تاريخ الفطور الطويل

من الحنطة والزيتون الإغريقي إلى البيض المقلي والكورنفليكس

تاريخ الفطور الطويل
TT

تاريخ الفطور الطويل

تاريخ الفطور الطويل

تغير مفهوم الوجبات اليومية الثلاث على مر العصور، إذ لم يكن الفطور موجودا في فترات طويلة من تاريخ الإنسانية، وحسب الدراسات التاريخية المتوفرة فقد كان الإنسان القديم يتناول الطعام عندما كان يتوفر ولم يكن هناك مواعيد محددة لذلك كما هو الحال هذه الأيام.
كما تؤكد الدراسات الكثيرة أن عدد وجبات النهار ومواعيدها، كان يختلف من زمن إلى آخر ومن حضارة أو مجتمع إلى آخر ويعتمد على عدة طبقات اجتماعية خصوصا الطبقات العليا.
وتظهر الحفريات أن الناس مع بدء الزراعة في العصر الحجري الحديث، كانوا يعتمدون على الحبوب لصناعة العصيدة بعد غليها لتناول وجبة الصباح، كما تشير الحفريات إلى أن الناس في منطقة الهلال الخصيب لجأوا إلى الحنطة والشعير والقمح وشتى أنواع الحبوب لصناعة الفطور، ومن هناك ومن جبال الأناضول انتقلت الحنطة والحبوب إلى أوروبا.
وكان الفلاحون والفقراء أيام الفراعنة يتناولون وجبة واحدة قبل الذهاب إلى العمل تحوي الخبز والبصل.
وهناك تناقضات كثيرة بين الدراسات والمؤرخين حول وجود وجبة الفطور أيام الإمبراطورية الرومانية وفي زمان الإغريق القدماء، ففي كتاب خاص عن تاريخ الطعام عند الإغريق، لا يذكر آندرو دالبي الفطور، ويقول إن مواعيد وجبات الطعام عند أهل اليونان كانت متقلبة ومتبدلة، وكان الناس يطلقون على وجبة منتصف النهار أو الغداء «أريستون» - ariston ووجبة المساء التي كانت الوجبة الأساسية والأهم «ديابنون»- deipnon. وكان الكثير من الناس يعتمدون على هذه الوجبة دون غيرها.
وتقول المؤرخة كارولاين يالدهام من جامعة ليدز، إن الفطور لم يكن جزءا من التركيبة الغذائية عند الناس لفترات طويلة من الزمن وإن الرومان لم يتناولوا الفطور وكانوا يتناولون فقط وجبة واحدة في النهار عند الظهر. وكان الرومان يؤمنون بأن يتناول وجبة واحدة أمر أساسي للصحة الجيدة، إذ كانوا مهووسين بمسألة الهضم، وكانوا يعتبرون تناول الكثير من الطعام هو الشره بحد ذاته. وقد تم اتباع هذا التقليد الروماني لفترة طويلة من الزمن.
إلا أن هذار أندرسون في كتابها المعروف «تاريخ الفطور»، تقول العكس من ذلك، وتشير إلى أن الرومان القدماء كانوا يتناولون ثلاث وجبات يوميا بالإضافة إلى وجبة صغيرة بعد الظهر (عصرونية)، وكان يشمل الفطور الزيتون والخبز والجبنة والزبيب والسلطة والمكسرات وما تبقى من طعام الليلة الفائتة وأحيانا البيض والعسل والحليب. والأهم من ذلك أن أوقات الوجبات كانت تتغير من وقت إلى آخر.
كما يتحدث هومر مؤلف الإلياذة والأوديسة في الكثير من المرات عن الوجبة التي يتم تناولها رأسا بعد بزوغ الفجر التي تسمى أيضا الـ«أرستون» وأن تحضير وجبة الفطور من العادات والواجبات الضرورية والملحة لمعظم عامة الناس وخصوصا الفلاحين والبنائين وعمال المهن الشاقة كتقطيع الأشجار وغيره.
وتشير أندرسون إلى أن وقت تناول وجبة الـ«أرستون»، انتقل من الصباح إلى الظهر مع الوقت، وقد تم إدخال وجبة جديدة على الصباح أو بعد بزوغ الفجر بعد الفترة الإغريقية الهومرية الكلاسيكية، أطلق عليها اسم «اكراتيزما»- Akratisma، الأمر الذي يفسر تحليل اندرو دالبي.
وكانت وجبة الفطور الإغريقية تشمل خبز الحنطة والتين والزيتون وأحيانا العجة المصنوع من العسل والحليب والقمح وزيت الزيتون. وكانت هناك أيضا أنواع أخرى من العجة تضم العسل والسمسم والجبن.
