كايلو: الأسهم السعودية قادرة على جذب 30 مليار دولار استثمارات أجنبية

رئيس «مورغان ستانلي» التنفيذي أكد في حواره مع أن الاقتصاد السعودي سيستمر قويًا

سامي كايلو الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - المقر الرئيسي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
سامي كايلو الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - المقر الرئيسي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
TT

كايلو: الأسهم السعودية قادرة على جذب 30 مليار دولار استثمارات أجنبية

سامي كايلو الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - المقر الرئيسي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
سامي كايلو الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - المقر الرئيسي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)

أكد سامي كايلو، الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن سوق الأسهم السعودية مرشحة لجذب سيولة أجنبية تقدر قيمتها بما يصل إلى 30 مليار دولار، في حال إدراج السوق في مؤشر الأسواق الناشئة.
وأكد كايلو خلال حديثه أن الاقتصاد السعودي يمتاز بالقوة، والسرعة في النمو، مشيدًا في الوقت ذاته بالتحركات الإيجابية في ما يتعلق بزيادة فاعلية القطاع الخاص، من حيث خصخصة المطارات، والرعاية الصحية، والموانئ.. وغيرها من القطاعات الحيوية، مضيفًا أن «الطرح المرتقب لجزء من (أرامكو السعودية) للاكتتاب العام يحظى باهتمام كبير من قبل المستثمرين، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل وعلى المستوى العالمي أيضًا».
وأشار الرئيس التنفيذي الإقليمي لبنك الاستثمار «مورغان ستانلي»، إلى أن السعودية تتمتع بأسس سوق متينة على المدى البعيد، تحميها من تقلبات أسعار النفط، وقال: «لا شك في أن تراجع أسعار النفط والظروف الاقتصادية الراهنة تشكل تحديًا للسعودية، ولكننا على ثقة بقدرة المملكة على النجاح في مواجهة تلك التحديات».
وأوضح كايلو أنهم في «مورغان ستانلي» حريصون على توفير تدريب بمعايير عالمية للشباب السعودي، مشيرًا إلى أنهم خلال السنوات الماضية قاموا بإرسال كثير من الشباب السعودي إلى لندن ونيويورك، لإخضاعهم لبرامج تدريب متخصصة في أسواق المال، وإدارة الاستثمارات، والاستثمار المصرفي. وإلى نص الحوار:

