحو 16 إلى 18 في المائة من الكهرباء في مصر».

وتستهدف مصر، وفقاً للتصريحات الرسمية، الوصول بمساهمة الطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة إلى نحو 42 في المائة من إجمالي الطاقة بحلول عام 2030.

لا تقتصر العوائد الاقتصادية على توفير الكهرباء وتوفير جزء من فاتورة استيراد مصر للوقود الأحفوري التي تجاوزت 12 مليار دولار العام الماضي، بحسب تصريحات لوزير البترول المصري السابق، طارق الملا.

ويشير القليوبي إلى أن فاتورة استيراد الوقود لتشغيل محطات الكهرباء تبلغ نحو 50 في المائة من القيمة الإجمالية لفاتورة استيراد الوقود. وقال: «محطة الضبعة ستوفر جزءاً كبيراً من فاتورة الاستيراد، كما أن عوائدها الاقتصادية تمتد إلى مناح أخرى تتعلق بتحلية مياه البحر وإنتاج النظائر المشعة المستخدمة في عدد من الصناعات الطبية والزراعية». وأضاف: «لدى مصر خطة واضحة. خطة تؤازر الدولة اقتصادياً وتتماشى مع أهداف الدول الصناعية، عبر تحسين ملف الصناعة واستخدام الطاقة النووية في كثير من المناحي الاقتصادية».

خيار استراتيجي

يسهم مشروع الضبعة في توفير العملة الصعبة، كما يوفر نحو 6 آلاف فرصة عمل في أثناء الإنشاء، وآلاف فرص العمل في أثناء فترة التشغيل التي تمتد لـ60 عاماً. كما تعد محطة الضبعة النووية مصدراً نظيفاً وخالياً تماماً من انبعاثات الكربون، ويدعم استراتيجية مصر للطاقة 2035، بحسب هيئة الاستعلامات المصرية.

دخول مجال الطاقة النووية هو «خيار استراتيجي»، بحسب دراسة نشرها رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور أحمد قنديل، مشيراً إلى أن «الضبعة ليست مجرد محطة كهرباء»، إذ إنها تحقق أهدافاً عدة، من بينها؛ «بناء أمن طاقة مصري مستقل نسبياً عن تقلبات الأسواق العالمية للبترول والغاز الطبيعي، وتحرير جزء من الغاز المصري للتصدير أو الاستخدام الصناعي، خاصة في البتروكيماويات والأسمدة، ودعم الصناعات الثقيلة والتوجه نحو الهيدروجين الأخضر، وتوفير مصدر مستقر للكهرباء على مدى عقود».

يسهم المشروع أيضاً في تعزيز مكانة مصر الإقليمية، بحسب قنديل الذي قال: «مصر اليوم لاعب رئيسي في الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، وقوة صاعدة في الطاقة المتجددة، وتعمل على مشروعات للربط الكهربائي مع ثلاث قارات، وحين تكتمل وحدات الضبعة، ستمتلك مصر برنامجاً نووياً سلمياً واسع النطاق، يمنحها وزناً إضافياً في معادلات الطاقة الإقليمية».

أما القليوبي فيشير إلى أن مشروع الضبعة يُدخل مصر إلى «نادي الدول الصناعية الكبرى التي تستخدم الطاقة النووية لأغراض سلمية».

أبعاد سياسية

وبينما ستسهم محطة الضبعة في تلبية احتياجات مصر من الطاقة على المدى الطويل، فإن هناك دوافع أخرى لإقدام البلاد على هذه الخطوة، من بينها «تعزيز المكانة السياسية للحكومة في الداخل وتوسيع علاقاتها الأجنبية إلى ما يتجاوز واشنطن»، بحسب مقال نشره إيريك تراجر في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» عام 2016.

أشار تراجر وقت ذاك إلى أن «المشروع يستهدف إعطاء أمل للمصريين وتعزيز الدعم الداخلي للحكومة، بعدّه مشروعاً قومياً»، كما أنه يأتي في إطار مساعي القاهرة لـ«توسيع نطاق التواصل الخارجي ليتجاوز علاقتها الثنائية بواشنطن، ما يُظهر مصر بصورة المنفتحة على العالم أجمع». وقال تراجر إن المشروع «يوطد علاقات مصر وروسيا».