في العصور الوسطى كانت الكنسية الكاثوليكية تقرر متى يأكل الناس وماذا يأكلون، وكان عدم تناول الطعام قبل قداس الصباح من أهم الشروط الكنسية، ولذا كان الناس يفطرون أو يكسرون ما يعتبر صياما بعد القداس أي بالإنجليزية بريك فاست - breakfast. ولم تدخل كلمة الفطور قاموس اللغة الإنجليزي إلا في هذه الفترة.
وبشكل عام كان الأغنياء في القرون الوسطى يحتقرون الفطور وأصحابه، وكانوا ينظرون بازدراء إلى الذين يتناولونه لأن معظمهم من الفقراء وأصحاب الأشغال الشاقة الذين يحتاجون إلى وجبة تساعدهم على القيام بوجباته الصعبة طوال النهار. ففي القرن الثالث عشر كان الفطور أن توفر يحتوي على خبز الردة - rye bread والجبن والجعة وأضيفت اللحمة إلى فطور الأغنياء لاحقا في القرن الخامس عشر.
وحسب ما يؤكد برنامج خاص عن تاريخ الفطور لكلاريسا ديكسون رايت على محطة «بي بي سي»، وما يؤكده المؤرخ الخاص بالطعام إيفان داي، ويعود الفضل في استخدام البيض ولحم البيكون على الفطور التقليدي في أوروبا إلى الكهنة وعن طريقة الصدفة إذا كان يحرم على أتباع الكنسية تناول اللحم نصف أيام السنة تقريبا (لارتباط رمز اللحم بالجنس والتناسل) وكانوا يستبدلونها بالسمك المملح مع الخردل والعسل أحيانا.
وكانت أطول فترات التحريم أيام الصوم الكبير التي تستمر إلى 55 يوما، وتشمل اللحوم والبيض، ولكن تم السماح بتناول واستخدام ما هو متوفر من قطع اللحم وشرائحه والبيض قبل حلول موعد الصوم. ومن هنا بدأت العادة باستخدام البيكون والبيض والفطور الإنجليزي التقليدي.
وفي الحقيقة لم يتم تثبيت الفطور كجزء من تركيبة النهار كما هو الحال الآن إلا في القرن السابع عشر، أي مع تثبيت البيكون مع البيض كفطور في إنجلترا بسبب الازدهار والاستقرار الذي شهدته البلاد آنذاك.
وقبل ذلك كان الفطور في بريطانيا في القرون الوسطى، يعتمد على الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد، فالطبقات العليا كان لديها الخيار على عكس الطبقات الفقيرة التي بالكاد كانت تأكل. وحسب بعض وثائق العائلات الغنية التي جاءت من منطقة نورثامبيرلاند في شمال شرقي البلاد، فإن الفطور كان يحتوي على الخبز الأبيض الممتاز والجعة ولحم البقر.
وقد نشر أول كتاب موسعي للطبخ في بريطانيا - ألف وصفة طبخ منها تعليمات البيض المقلي والبيض المخفوق و20 نوعا من عجة البيض المعروفة بالأومليت. قبل ذلك كان البريطانيون يشوون البيض. وبعد نشر الكتاب انتشرت العجة التي تضم الجوز واللوز والقرفة في بريطانيا. وقد ساعد ذلك على انتشار المقلي وانتشار الفحم في المطابخ.
وبعد انتشارها في بدايات القرن السابع عشر استبدلت القهوة الجعة على الفطور، ثم تأسس الشاي في منتصف القرن الثامن عشر كجزء من الفطور رغم اعتراض الكثيرين.
ومن الظواهر الهامة والغريبة التي شهدتها بريطانيا وعالم الطبقات الغنية في القرن الثامن عشر، هو الحفلات التي تبدأ مع الفطور ولا تنتهي إلا بعد الظهر بسبب تقليد حفلات صيد الأغنياء في الريف. كما ساهمت عادات الطبقات الغنية في تأسيس الكثير من العادات الخاصة بالفطور، كتناوله في الفراش، بالإضافة إلى انتشار الكثير من الأدوات المطبخية التقليدية.
وكانت الثورة الصناعية العامل الأساسي الذي ساعد على تثبيت الفطور كأولى وجبات النهار في القرن التاسع عشر، مع انتشار المصانع والمعامل في جميع أنحاء بريطانيا وأوروبا وحاجة ملايين العمال والموظفين إلى وجبة تمدهم بالقوة قبل بدء العمل صباحا.