* في بداية الحوار.. حدثنا عن حضور «مورغان ستانلي» في السعودية، ما الاستراتيجية التي تعتمدونها في السوق السعودية، وما الآليات التي تركزون عليها لتطوير هذه الاستراتيجية؟
- تعود بدايات «مورغان ستانلي» في منطقة الشرق الأوسط إلى سبعينات القرن الماضي، إلا أنه تم تأسيس «مورغان ستانلي - السعودية» عام 2007، والآن ننشط في عدد من المجالات، مثل إدارة الأصول، وتداول الأسهم، والاستثمارات المصرفية، سواء من خلال طرح أسهم الشركات للاكتتاب العام، أو الاندماج والاستحواذ. ونعمل مع القطاعين العام والخاص، ويستفيد مكتبنا في السعودية من وجودنا في أبرز أسواق المال العالمية. والاستراتيجية المعتمدة تركز على الابتكار والوفاء باحتياجات العملاء، ونحن ملتزمون بأسواق المنطقة، وننظر باهتمام إلى التطورات التي تشهدها السوق السعودية بصفة عامة.
* برأيكم كيف استجابت الأوساط المالية العالمية لانفتاح سوق المال السعودية أمام المستثمرين الأجانب.. هل تتماشى هذه الاستجابة مع توقعاتكم، وما استعداداتكم للتعامل مع هذه التطورات؟
- نعتقد أن هذا الانفتاح تطور إيجابي للغاية، وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبًا كبيرًا بين الأوساط المالية العالمية، حيث لمسنا اهتماما لافتًا من قبل المستثمرين الدوليين المهتمين باستكشاف الفرص المتاحة في السوق السعودية وتعزيز انكشافها على السوق خلال السنوات المقبلة.
وكما هي الحال في أي سوق تتطلع للانفتاح أمام مستثمرين من الخارج، يمكن أن تستغرق هذه العملية بعض الوقت لكي تتبلور وتحصل على النمو الطبيعي، وحدوث هذه العملية بشكل تدريجي هو، في واقع الأمر، صحي ومطلوب، حيث يتعين على المستثمرين الدوليين فهم السوق والمقومات والأسس التي تميزها، إضافة بالطبع إلى المسائل المتعلقة بالأمور التنظيمية والتسويات. ونأمل أن نكون قادرين على مساعدة هؤلاء المستثمرين في إيجاد طريقهم إلى السوق السعودية. وبالنظر إلى حجم وعمق وسيولة السوق السعودية، فإننا نتوقع أن يزداد اهتمام الشركات الاستثمارين العالمية بشكل مطرد خلال السنوات القليلة المقبلة.
وبالإجابة عن الشق الثاني من السؤال، كان «مورغان ستانلي - السعودية» أول بنك استثماري ينفذ بنجاح صفقات «مبادلة» نيابة عن مستثمرين أجانب غير مقيمين، ليتيح الفرصة أمام عملاء مؤهلين خارج المملكة للانكشاف على الشركات المدرجة في «تداول»، وكان ذلك في أغسطس (آب) 2008. وفي يونيو (حزيران) 2009، أطلقنا «صندوق مورغان ستانلي للأسهم السعودية» بهدف توفير الفرصة للاستثمار في الأوراق المالية المدرجة في «تداول».
واليوم لدينا سجل حافل في السوق المحلية وحضور قوي على الأرض يجعلنا في موقع مثالي لمساعدة العملاء على الوصول إلى سوق الأسهم السعودية، فمنذ سنوات ونحن نتمتع بالبنية التحتية اللازمة لتقديم أفضل خدمات للعملاء الدوليين والمحليين وتسهيل الوصول إلى هذه السوق المتنامية، ونشعر بالحماس والتفاؤل حول ما يخبئه المستقبل.
* كيف تنظرون إلى إمكانية طرح جزء من «أرامكو السعودية» للاكتتاب العام.. برأيك هل سيفتح هذا الأمر الباب أمام إدراج أسهم شركات مماثلة في الفترة المقبلة؟
- لا شك في أن الطرح المرتقب لجزء من «أرامكو السعودية» للاكتتاب العام يحظى باهتمام كبير من قبل المستثمرين، ليس على المستوى الإقليمي فحسب؛ بل وعلى المستوى العالمي أيضا، مثل هذا الأمر سيكون علامة فارقة قد تحفّز الشركات السعودية الأخرى على طرح أسهمها هي الأخرى للتداول، سواء في الأسواق المحلية أو العالمية، نرحّب بمثل هذه التطورات، ونعتقد أنها ستضيف بُعدًا جديدًا إلى جاذبية واهتمام المستثمرين وعمق السوق السعودية. كما نرى أيضًا أنها تشجع الشركات الأخرى على اعتماد أفضل ممارسات الحوكمة وإدارة علاقات المستثمرين، مما يؤدي إلى خلق سوق أكثر كفاءة وشفافية، كما نتوقع ارتفاع وتيرة طرح الأصول للاكتتاب بعد تطبيق برنامج التحول الوطني.