وهو أمر أكده بالفعل الرئيسان المصري والروسي أخيراً، حيث قال السيسي إن المشروع «يعدّ برهاناً عملياً على أن شراكتنا لا تقتصر على التصريحات السياسية البراقة، بل تتجسد في مشروعات واقعية، تترجم إلى تنمية حقيقية، تعود بالنفع المباشر على شعبينا»، بينما أكد بوتين دعم بلاده «طموحات مصر التنموية في إطار الشراكة والتعاون الاستراتيجي الممتد بين البلدين». وقال: «هذه الشراكة مستمرة وتتجلى في ارتفاع حجم ومعدل التجارة بين البلدين، وتكثيف التعاون الصناعي، فضلاً عن مضي روسيا قدماً في إنشاء منطقة صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

ويشير تراجر، في هذا الإطار، إلى أن المشروع يعزز نفوذ موسكو في القاهرة، ما قد يثير قلق الولايات المتحدة نظراً لاهتمام واشنطن بالاستقرار الاقتصادي في مصر وبآفاق سياستها الخارجية.

وفي هذا الإطار، يرى مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، أن «مصر حريصة ومنفتحة على قوى وأقطاب أخرى دون المساس بالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة لديها علاقات تجارية واقتصادية وسياسية مع روسيا والصين».

وبالفعل أكد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن «هذا المشروع يربط مصر وروسيا بعلاقات في قطاع مهم للغاية ولسنوات طويلة مقبلة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المشروع يحقق أهدافاً اقتصادية وسياسية عدة تتراوح ما بين توفير الكهرباء وتنمية الكوادر الوطنية إلى تعزيز المكانة الإقليمية والدولية».

وهنا يلفت الشوبكي إلى أن «حرص مصر على امتلاك الطاقة النووية السلمية - إضافة إلى أهميتها الاقتصادية - نابع من رغبتها في تأكيد حضورها في الملفات الكبرى». وقال: «الدول التي تمتلك وتستخدم الطاقة النووية السلمية لديها مكانة وتأثير وحضور دولي».

وتؤكد مصر حقها في امتلاك الطاقة النووية بموجب «معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية» التي وقّعت عليها عام 1968 وصدّقت عليها عام 1981. وتعوّل القاهرة على القيمة الاستراتيجية لمشروع الضبعة، ووفق السيسي فإن «المشروع سيضع مصر في موقع ريادي، على خريطة الاستخدام السلمي للطاقة النووية».

«المحطة النووية»... عشر سنوات على طريق التنفيذ

طوال أكثر من نصف قرن سعت مصر إلى امتلاك محطة لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، لكن الأحداث السياسية والظروف الاقتصادية وكارثة مفاعل تشرنوبل عام 1986 وقفت في طريق «الحلم النووي» المصري لعقود، حتى أعيد إحياء المشروع بخطوات عملية لإنشاء محطة الضبعة النووية. وفيما يلي أبرز المحطات:

- 1955 أنشأت مصر هيئة الطاقة الذرية (AEA).

-1961 افتتاح مركز البحوث النووية في أنشاص وتشغيل أول مفاعل بحثي.

- 1964 اختيار موقع سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط لبناء أول محطة لتوليد الكهرباء النووية، (لم ينفذ).

- 1983 مناقصة دولية لإنشاء المحطة.

- 1986 كارثة تشيرنوبل... توقف المشروع.

- 2007 تشكيل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA).

- 2008 استئناف البرنامج النووي السلمي، وإعادة تفعيل دراسات موقع الضبعة.

- 2015 توقيع الاتفاق المبدئي مع روسيا (روساتوم).

- 2017 توقيع العقود النهائية للمشروع.

- 2018 بدء إعداد البنية التحتية للموقع وإنشاء الرصيف البحري التخصصي لاستقبال المعدات الثقيلة.