بدأ التحول من تناول اللحوم على الفطور إلى تناول الـ«كورنفليكس» (رقائق الذرة) أو ما يعرف بفطور الحبوب لاحقا في شمال انكلترا عن طريقة الصدفة على يد الأخوين كالوغز نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين.
الدكتور الأميركي جون هارلي كالوغ النباتي، بدأ تجاربه على الكثير من أنواع الحبوب، في محاولة لتحسين الصحة العامة وإنقاذ أميركا عبر تغيير حمية الفطور، وشملت تجاربه الأولى ما نعرفه الآن من خليط من الفاكهة المجففة ورقائق الحبوب والمكسرات لتحسين قدرة الناس على الهضم وتمكينهم من فطور بارد وسهل التحضير وسريع.
وفي العشرينات من القرن الماضي، بدأت الحكومات تروج للفطور على أنه أهم وجبات النهار وبعد الحرب العالمية الثانية انتشرت حمصات الخبز والتوست أو شرائح الخبز مع القهوة السريعة والحبوب (السيريالز - cereals).
بأي حال فإن الفطور هذه الأيام واحد من الوجبات السيومية الثلاث التي يتبعها معظم الناس في جميع القارات، وهي الوجبة التي يتم تناولها صباحا قبل الذهاب إلى العمل وقبل وجبة الغذاء الظهرية. وقد حافظت الكثير من الدولة والثقافات على نوعيات المآكل التي تنتجها وتتناولها لهذه الغاية. إلا أن الكثير من دول العالم ومع انتشار قطاع السياحة الدولي وتطوره، قد بدأت توحد المواد التي يشكلها هذا الفطور مثل الزبدة والحليب والشاي والقهوة والخبز أو التوست والبيض المقلي والمربى وألبانكيك وشتى أنواع العصير وخصوصا عصير البرتقال والنقانق والكريم والكروسون الفرنسي والحلويات. وكما هو معروف أن الناس في لبنان أكثر حظا من غيرهم على هذا الصعيد إذ بالإضافة إلى أنواع الفطور الدولية الكونتينانتالن لديهم الكثير من الطيبات مثل مناقيش الجبنة والزعتر والأوراما والكشكك والكروسون بالجبنة والزعتر وشتى أنواع الحلويات، مثل الكنافة بالجبن والسحلب والمهلبية والأرز بالحليب والقشتلية و«السودة النية» (الكبد) فضلا عن المآكل التقليدية كالجبنة العكاوية والزيت والزعتر واللبنة والشاي والكعك.
وقد أصبح للفطور أيضا مطاعمه حول العالم، ومن أشهر مطاعم لندن هي: بيسلرو يونيون (فطور بريطاني) وبالثازار في كافان غاردن (فطور فرنسي) وبلام سبليت ميلك (فطور فرنسي) وبولوستين (فطور فرنسي) واكوا شارد في برج الشارد (كونتينانتال) وهوي بولوي في فندق آس (فطور أوروبي) وون كندا سكوير وبيستروثيك (فطور أوروبي) وكريستوفر (فطور أميركي شمالي) وغرين ستور (فطور دولي) ذا بروفايدر (فطور دولي - خليط) وسموك هاوس (فطور بريطاني).
كما أصبحت شركات المطاعم الدولية مثل المكدونالدز وبرغر كينغ تقدم وجبات سريعة خاصة بالفطور وقامت المقاهي الحديثة بالتنافس معها بتقديم شتى أنواع السندويتشات والوجبات الصغيرة الساخنة لتغطية الطلب المتزايد من موظفي المدن الكبرى.
ويقول بعض المختصين الذين ينصحون بالتخلي عن الفطور، إن الدراسات السابقة أشارت إلى أن الفطور يفيد الصحة من عدة جوانب ويساعد إلى تخفيض الوزن: يحسن التمثيل الغذائي أو الاستقلاب ويساهم في التقليل من تناول الطعام ويحسن المزاج العام للفرد. أما الدراسات الحديثة والأخيرة فتشير إلى أن التخلي عن الفطور يساهم في تناول كمية أقل من الطعام خلال النهار، وهو ما يؤدي إلى تخفيض الوزن، وبالأرقام خسارة ما يساوي 400 سعرة حرارية يوميا، أو 2800 سعرة حرارية أسبوعيا، أي 360 غراما من الدهون.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».