* هل تعتقد أننا سنشهد نموا في مجال الاستثمار المصرفي، والاندماجات والاستحواذات في السوق السعودية والخليجية خلال عام 2016، وما القطاعات المرشحة؟
- ما زال هناك اهتمام كبير من الشركات العالمية للاستثمار في المنطقة، ففي العام الماضي عمل «مورغان ستانلي» مستشارا ماليا لشركة «ميديكلينيك إنترناشيونال»، شركة الرعاية الصحية الجنوب أفريقية المدرجة، التي تبلغ قيمتها السوقية 8 مليارات دولار، أثناء اندماجها مع «مستشفيات النور» الإماراتية. كما نتوقع أن نشهد اهتماما من الشركات الإقليمية بتعزيز النمو عبر الاستحواذ في أسواق خارجية. وفي السوق السعودية، نتوقع أن نشهد نموًا في أنشطة الاستثمارات المصرفية في أسواق المال والاندماج والاستحواذ عقب الكشف عن برنامج التحول الوطني، خصوصا مع توجه الحكومة السعودية لتنويع مصادر الاقتصاد بعيدًا عن النفط، ونعتقد أن تشمل القطاعات الرئيسية، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية، والتعدين، والنفط، والبتروكيماويات.
* باتت الخصخصة من أبرز المستجدات الاقتصادية التي تعمل عليها السعودية، هل تعتقد أن لدى البنوك الاستثمارية العالمية دورا تلعبه في هذا المجال؟
- يعكف كثير من الحكومات الخليجية على إعادة النظر في اقتصاداتها وأسواقها، نظرًا لحالة عدم الاستقرار في مقومات الاقتصاد العالمي والتحديات التي رافقتها، ونعتقد أن يسهم هذا التوجه في زيادة وتيرة الخصخصة وتحويل عدد من الأصول الحكومية إلى القطاع الخاص في مجالات متعددة؛ تشمل النفط والغاز والاتصالات وشركات الطيران والنقل والبنية التحتية والرعاية الصحية والمرافق العامة.
وبمقدور برامج الخصخصة، في حال تم اختيارها وإدارتها بعناية، أن تحقق عددا من المزايا الحقيقية؛ سواء للحكومات أو الجهات الأخرى المعنية، كالجمهور والمستهلكين والمستثمرين والمزودين، فهناك دومًا اهتمام كبير من قبل المستثمرين بالانكشاف على جهات حكومية تُدار بشكل جيد وتسعى لتكون مملوكة لجهات خاصة أو مدرجة في أسواق المال.
ولدى قطاعنا دور هام في تقديم المشورة لهذه الحكومات حول أفضل الأساليب المعتمدة في تنفيذ برامج الخصخصة، وضمان أن تحصل تلك الحكومات على أفضل العوائد عقب تحويل الأصول أو الشركات إلى الملكية العامة أو الخاصة، ويمكننا أن نقدم خبرتنا الطويلة التي امتدت لعقود لمساعدة الحكومات على القيام بالخصخصة على النحو الأمثل، بما في ذلك الاستشارات المتعلقة بالتحضيرات المؤسسية وإعادة الهيكلة والحوكمة وعلاقات المستثمرين، وأي طرح أولي للاكتتاب، أو برامج للتمويل، أو متابعة الأمور الفنية في المؤسسة.
* لديكم «صندوق مورغان ستانلي للأسهم السعودية» الذي بدأ نشاطه عام 2009، كيف تقيمون أداء هذا الصندوق الاستثماري؟
- ما زال «صندوق مورغان ستانلي للأسهم السعودية» يتصدر أفضل الأوراق المالية أداء في الفضاء التقليدي للأسهم المدرجة في «تداول»، كما أنه من بين أفضل الصناديق الاستثمارية أداء، ومنحته مجلة «MENA Find Manager» المتخصصة لقب «أفضل صندوق للاستثمار في الأسهم السعودية» نظرًا لأدائه المتميز على مدار 3 سنوات.
