أفغانستان: تهديدات طالبان لا تخيف السلطة الرابعة

صحافي أفغاني لـ «الشرق الأوسط» : مستعد لأن أدفع حياتي ثمنًا لحرية الكلمة ولن أغادر العاصمة كابل

مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل
مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل
TT

أفغانستان: تهديدات طالبان لا تخيف السلطة الرابعة

مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل
مذيعة أفغانية وسط شوارع العاصمة كابل

الصحافيون والمراسلون الأفغان بعد مضي خمسة عشر عاما من حضور القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لا يزالون يواجهون صعوبات ومشكلات جمة تهدد بتقييد حرية الكلمة، وتهدد حياة العشرات منهم الذين يقومون بتغطية الأحداث الدامية اليومية التي تقع في عموم المناطق الأفغانية التي تشهد باستمرار حربا مستعرة بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية. وليّ أرين، واحد من الصحافيين الأفغان القلائل الذين يقومون بتغطية الحوادث الميدانية، وتجده حاضرا في كل المعارك التي يشنها الجيش الأفغاني من أجل تطهير المناطق من مقاتلي طالبان، ويعمل ولي أرين، البالغ من العمر 27 عاما، في قناة محلية تتميز بنقل الأخبار السريعة وحضورها القوي في الساحة وبرامجها الشيقة لمشاهديها في مرحلة ما بعد طالبان. حركة طالبان ترى في الإعلام عدوا خفيا لها، وهددت عدة قنوات تلفزيونية ومراسليها بتصفية جسدية بعد أن قاموا بنقل الأخبار من ولاية قندوز التي سقطت بيد طالبان لعدة أيام. وتقول طالبان إن هؤلاء الصحافيين قاموا بنقل الأخبار الخاطئة وعمدوا إلى تشويه صورة مقاتليها بعد السيطرة على المدينة من خلال بث أخبار كاذبة مفادها أن مقاتلي طالبان قاموا باغتصاب الفتيات في جامعة قندوز، الأمر الذي أدى إلى فتح جبهة جديدة لطالبان ضد الإعلام المحلي، وهددت بشكل صريح بأنها ستستهدف قناة «طلوع» التي يعمل فيها «ولي أرين»، وبعد عدة أشهر من التهديد ترجمت طالبان وعيدها باستهداف حافلة كانت تقل موظفين في قناة «طلوع» مما أسفر عن مقتل خمسة صحافيين في القناة وإصابة عشرين آخرين غالبيتهم موظفون في القناة.
يقول أرين إنه يدرك تماما المخاطر الأمنية التي تحيط بالصحافيين والمراسلين، خصوصا أولئك الذين يقومون بنقل الأخبار والحوادث الأمنية في الميدان، مشيرا إلى أن التهديدات التي تطلقها طالبان لا تخيفه؛ بل سيظل أكثر قوة، وأنه سيستمر في عمله الصحافي حتى لو أدى ذلك إلى دفع حياته ثمنا للحرية وحرية الكلمة. يضيف أرين لـ«الشرق الأوسط» أن «الحرية التي نتمتع بها لم نحصل عليها مجانا، ولا يمكن الاحتفاظ بها مجانا، فهي تتطلب تضحيات كبيرة، وعلينا نحن الجيل الصاعد تحمل تبعاتها وتحمل كل المخاطر التي نواجهها في سبيل الاحتفاظ بالمنجزات التي تحققت خلال الأربعة عشر عاما الماضية».
تزوج «ولي أرين» وهو الوجه المعروف لجميع الشعب الأفغاني الذين يتابعون القناة التي يعمل فيها، من خلال تقاريره المتميزة وحضوره الدائم في الساحة، وهو أب لطفلين، ويقول إنه غادر البلاد برفقة أطفاله لمدة أسبوعين فقط بعد أن تصاعدت وتيرة التهديدات خلال الفترة الأخيرة، لكنه لم يتحمل الغياب عن الساحة، وعاد فورا، مشيرا إلى أنه تعهد بأنه لن يغادر أفغانستان مهما كان مستوى الخطر، وأنه سيظل فيها ينقل الأخبار ويوجد في الميدان حتى آخر يوم في حياته المهنية. وفي سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول خروج المئات من الشباب الأفغان إلى أوروبا هذه الأيام وما إذا كان هو ينوي الخروج من البلد بسبب تصاعد التهديدات الأمنية ضده، قال أرين إن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، وهو يدرك تماما أن لا أحد يستطيع إلحاق الأذى به أو بعائلته دون مشيئة الله