- 2022 أصدرت هيئة الرقابة النووية والإشعاعية (ENRRA) إذن إنشاء الوحدة النووية الأولى.

- 2024 تركيب مصيدة قلب المفاعل.

- 2025 تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى.


روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا

روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا
TT

روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا

روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا

تطلب الأمر شاباً مفعماً بالحياة ومليئاً بالأمل لهزيمة اليمين المتطرف في هولندا. فقد نجح روب يتن، السياسي الشاب الذي لم يدخل بعد عقده الأربعين، بإعادة حزب «الديمقراطيين 66» الليبرالي الوسطي الذي تأسس عام 1966، إلى واجهة الحياة السياسية في هولندا وقاده إلى تحقيق أفضل نتائج له منذ تأسيسه. ورغم أن الحزب لم يفز فعلياً بالانتخابات التي جرت نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بل تعادل مع حزب الحرية اليميني المتطرف بزعامة خيرت فيلدرز، فإن النتائج تعدّ فوزاً للديمقراطيين وخسارة لأقصى اليمين؛ وبتحقيق كلا الحزبين 26 مقعداً من أصل 150 داخل البرلمان، يكون الديمقراطيون قد ضاعفوا مقاعدهم بـ3 مرات تقريباً من 9 مقاعد في الانتخابات التي سبقت إلى 26 مقعداً، فيما خسر حزب الحرية 11 مقعداً وانخفض تمثيله من 37 نائباً إلى 26 نائباً. ورغم أنه ما زال غير واضح ما هي الأحزاب التي قد تشارك في الائتلاف الحاكم، فمن المؤكد أن حزب الحرية سيكون خارج الحكم. إذ تعهدت الأحزاب الأخرى بعدم العمل مع خيرت فيلدرز من جديد بعد تجربة الحكم الأخيرة التي لم تدم أكثر من 11 شهراً.

أثبت روب يتن (38 عاماً) أن هزيمة أحزاب أقصى اليمين ممكنة، ليعطي فوز حزبه في الانتخابات العامة في هولندا، أملاً للكثير من الأحزاب الأوروبية الوسطية التي تكافح هي نفسها للبقاء أمام مد اليمين المتطرف الذي يلف القارة العجوز. يتن نفسه هلل فور صدور النتائج بأن هولندا «أغلقت فصل خيرت فيلدرز»، متعهداً بالعمل على تشكيل «ائتلاف متين يقود هولندا إلى الأمام». وأضاف أن فوز حزبه أثبت أن «الأحزاب الوسطية أظهرت أنه من الممكن هزيمة الأحزاب الشعبوية وأقصى اليمين». وقاد يتن حملة انتخابية شعارها «التغيير والإيجابية» مستعيناً بشعار باراك أوباما «يمكننا التغيير»، في إشارة إلى استبدال حزب معتدل باليمين المتطرف. ولاقت إيجابيته صدى لدى الناخبين الهولنديين الذين يبدو أنهم تعبوا من السلبية التي طبعت الحياة السياسية منذ الانتخابات التي سبقت أن أوصلت حزب الحرية إلى الطليعة ولكن من دون فوز كاسح، ما يعني أن فيلدرز لم يكن قادراً على الحكم بمفرده، وعجز عن إقناع الأحزاب الأخرى التي شكلت معه الحكومة مشترطة ألا يترأسها هو شخصياً، باعتماد سياسته المتطرفة حول الهجرة، وهو ما تسبب في النهاية بانهيار الحكومة. ونقلت وسائل إعلام هولندية إحصاءات تشير إلى التأييد الواسع لتولي يتن رئاسة الحكومة بين مؤيدي الأحزاب اليمينية. ونقلت شبكة أخبار «آر تي إل» الهولندية عن أحد الناخبين قوله إنه «لا يوافق دائماً على سياسات الديمقراطيين ولكن روب يتن رجل (عادي) يمكنه أن يؤدي وظيفة تمثيل البلاد بشكل جيد». وقال عن فيلدرز إنه لو تولى رئاسة الحكومة فإن الأمور «لن تنجح معه وإنه سيريد على الأرجح أن يمرر سياسته، وفي حال لم ينجح بذلك فسينسحب مرة جديدة».

