التاريخ بالنسبة لتتر القرم ليس مجرد صفحات في كتاب ـ بل دليل وتجربة مؤلمة لا تزال تلقي بظلالها على حياتهم اليومية. فلا يزال كبار السن من التتر يذكرون ترحيل الشعب التتري بأكمله من أراضيهم عام 1944 أثناء حكم الرئيس السوفياتي جوزيف ستالين. إذ لم يمنحوا سوى إشعار لثلاثين دقيقة، بعدها لم ير غالبيتهم موطنهم مرة أخرى.
توفي خلال تلك الرحلة ما يقرب من مائة ألف رجل وامرأة وطفل تم تحمليهم على عربات تجرها الماشية، ومنهم من مات بعد وصوله بوقت قصير إلى الأورال وسيبيريا وآسيا الوسطى.
كان النفي من ديارهم عقابا على "تعاونهم الكامل" المزعوم مع النازيين الذين غزوا شبه الجزيرة، لكن الأبناء والأحفاد الذين تمكنوا من العودة خلال العشرين عاما الماضية، باتوا عرضة للخضوع مرة أخرى لحكم موسكو.
وهناك نحو 300.000 تتري في جزيرة القرم قاطعوا الاستفتاء، لكن بعض تتر القرم تعهدوا بمعارضة الانفصال، بالقوة إن لزم الأمر.
وبحسب تقارير غربية، فقد هدد بعض التتار الذين يقاتلون في صفوف الثوار السوريين بالعودة هناك للـ"جهاد".
لم يتمكن ذلك العدد الكبير من التتر من العودة من المنفى إلا في أواخر الثمانينات وتفكك الاتحاد السوفياتي. والآن يظل أبناء وأحفاد المهجرين، الأشداء منهم، مستيقظين طوال الليل لحماية أحيائهم خشية التعرض لهجمات من الافراد ذوي العرق الروسي أو الجنود الروس الذين تقاطروا على شبه جزيرتهم. وهناك تقارير مباشرة وموثوقة عن وضع علامات X على منازل التتر.
كان التتر يحكمون هذه المنطقة في الماضي ولهم تاريخ مع روسيا وعلاقات تجارة وتعاون وتزاوج متبادل تعود الى قرون. وذلك حسبما نشر موقع "ناشيونال جيوغرافيك" الأميركي في مقال مفصل.
وظهر تتر القرم للمرة الأولى على الخريطة عام 1241 عندما غزا باتو خان، حفيد جنكيز خان، المنطقة، ليجعل منها منطقة استراتيجية للامبراطورية المغولية وحليفا تجاريا موثوقا مع مركز القوة الناشئة في موسكو.
استمر حكم الخانات حتى عام 1783، بعد حرب ناجحة ضد الامبراطورية العثمانية، تمكنت إثرها الإمبراطورة كاثرين العظمى من ضم شبه الجزيرة في إطار توسيعها الضخم للامبراطورية الروسية.
وكانت شبه الجزيرة المعقل الأخير الحرب الأهلية التي أعقبت مقتل آخر القياصرة والثورة البلشفية عام 1917، لكن العقود التي تلت اتسمت بمزيد من القمع أكثر منها المعارضة، فلم يسلم تتر القرم من العمل الجماعي القسري للنظام السوفياتي أو المجاعة في بداية الثلاثينات.
ويقول بول غريغوري، الباحث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا ومؤلف عدة كتب عن أرشيف الاتحاد السوفياتي ونظام معسكرات العمل السوفياتية: "بدأ ستالين عملية ترحيل "القوميات المشتبه بها" قبيل الحرب العالمية الثانية، وكانت المستوطنات الخاصة مجموعات صغيرة من العائلات في مناطق نائية، والتي كانت قاسية على نحو خاص لأن العائلات بأكملها كانت تتعرض للتهجير، وعلى عكس الحال في معسكرات العمل الجماعي، لم تكن هناك أي بنود عن مدد محددة، فلم يكن واضحا ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة مجددا من عدمه. لكن في 13 أبريل (نيسان) 1944 أمرت مفوضية الشعب للشؤون الداخلية "بموجب إجراءات لتنظيف منطقة جمهورية القرم التي تحظى باستقلال ذاتي من العناصر المناهضة للاتحاد السوفياتي، والتي تتفق مع ما وصفه غريغوري "الضربة الكبرى" لتتر القرم، فقد كان أمر الترحيل الذي صدر في 11 مايو (آيار) 1944 الذي شكل مصير تتر القرم خلال العقود التالية جزءا من محنتهم نتيجة الأفعال الروسية اليوم.
في هذه الأثناء تحول ديميليف (زعيم تتر القرم منذ فترة طويلة)، إلى أبرز المعارضين السوفيات في أوزباكستان، وتظاهر ضد الغزو الروسي لتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان وقضى 15 عاما في معسكرات السجون السوفياتية، ثم أطلق سراحه عام 1986 في ذروة حركة البيروسترويكا، وانضم إلى عشرات الآلاف من تتر القرم الذين تمكنوا أخيرا من العودة إلى منازلهم في نهاية الثمانينات والتسعينات، في أعقاب ارتفاع موجة عودة التتر في العقود السابقة.
وكان ديلارا سيتيفا جزءا من ذلك التدفق غير المرحب به.
وتقول سيتيفا، مهندسة وأم لثلاثة أبناء وترأس الآن مجلس مدرسي اللغة التترية: "لم يكن هناك أكثر من 10.000 تتري منا هنا عام 1979". وقد حاربت هي وعائلتها الصغيرة الروتين الحكومي لإعادة التوطين، وفي مرحلة ما تم طردهم خارج المنطقة تماما.
وسخرت بخشيساريا سيتيفا من منزلها على فكرة أن روسيا ستبني جسرا على مضيق الخزر الذي يربط جزيرة القرم بالأراضي الروسية.
وكحال الكثير من التتر، تؤيد تحول أوكرانيا إلى الغرب وتخشى من أن تحول القرم في ظل السيطرة الروسية إلى منطقة شبيهة بأبخازيا، التي كانت مكانا جميلا. وقالت: "ستصبح أشبه بصحراء، هذه جمهوريات صغيرة، وسنتعرض للعزلة عن العالم".
8:21 دقيقه
هل سيعاني تتر القرم من شبح كابوس القمع الروسي مجددا؟
https://aawsat.com/home/article/59031
هل سيعاني تتر القرم من شبح كابوس القمع الروسي مجددا؟
لم يسلموا من قمع نظام ستالين في الثلاثينات
هل سيعاني تتر القرم من شبح كابوس القمع الروسي مجددا؟
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










