تيلدا سوينتون: أحب المهام الصعبة وأتحمل التحديات التي أواجهها

نجمة هوليوود تحدثت لـ حول فيلمها الجديد وحبها لدور الصحافية

تيلدا سوينتون - بدت جديدة في «حطام»
تيلدا سوينتون - بدت جديدة في «حطام»
TT

تيلدا سوينتون: أحب المهام الصعبة وأتحمل التحديات التي أواجهها

تيلدا سوينتون - بدت جديدة في «حطام»
تيلدا سوينتون - بدت جديدة في «حطام»

وُلدت في لندن بتاريخ 5 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1960. والدها كان ضابطًا وأمها أسترالية والأصول اسكوتلندية وآيرلندية وإنجليزية، لكنها تنفي أن تكون شخصيتها الصارمة في الكثير من الأفلام التي مثلتها لها علاقة بكون والدها ضابطًا عسكريًا. كانت ذكرت في لقاء صحافي عام قبل عامين أنها ليست نسخة عن أبيها بأي حال.
أحبت التمثيل من شبابها. أمت المسرح في الكلية أولاً ثم توجهت إلى «شركة شكسبير المسرحية» وبرعت في الأداء المسرحي في الوقت الذي كانت تعايش فيه الرغبة في التمثيل على الشاشة. لم تبحث عن منفذ تقليدي، بل التحقت بمجموعة الفنانين المحيطين بالمخرج الراحل ديريك جارمن سنة 1986 ولازمته العمل لبضع سنوات قبل أن تجد نفسها مطلوبة من مخرجين آخرين يشكلون قاعدة السينما المختلفة في بريطانيا. وبقيت حتى نهاية التسعينات وهي تؤدي أدوارًا تمر من تحت الجسر غالبًا من دون احتفاء أو شهرة.
في عام 2000، قام المخرج البريطاني داني بويل باختيارها لدور رئيسي في «الساحل» (أمام ليوناردو ديكابريو)، وبذلك منحها النقلة المطلوبة من سينما «الأندرغراوند» والبديلة إلى السينما السائدة. لم تقفز على الفرصة لأجل أن تودّع الأدوار الخاصة، بل وجدت طريقها لعكس شخصيتها السينمائية ونيل ثقة مخرجين مؤسسين على نطاق واسع، ضمن ما يرضي طموحاتها، مثل كاميرون كراو وجيم يارموش وبيلا تار وديفيد فينشر ووس أندرسون.
حاليًا نراها في «مرحى قيصر» للأخوين ناتان وجووَل كووَن. ليس دورًا طويلاً لكن الفيلم كله مقام على بطولات مشتركة. مشاهدها القليلة من تلك التي تبقى في البال بعد العرض لفترة طويلة.
* عالم الصحافة
* تنظر إليك هوليوود بإعجاب ملحوظ؛ أنتِ فنانة معروفة وممثلة جيّدة، ولديك أداء يتميّز عن ممثلات السينما عمومًا. كيف تفسرين كل ذلك؟
- هذه عدة أسئلة في سؤال واحد. كوني فنانة معروفة لا يعني بالضرورة أنني ممثلة جيدة، وهذه لا علاقة لها عندي بشهرة الممثل. أشكرك أنك ترى أدائي متميّزًا لكن بالنسبة لي هو ما أجيد تقديمه. لا أستطيع تفسير ذلك بكلمات صحيحة، لأن ما أقوم به هو وضع ما أشعر به على الشاشة. أرتدي ما أريد وأتصرّف تبعًا لمقاييس محددة في حياتي، وأعتقد أن تمثيلي يجذب إليه المخرجين الطامحين إلى العمل مع ممثلة لديها مثل هذه القرارات الخاصة، والأداء الذي تعتبره متميّزًا.
* الأخوان كووَن هما آخر المخرجين المختلفين عن السائد الذين استعانوا بك. كيف وجدتهما أثناء العمل؟
- أعتقد أنني محظوظة كثيرًا هذه الأيام لأنني أتسلم عروضًا من مخرجين أريد العمل معهم. إنها أشبه بعملية ملء فراغ ما. هناك مخرج جيد أريد أن أمثل في فيلم له، فإذا به يرسل نيته بأن أعمل معه. هذا ما حدث مع الأخوين كووَن.
* لا يعني لك حجم الدور الكثير؟