اغتيال مخرج... وإحراق مدرسة إسلامية

ويأتي فوز يتن على اليمين المتطرف وصعوده السريع وهو ما زال في عقده الثلاثين، متناغمين مع دخوله عالم السياسة في سن فتيّة أيضاً وهو في الـ17 من العمر. بداية قصته في السياسة كانت مرتبطة أيضاً باليمين المتطرف؛ ففي عام 2004 شكل اغتيال المخرج السينمائي تيو فان غوخ على يد متطرف هولندي من أصل مغربي، لحظة مفصلية تسببت بتداعيات دفعت بيتن إلى دخول عالم السياسة. وكان إحراق مجموعة من الشبان المنتمين إلى اليمين المتطرف لمدرسة ابتدائية تعلّم الدين الإسلامي في بلدته في أودن، سبب توجهه إلى النضال ضد اليمين المتطرف. وقال مؤخراً عن بداياته إن الشبان الذين أحرقوا المدرسة كانوا من رفاقه في فريق كرة القدم وكان يعرفهم جيداً، ولكنه أراد أن يُظهر صورة مختلفة للعالم وأن بلدته ليست مجرد مكان مليء بشبان «لا يعرفون ماذا يفعلون».وبقي كفاح يتن ضد اليمين المتطرف أساسياً خلال مسيرته السياسية. وحتى في الحملة الانتخابية التي قادها، اعتمد يتن استراتيجيات تستهدف اليمين المتطرف، مثل جعله العلم الهولندي محورياً خلال الحملة، وقوله إنه يريد «استعادته» من اليمين المتطرف الذي غالباً ما يستخدم العلم. ولم يتردد كذلك بجعل مسألة الهجرة التي أوصلت فيلدرز للفوز في الانتخابات التي سبقت، محورية خلال حملته. ورغم ليبراليته، وارتباطه بلاعب هوكي محترف أرجنتيني سيعقد قرانه عليه العام المقبل، فقد أكد للناخبين أنه سيعتمد سياسة هجرة متشددة تجاه المرفوضة طلباتهم وسيعتمد حداً أقصى لأعداد المهاجرين. ويبدو أن تعهداته هذه لاقت تجاوباً من الناخبين، إذ أكد لاحقاً متحدث باسم حزبه أن 7 في المائة من ناخبي حزب الحرية صوتوا هذه المرة للديمقراطيين.

وحتى قبل الانتخابات وبدء الحملات الانتخابية، كان يتن يدعو لاعتماد سياسة هجرة جديدة في هولندا والخروج من عباءة الاتحاد الأوروبي. وروّج لاعتماد نظام مبني على النظام الكندي ينقل البحث والبت بطلبات اللجوء إلى خارج دول الاتحاد الأوروبي ورفض استقبال من يصلون خارج هذا النظام إلى هولندا.