ويرى الفريق المسؤول عن الصندوق، الذي يتخذ من الرياض مقرًا له، أن الاستراتيجية الاستثمارية التي تقوم على أساسيات السوق وتركز على أسهم معيّنة، يمكن أن تنجح في خلق قيمة مضافة للمستثمرين. ويحرص فريق العمل على الاستثمار في شركات سعودية تعد جذابة على أساس التقييم والنظرة المستقبلية للقطاع والاستراتيجية المعتمدة.
* كيف ترون مستقبل تطور قطاع إدارة الأصول في السوق السعودية؟
- بوصفها أكبر دولة خليجية من حيث الموارد المالية والتعداد السكاني، تتمتع السعودية بأسس سوق متينة على المدى البعيد. وعلى الرغم من التقلبات الأخيرة التي أحدثها الانخفاض في أسعار النفط، فإننا نعتقد أن هناك محفزات لنمو قوي ومستدام مدفوعًا بزيادة مستويات الدخل لدى الطبقة الوسطى المتنامية، والإصلاحات الهيكلية، ووجود فرص لنمو السوق الاستهلاكية في البلاد.
برأينا، لا يزال قطاع إدارة الاستثمار بالسعودية في مراحل مبكرة من التطور، إلا أن هذا القطاع يشهد نموًا متسارعا، وباعتقادنا أن هناك ثلاثة توجهات من شأنها أن تعزز النمو في المملكة على المدييْن المتوسط والبعيد، وهي: أولاً: لا يزال قطاع إدارة الأصول في السعودية يحقق تحسنًا ملموسًا بالتوازي مع تحسين القوانين واللوائح التنظيمية، ومن شأن هذا الأمر أن يعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين ويساعد على استقطابهم للاستثمار لدى مديري الأصول المحليين، وهناك كثير من المبادرات التي تسهم في إضفاء الطابع المؤسسي على السوق، وجذب المستثمرين للتعامل مع الجهات المتخصصة بإدارة الاستثمارات بدلاً من التداول في سوق المال لتحقيق مكاسب على المدى القصير.
ثانيًا: قطاع صناديق الاستثمار المشتركة في السعودية صغير نسبيًا، ويعود ذلك لمجموعة من العوامل؛ تشمل غياب ثقة المستثمرين، بالإضافة إلى تركز كثير من المستثمرين الأفراد على استراتيجية الاستثمار على المدى القصير، ولكن مع التغييرات التنظيمية ورفع وعي المستثمرين، نعتقد أن يزداد الإقبال على صناديق الاستثمار المشتركة في المستقبل.
ثالثًا، وأخيرًا، فإننا نعتقد أن ابتكار منتجات جديدة بالتوازي مع تعزيز جانب الشفافية سيسهم بدفع عجلة نمو قطاع إدارة الأصول، وسيكون لانفتاح السوق السعودية على المستثمرين الأجانب دور كبير في تعزيز هذا النمو والابتكار.
وتشير التقديرات إلى ارتفاع إجمالي الأصول المُدارة العامة والخاصة (جميع فئات الأصول) في السعودية من 132 مليار ريال (35.2 مليار دولار) في النصف الأول من عام 2013، إلى 180 مليار ريال (48 مليار دولار) في عام 2015، وعقب انفتاح سوق المال السعودية على المستثمرين الأجانب المؤهلين والإدراج المحتمل للسوق في مؤشر الأسواق الناشئة، فمن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم، وأن يتم استثمار الأموال النشطة والسلبية في الأسهم السعودية، ووفقًا لتقديرات مختلفة، يمكن لتدفقات الاستثمارات أن تصل من 10 إلى 30 مليار دولار عقب إدراج السوق في مؤشر الأسواق الناشئة.
* كيف تختارون وتدربون الموظفين العاملين لديكم خصوصا بالنسبة للمصرفيين السعوديين؟
- نحرص في «مورغان ستانلي» على توفير تدريب بمعايير عالمية للشباب السعودي، وخلال السنوات الماضية قمنا بإرسال كثير من الشباب السعوديين إلى لندن ونيويورك لإخضاعهم لبرامج تدريب متخصصة في أسواق المال وإدارة الاستثمارات والاستثمار المصرفي، ونحن ملتزمون بتوظيف وإعداد أفضل المواهب السعودية على الدوام.
* كيف تنظرون إلى الاقتصاد السعودي بصفة عامة؟
- لا شك في أن تراجع أسعار النفط والظروف الاقتصادية الراهنة تشكل تحديًا للسعودية، ولكننا على ثقة بقدرة المملكة على النجاح في مواجهة تلك التحديات.



صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد، تكاد تلامس المستحيل: فهم سلوك الشركات، والنقابات العمالية، والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

ويدرس صناع السياسات خيار رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطاً بقناعتهم بأن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب في إيران سينتقل إلى بقية الأسعار، بما يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخم أعلى على مستوى الاقتصاد ككل، وفق «رويترز».

يتسوق الناس في أحد متاجر نيويورك (رويترز)

غير أن التحدي الأبرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة. فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفاً واسعاً من الأدوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فإنَّ جميعها تعاني من أوجه قصور، إن لم تكن عيوباً جوهرية.

ومنذ جائحة «كوفيد-19»، كثَّفت البنوك المركزية جهودها لتطوير أدوات جديدة تسدّ فجوات البيانات السلوكية، غير أن قياس توقعات التضخم لا يزال أقرب إلى فن قائم على التقدير منه إلى علم دقيق.

حذر متزايد في قرارات الفائدة

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات إلى رفع سقف الحذر قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية، إذ يفضّلون عادة انتظار دلائل أكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن فهم طريقة تفكير واضعي الأسعار يمثل عنصراً حاسماً، مضيفاً أن قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما إذا كانت توقعات التضخم ستبدأ بالفعل في التحرك صعوداً، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات سلوكية منذ 2022

يتمثل أحد أبرز التعقيدات في تغير سلوك الأفراد والشركات. ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الأسعار والأجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما أشارت إليه إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإن تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الأخيرة جعلت التوقعات أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر حساسية لصدمات أسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الأسعار حدثاً سنوياً كما كان قبل الجائحة، بل أصبح أكثر تكراراً، مما يجعل وتيرة التغيير - وليس حجمه فقط - مؤشراً مهماً على تحولات التوقعات.

أدوات تقليدية... وقيود واضحة

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم. غير أن هذه الأدوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تُجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما أن آفاقها الزمنية لا تتماشى دائماً مع احتياجات صناع القرار.

أما المؤشرات السوقية، فتتأثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجاً من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تُضعف دقتها.

وتكمن أهمية هذه التقديرات في أن المستثمرين باتوا يتوقعون حالياً رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» خلال عام 2026.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ابتكار لسد فجوات المعرفة

لمواجهة هذه التحديات، طوَّرت البنوك المركزية أدوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الأجور من خلال اتفاقيات النقابات، وإجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغيّر الأسعار بشكل أكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي أخفقت سابقاً في توقُّع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في أوكرانيا.

ويُعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل أربع سنوات أمراً محورياً في رسم السياسات، إذ تختلف الظروف جذرياً اليوم.

بيئة اقتصادية مختلفة

فأسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية أكثر تشدُّداً، وسوق العمل تُظهر بوادر تباطؤ، كما أن الأسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون إمكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الأسعار، مما يعكس ضعفاً في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر قائمة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يؤديان إلى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم أعلى، غير أن توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الإطار، لخَّص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي، المشهد بالقول: إن علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.


تراجع معظم أسواق الخليج وسط مخاوف من تصاعد الحرب

مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)
مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)
TT

تراجع معظم أسواق الخليج وسط مخاوف من تصاعد الحرب

مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)
مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)

تراجعت غالبية أسواق الأسهم الخليجية في بداية تداولات يوم الخميس، بعد أن قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة ستواصل هجماتها على إيران، دون تحديد موعد لانتهاء الحرب.

وانخفض المؤشر الرئيسي في دبي بنسبة 1.4 في المائة، متأثراً بتراجع سهم شركة «إعمار» العقارية بنسبة 1.6 في المائة.

وفي أبوظبي، تراجع المؤشر بنسبة 0.9 في المائة، بضغط من هبوط سهم «بنك أبوظبي التجاري» بنسبة 1.4 في المائة.

كما انخفض مؤشر بورصة قطر بنسبة 1.1 في المائة، مع تراجع سهم «بنك قطر الوطني»، بنسبة 1.1 في المائة، وهبوط سهم «ناقلات قطر» بنحو 3 في المائة.

في المقابل، خالف المؤشر السعودي الاتجاه وارتفع بنسبة 0.3 في المائة، مدعوماً بصعود سهم مصرف «الراجحي» بنسبة 0.2 في المائة، وارتفاع سهم عملاق النفط «أرامكو السعودية» بنسبة 0.3 في المائة.


من التفاؤل إلى القلق: كيف قلبت تهديدات ترمب مزاج الأسواق؟

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

من التفاؤل إلى القلق: كيف قلبت تهديدات ترمب مزاج الأسواق؟

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تسبَّبت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقصف إيران «حتى تعود إلى العصر الحجري» بتصعيد حاد في الحرب التي دخلت أسبوعها الخامس، مما بدَّد آمال المستثمرين في إنهاء سريع للصراع الذي يضغط على إمدادات النفط ويؤجج الضغوط التضخمية.

وتراجعت الأسواق العالمية يوم الخميس مع تفاقم المخاوف المرتبطة بالحرب، حيث هبطت الأسهم والسندات، بينما ارتفعت أسعار النفط، وصعد الدولار بعد أن قضت تصريحات ترمب على التوقعات بقرب وضوح مسار نهاية النزاع في الشرق الأوسط، وفق «رويترز».

شخص يراقب شاشة مؤشرات الأسهم في بورصة تايوان بتايبيه (إ.ب.أ)

وأشار ترمب إلى أن الجيش الأميركي «حقَّق تقريباً أهدافه في إيران»، دون تقديم جدول زمني واضح لإنهاء العمليات، مؤكداً أن الضربات العسكرية ستستمر خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة.