- إذا كان الفيلم من إخراج أحد هؤلاء المخرجين الذي أتمنى العمل معهم لا. دوري هنا مزدوج؛ صحافيتان توأمان واحدة تكتب عمودًا من الأخبار والفضائح، والثانية تكتب ما تريد له أن يكون مختلفًا وأكثر جدية.
* لكنهما تتصرفان على النحو نفسه.
- صحيح. كلاهما يريد استثمار الفرصة المتاحة لإرضاء القراء أو هكذا يقولان.
* هذه هي المرّة الثانية على التوالي تؤدين فيها دور صحافية بعد «حطام» (Trainwreck) كيف تجدين عالم الصحافة عمومًا.
- إحدى الأفكار التي راودتني مبكرًا في حياتي هي أن أكون صحافية. ربما لأن نظرتي إلى الصحافة. إنها عالم من التحديات، وأنا أحب التحديات والمسؤوليات الصعبة التي أواجهها. أحب أن أجد نفسي مطالبة بتسديد مهمّة صعبة وأن أنجح في تسديدها. طبعًا، أنظر الآن إلى الأمس، وأشعر أنني أحسنت الاختيار عندما توجهت للتمثيل، ولم أتوجه للصحافة أو لأي مهنة أخرى. إنها مهنة صعبة ومتواصلة. الممثل على الأقل يستطيع أن يرتاح بين فيلم وآخر، وعنده متعة تقمص شخصية أخرى، لكن الصحافي ينجز تحقيقًا وهو يفكر بآخر ثم يقبل على تحقيق ثالث.
* المخرج يأتي أولاً
* طبعًا أنت في «مرحى.. قيصر» صاحبة عمود لكنك رئيسة تحرير في «حطام» وحجم الدور هناك أكبر من حجمه هنا.
- حجم الدور لا يهم. إذا أردت تمثيل الشخصية التي تريد عليك أن تنسى ما طول المشاهد التي تظهر بها.
* المظهر يختلف بين الدورين، وأنا هنا اعتبر دوريك في «مرحى.. قيصر» واحدًا. في «حطام» تظهرين على نحو جديد تمامًا. تصفيفة الشعر، الملابس، الشخصية..
- سعيدة لأنك تقول ذلك. الواقع هو أنني لم أبنِ هذه الشخصية على نموذج معين. لم أختر رئيسة تحرير وأدرسها أو أبحث في صفاتها. كل ما شاهدته هناك هو من منبع خيالي الخاص. لذلك أنا سعيدة بذلك الدور. بلورت الشخصية من الصفر، بما في ذلك موقفها حيال العاملين معها. حدّتها ومفهومها للعمل الأسبوعي. حرصت طبعًا على أن لا تكون شخصية نمطية. أنا ما زلتُ أنا، رغم دوري وتصفيف شعري وكل ما أحتاج إليه الدور من متطلبات.
* كيف تحضرين للدور المقبل؟
- بالنسبة لي، فإن التحضير هو مثل قراءة أي مشروع قبل الاجتماع الأول. شخصيًا أعتبر أن المسألة هي مسألة المحيط الذي سأعمل فيه. المخرج يختلف من فيلم لآخر، كذلك القصّة والدور والممثلون المحيطون. لكن كيف اقترب من المشروع فنيًا يبقى هو نفسه.
* هذا مثير للاهتمام. معظم الممثلين لديهم إجابات مختلفة عن هذا السؤال.
- هذا طبيعي. لكن هذا شأنهم، وهناك الكثير من الممثلين الجيّدين، ولا ريب أن هذا مرجعه مواهبهم التعبيرية، والطريقة التي يلجون فيها إلى الأدوار المختلفة، ولو أن كل واحد لديه تلك الطريقة الخاصة في نهاية الأمر. بالنسبة لي هي مسألة اندماج الخاص الذي هو أنا بالعام الذي هو الدور الذي سينتقل إلى الجمهور. أريدهما واحدًا. أو لأقل إنني لا أكترث لأن يختلفا كثيرًا.
* ماذا لو أن المخرج طلب منك أداء لا يهمك تنفيذه؟
- لا يفعلون ذلك معي. أولاً أهم شيء عندي هو المخرج. أختاره بعناية كما اختارني بعناية، هو يأتي في أول الشروط. السيناريو لا يأتي أولاً.