تشديد قوانين الهجرة

ودعا كذلك إلى مراجعة المعاهدات الدولية الخاصة باللاجئين «لكي تعكس الواقع الجديد» في خلاف للسياسة التي كان يعتمدها الديمقراطيون. ونقلت عنه وسائل إعلام هولندية قوله إن «قانون الهجرة المعتمد حالياً لم يعد صالحاً، علينا أن ننتقل من هجرة تتحكم بنا، إلى هجرة نحن نتحكم بها، ليس فقط بسبب مواطنين هولنديين قلقين من الأعداد الوافدة ولكن أيضاً للأشخاص الذين يهربون من العنف والملاحقة». وبحسب خطة يتن، فإن هولندا لن تقبل إدخال لاجئين إلا أولئك الذين يتقدمون للحصول على لجوء من خارج الاتحاد الأوروبي ويتم قبولهم. ويعدّ أن نظاماً كهذا سيساعد على وقف طرق التهريب الخطيرة وينقذ أرواحاً.وحالياً، يتم إدخال بعض اللاجئين إلى أوروبا عبر نظام شبيه تعتمده الأمم المتحدة لتوزيع اللاجئين ولكن أعداد هؤلاء قليلة جداً مقارنة بالذين يدخلون بشكل غير قانوني ويتقدمون بطلبات لجوء. ويريد يتن توسيع هذا النظام بشكل كبير لكي يصبح الطريقة الأساسية لاستقبال اللاجئين في هولندا. ولكنه يعي أن هذه الخطط تستغرق وقتاً طويلاً. وحتى ذلك الحين، وفي المرحلة القصيرة المدى يطالب بقوانين أشد لطالبي اللجوء الذين يعدّون عبئاً، خاصة أولئك القادمين من دول مصنفة «آمنة» أي لا خوف من ملاحقات بحق القادمين منها الذين لا يتمتعون أصلاً بحظوظ كبيرة في الحصول على لجوء. ومن أقواله عن هؤلاء إن «الذين يأتون ويتسببون بمشاكل ولا يتوجب عليهم أن يكونوا هنا، يجب أن يتم إرسالهم إلى ملاجئ مغلقة، ويفهموا أنهم يدخلون بلداً بقيم ليبرالية، وإذا كانوا لا يحترمونها فسيخسرون بعض الحقوق».

في المقابل يروّج يتن لاندماج أفضل لطالبي اللجوء الناجحين ويدعو إلى إدخالهم في صفوف تعلّم اللغة «منذ اليوم الأول» ومساعدتهم في العثور على وظيفة «بأسرع وقت ممكن». وقبل الانتخابات ومنذ ترأسه حزبه عام 2023، حذّر بأن إبقاء الأشخاص على نظام الإعانات من دون دمجهم في المجتمع وسوق العمل «مؤذ لهم وللمجتمع بشكل عام، ويغذي الإحباط لدى الهولنديين». ويعدّ يتن أن على الأحزاب الوسطية أن «تقود الخطاب السياسي عوضاً عن أن تترك ذلك للأحزاب اليمينية المتطرفة».

حل أزمة السكن... بناء جزيرة جديدة

سياسة الهجرة هذه التي يروج لها يتن منذ ترأسه حزبه، قد تكون أكسبته أصواتاً من اليمين واليمين المتطرف، ولكن الأصوات الأخرى التي نجح بإضافتها لحزبه جذبها من خلال خطاب أوسع يتناول مخاوف الناخبين بشكل مباشر من قضايا تتعلق بالسكن التي كانت أيضاً من القضايا الأساسية في الانتخابات الهولندية. فهولندا، مثل الكثير من الدول الأوروبية، تعاني من نقص 400 ألف وحدة سكنية ما يؤدي إلى رفع دائم في أسعار العقارات والسكن ما يزيد من العبء على السكان. ورغم أن كل الأحزاب التي خاضت الانتخابات جعلت من مسألة البناء أساسية في معركتها، فإن طروحات الديمقراطيين كانت الأكثر ثورية. وفيما كانت الأحزاب الأخرى تقترح إغلاق مطارات للبناء على أراضيها، أو توسيع مجمعات موجودة أصلاً، اقترح يتن بناء جزيرة جديدة على أرض مغطاة حالياً بالمياه، في بلد ربعه يقبع تحت مستوى البحر. وتعهد ببناء مدن جديدة تضم 60 ألف وحدة سكنية مع مساحات خضراء ومياه وأماكن ترفيه.

ما إذا كان سينجح بتحقيق أي من طروحاته تلك، إن كانت المتعلقة بالهجرة أو تلك المتعلقة بالسكن، غير واضح ومرتبط بالائتلاف الذي سينجح بتشكيله في النهاية والخطط التي يتفق عليها مع الأحزاب الأخرى. ولكن على الأقل هي خطط طموحة لاقت صدى لدى الناخبين وأوصلت من قد يصبح أصغر رئيس حكومة في هولندا إلى رأس السلطة. والواقع أن صعوده السريع وهو في سن يافعة، دفع البعض للتشكيك بقدراته أحياناً.