ولم تسهم هذه التصريحات في تهدئة قلق المستثمرين بشأن أفق الصراع، إذ قال مايك هولاهان، مدير شركة «إليكتوس فاينانشال» في أوكلاند: «الخطاب لم يحمل جديداً يُذكر، باستثناء تأكيد استمرار القصف خلال الأسابيع المقبلة»، مضيفاً أن ذلك يطيل أمد الأزمة ويثير تساؤلات حول تأثيره على سلاسل إمداد الطاقة.

دونالد ترمب يصل لإلقاء خطاب متلفز حول الصراع في الشرق الأوسط من البيت الأبيض 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

خيبة أمل في الأسواق

وكان المستثمرون قد علَّقوا آمالهم على تهدئة قريبة بعد تصريحات سابقة لترمب دعمت الأسهم وأضعفت الدولار، غير أن خطابه الأخير أعاد ترسيخ سيناريو الحرب طويلة الأمد، مما دفع المتداولين إلى تقليص مراكز المخاطر قبل عطلة نهاية أسبوع طويلة.

ويظل انقطاع إمدادات النفط وتأثيره على التضخم مصدر قلق رئيسي للأسواق، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، والذي أدَّى تعطله إلى واحدة من أشد صدمات الطاقة في التاريخ.

وقفز سعر خام برنت تسليم يونيو (حزيران) بنحو 5 في المائة ليصل إلى 106.16 دولار للبرميل عقب تصريحات ترمب.

وقال مات سيمبسون، كبير محللي الأسواق في شركة «ستونكس»: «في ظل غياب أي خطط لإعادة فتح مضيق هرمز، ستظل أسعار النفط مرتفعة لفترة غير محددة»، محذراً من موجة تضخمية جديدة تضغط على الاقتصاد العالمي.

دخان يتصاعد من مستودع نفطي في كاني قرجالا قرب أربيل إثر ضربة محتملة بطائرة مسيَّرة 1 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

مخاطر الركود التضخمي

ويرى محللون أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يعزِّز المخاوف من الركود التضخمي، وهو مزيج من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، سبق أن هز الأسواق خلال مارس. (آذار).

وفي هذا السياق، حذَّر تويتشيرو أسادا، عضو مجلس إدارة بنك اليابان، من أن بلاده قد تواجه هذا السيناريو نتيجة تداعيات الحرب، مشيراً إلى صعوبة معالجته عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية.

بدوره، قال راسل تشيسلر، رئيس الاستثمارات في شركة «فانيك»: «السؤال الذي يشغل المستثمرين هو: متى سينتهي هذا الصراع؟ وهذا الغموض هو ما يغذي التقلبات»، مضيفاً أن الأسواق تتجه نحو بيئة ركود تضخمي مع تباطؤ النمو وارتفاع توقعات التضخم.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية خلال التداولات الآسيوية، حيث صعد العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 5 نقاط أساس ليصل إلى 4.376 في المائة، وسط مخاوف من أن يؤدي التضخم المرتفع إلى تقليص فرص تيسير السياسة النقدية.

سفينة شحن في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

الدولار والنفط إلى الواجهة

من المتوقع أن تظل الأسواق شديدة التقلب في الفترة المقبلة، مع ترقب المستثمرين تطورات الصراع خلال الأسابيع القادمة، بينما يرجح المحللون استمرار قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط على المدى القريب، في ظل تنامي الإقبال على الأصول الآمنة.

وحقق الدولار مكاسب مقابل سلة من العملات الرئيسية، معوضاً خسائره خلال اليومين السابقين، مدعوماً بتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات في «بنك الكومنولث الأسترالي»: «الدولار بدأ بالفعل في الارتفاع، ومع توقُّع استمرار الحرب حتى يونيو على الأقل، فإن لديه مجالاً لمزيد من الصعود».

وفي ظل تعقيد المشهد، يرى محللون أن التفاؤل بنهاية قريبة للحرب لا يزال محدوداً، نظراً لتعدد أطرافها، حيث لا تقتصر على الولايات المتحدة فحسب، بل تشمل أيضاً إسرائيل وإيران، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سريعة.