- أفضل المخرج الذي لديه رؤية عميقة وأسلوب منفرد. أريد ذلك في الأفلام التي أمثّلها. أحيانًا لا يتحقق ذلك مع مخرجين جيدين يعملون ضمن سيادة النمط الهوليوودي، لكني أجد في الخارجين على ذلك النمط كل ما يمثلني. دائمًا كنت أحب المختلف، وليس السائد، ولو أن ذلك لا يعني أنني مختلفة عن أي أحد آخر. في الواقع لا تعنيني الهوية الذاتية. أعتقد أننا جميعًا يشبه بعضنا بعضًا. لكني قصدت الإجابة عن السؤال: لماذا أندرسون أو (جيم) يارموش أو آخرين. لأن لديهم ما هو مختلف عن الأفلام الأخرى.
* دورك في «العشاق فقط بقوا أحياء» لجيم يارموش انتمى فعليًا لهذا الاختلاف. لعبت هناك دور مصاصة الدماء، علما بأن الفيلم ليس للرعب.
- جيم كان جديدًا في هذا الجانب. أليس كذلك؟
* هل تعتبرين الحياة الأبدية، ولو نظريًا نعمة؟
- هذا سؤال صعب، لأنني أعتقد أن الأبدية ليست مرتبطة بالجسد ذاته. الجسد يزول لكن الميّت يعيش في البال وفي القلب. لذلك هو لا يموت. نسمي ذلك ذكرى لكنه في الواقع أكثر من ذكرى.. هو استمرار حياة على صعيد آخر. لكن أريد أن أذكر ملاحظتك بأن الفيلم ليس للرعب. هو بالفعل ليس فيلم رعب. لا أعتقد أنني سأمثل في فيلم من ذلك النوع، لكنه يبحث في الفكرة ذاتها وما تعنيه ومن تعب الحياة الطويلة. هذا المشروع كان في بال يارموش منذ ثماني سنوات قبل أن يحققه قبل عامين. أحب هذا الإيمان بالشيء.
* فاتحك به عندما مثلت دورك الأول معه في «زهور مكسورة»؟
- صحيح. حينها أخبرني برغبته في صنع هذا الفيلم، ومنذ ذلك الوقت بقينا على تواصل إلى أن انتقل إلى التنفيذ. هو مشروع - حلم.
* أعود إلى فيلمك الحالي. هل قيامك بالدور كان تنفيذا لرغبتك بالعمل مع الأخوين كووَن فقط؟ تقولين أن السيناريو يأتي ثانيًا..
- كان بالفعل نتيجة رغبتي بالعمل معهما. والسيناريو عندي ليس السبب الأول في الموافقة على تمثيل فيلم بالنسبة لي، كما ذكرت. لكني كنت سعيدة عندما طلب مني جووَل (كووَن) قراءة دوري في فيلمه الجديد. لم يكن لديّ الكثير مما أعلق عليه. كل رغبتي كانت أن أقول: نعم، لأني أعرف مقدارهما في السينما.
* هل كان هناك مشروع سابق لهما رغبا منك القيام به ولكنك اعتذرت لانشغالك كما قرأت ذات مرّة؟
- لا. لم يحدث بيننا أي عرض من هذا النوع. كنت أعرفهما وكانا يعرفانني بطبيعة أننا جميعًا ندور في حلقة مهنة واحدة.
* بالمناسبة، أحد أفلامك الجديدة هو أيضًا عن امرأة تعيش إلى الأبد.. أعتقد أن هذا هو دورك في «دكتور سترانج». صحيح؟
- نعم. اسمي هو «العتيقة». لكني لست مصاصة دماء ولست عتيقة بمعنى أن عمري مئات السنين.
* هل هو فيلم فانتازي.
- نعم. مأخوذ عن كتاب لستيف ديتكو. هل قرأت له؟ بدأت قراءته منذ فترة قريبة. لديه أفكار مثيرة فعلاً.
* كذلك تقومين بإخراج «موسم السفرجل: أربع صور لجون بيرغر». هل هذا تمهيد لمزيد من الأفلام التي تنوين إخراجها؟
- لا أدري إذا كنت أريد التحوّل إلى مخرجة. هذه مرحلة ناتجة عن رغبتي في تقديم عمل واحد هو هذا الفيلم وهذه الشخصية. وهو فيلم تسجيلي. مشروع خاص عن ناقد فني وروائي بريطاني نال جائزة بوكر سنة 1972. اهتمامي به يعود إلى مكانته كناقد فني ومنظِّر، لذلك لن يكون الفيلم حركة بأي اتجاه صوب الإخراج بعد ذلك. هذا لا أستطيع اليوم أن أطلبه لنفسي أو أقرره.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».