أما سياسته الأخرى، فهي مناقضة تقريباً لسياسات فيلدرز واليمين المتطرف في هولندا المشكك في الاتحاد الأوروبي وفي التأييد الأوروبي لأوكرانيا ومعاداة روسيا. ويعدّ يتن مؤيداً للاتحاد الأوروبي ولدعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا. وعندما كان وزيراً للطاقة في حكومة مارك روته التي سبقت حكومة فيلدرز، دفع يتن بسياسة طاقة لا تعتمد على الغاز الروسي. وقد خدم في حكومة روته الرابعة وزيراً للمناخ والطاقة بين عامي 2022 و2024. ودخل يتن البرلمان الهولندي للمرة الأولى عام 2017 وكان متحدثاً باسم كتلته عن المناخ والطاقة. وفي عام 2018 انتخب زعيماً للكتلة النيابية للديمقراطيين ليصبح أصغر زعيم للكتلة في تاريخ الحزب. وفي عام 2020 انتخب حزبه الدبلوماسية المخضرمة سيغريد كاخ لزعامته في معركة لم يترشح فيها يتن. ولكنه لم ينتظر كثيراً، إذ وجد فرصة سانحة بعد استقالة كاخ في صيف عام 2023 وانتخب لزعامة الحزب.

اقرأ أيضاً


هولندا... حكومات ائتلافية منذ الحرب العالمية الثانية

Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY
Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY
TT

هولندا... حكومات ائتلافية منذ الحرب العالمية الثانية

Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY
Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY

> منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحكم هولندا حكومات ائتلافية مكونة من حزبين أو أكثر في أحيان كثيرة، بسبب القانون الانتخابي المعتمد الذي يجعل من المستحيل على حزب واحد أن يفوز بالأغلبية. وطغى مارك روته وحزبه حزب «الشعب للحرية والديمقراطية» المحافظ الليبرالي، على الحياة السياسية في السنوات الـ14 الأخيرة تقريباً. فهو ترأس 4 حكومات متتالية بين العامين 2010 و2024، ضم معظمها أكثر من حزبين، حتى استقالته عام 2023 وانتقاله ليصبح أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو). وحظيت حكومته الأولى التي كانت حكومة أقلية وشكَّلها مع حزب «نداء الديمقراطية المسيحي»، بدعم من حزب «الحرية» اليميني المتطرف من دون أن يشارك الأخير في الحكومة.

ولكن الحكومة لم تدم أكثر من عامين بعد خلافات مع خيرت فيلدرز الذي سحب دعمه لها، مما أدى إلى سقوطها. وشكَّل روته حكومته الثانية التي ضمت 4 أحزاب بينها حزب «العمال»، مما سمح لها بأن تحكم طوال فترة ولايتها لخمس سنوات، وكانت الأكثر استقراراً في تاريخ هولندا الحديث. وشكَّل روته حكومته الرابعة عام 2017 لتحكم لمدة 3 سنوات، وضمت 4 أحزاب ولكنها سقطت مبكراً بعد تداعيات أزمة كورونا. وكانت الحكومة الأخيرة التي شكَّلها روته من 4 أحزاب عام 2022، الأقصر عمراً، واستغرق تشكيلها وقتاً قياسياً وصل إلى 299 يوماً، ولكنها انهارت سريعاً بعد خلافات حول الهجرة، ولم تحكم فعلياً أكثر من عام ونصف، ولكنها بقيت حكومة تصريف أعمال لنصف عام إضافي.

وفي عام 2024، حقق حزب الحرية اليميني المتطرف بزعامة فيلدرز فوزاً تاريخياً، ولكن فيلدرز نفسه لم يصبح رئيس حكومة بسبب اشتراط الأحزاب الأخرى التي وافقت على دخول الائتلاف الحكومي معه، على تعيين شخصية أخرى. وتوافقت الأحزاب في النهاية على ديك شوف لرئاسة الحكومة التي ضمت 4 أحزاب من بينها حزب «الحرية» الذي خاض تجربته الأولى في الحكم، ولكنه سرعان من انسحب من الحكومة في صيف العام الجاري بعد خلافات مع الأحزاب الأخرى حول سياسات هجرة متشددة ومخالفة للقانون أراد تطبيقها.