تعالى، وبالتالي، فإن مسألة الخروج من البلد وترك الساحة للمسلحين والمتمردين الذين يسعون إلى إرجاع أفغانستان إلى القرون الوسطى وإلى العهد الحجري، غير واردة له، ويؤكد أن المتمردين لن ينجحوا في هذه المحاولة، وأنه سيبقى في البلد وينقل الحقيقة إلى المشاهد عبر تغطية الأحداث، وأن التهديدات ليست جديدة بالنسبة له، فهو عاش في زمن الحرب الأهلية في المدينة ولم يغادرها. وتظل أفغانستان مكانا غير آمن للصحافيين والمراسلين الأفغان والأجانب؛ حيث قتل العشرات منهم خلال تغطية الحرب الجارية في هذه البلاد منذ الإطاحة بنظام طالبان نهاية عام 2001.
ويوجد حاليًا في أفغانستان مائة وخمسون محطة إذاعية وثلاثون قناة تلفزيونية، في مؤشر على تطور الصحافة وميلادها من جديد بعد الإطاحة بحركة طالبان.
استعاد المشهد الإعلامي عافيته في أفغانستان بعد سقوط حكم حركة طالبان قبل خمسة عشر عاما. وعلى الرغم من تواضع الإنجازات التي حقَّقتها المهام العسكرية الدولية بعد أكثر من عشرة أعوام من بدئها، فإن هناك كثيرا من الإعلاميين الذين يعملون بجد ونشاط على تطوير الصحافة والإعلام في جميع أنحاء البلاد.
واحتلت أفغانستان في «مؤشر حرية الصحافة» لعام 2010 الذي نشرته منظمة «مراسلون بلا حدود» مرتبة أفضل بكثير من جارتيها باكستان وإيران. وفي حين لم يكن يوجد في أفغانستان قبل عام 2001 سوى إذاعة واحدة تابعة لحركة طالبان اسمها «صوت الشريعة»، صار يوجد الآن مائة وخمسون محطة إذاعية. والإذاعة هي الوسيلة الأكثر انتشارًا في أفغانستان، وفي هذا البلد الذي تنتشر فيه الأمية على نطاق واسع، ويتم فيه توزيع وسائل الإعلام المطبوعة بطبعات صغيرة، تزداد معاناة الصحافيات من الضغوط الاجتماعية.
الصحافيون والصحافيات في أفغانستان مستهدفون من المتطرِّفين ولا يستطيعون حتى يومنا هذا ممارسة عملهم بحرية في المناطق الريفية، خصوصا الصحافيات بعد أن تم حرمانهن في السابق من العمل طيلة أعوام. زد على ذلك أنَّ الأوضاع الأمنية في البلاد تحول دون ممارسة المرأة العمل الصحافي بصورة طبيعية.
ولا يعاني الصحافيون في أفغانستان من حركة طالبان وحدها، بل من أمراء الحرب أيضًا؛ من زعماء الميليشيات الذين وصلوا في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي إلى السلطة والثروة، وأصبحوا الآن غارقين في كثير من النشاطات الإجرامية مثل تجارة المخدرات التي تدر عليهم كثير من الأرباح، وتحوَّلوا في الوقت نفسه إلى امتلاك وسائل إعلام خاصة بهم. وعلى سبيل المثال تعد قناة «تلفزيون أين» ملكًا لزعيم الحرب الجنرال عبد الرشيد دوستم الذي يتمتَّع بنفوذ واسع، وهو الآن يتقلد منصب النائب الأول للرئيس الأفغاني. وهؤلاء الزعماء لديهم حضور كبير الآن ضمن المشهد الإعلامي في أفغانستان. ويقول حكمت صافي، وهو صحافي في وكالة «أنباء باجهوك» الخاصة الحائزة على «جائزة حرية الصحافة» التي تمنحها في كلِّ عام لجنة حماية الصحافيين: «يتم تشغيل نصف المحطات التلفزيونية الأفغانية، التي يبلغ عددها ثلاثين محطة، من قبل أمراء الحرب».
لا يعاني الصحافيون إذن في أفغانستان من حركة طالبان وحدها، بل أيضًا من أمراء الحرب الذين يملكون الآن خمس عشرة محطة تلفزيونية أفغانية تضمن لهم حضورًا كبيرًا في المشهد الإعلام؛ حيث أنشئت وكالات محلية تقوم بنقل الأخبار إلى معظم وسائل الإعلام الأفغانية، كما أنَّها صنعت لنفسها اسمًا لامعًا من خلال أمانتها المهنية وجودة عملها. ولكن عمل حكمت وصحافيين آخرين من أمثاله ليسن بالعمل السهل والهين، وفي هذا الصدد، يقول صافي: «كثيرًا ما تنقصنا المعلومات الموثوقة، الأمر الذي يصعِّب عملية البحث». ويذكر هنا مثال هجوم إرهابي، ويتساءل: «كيف ينبغي لنا الكشف عن عدد الضحايا؟ إذ إن الدوائر الحكومية لا تقدِّم في الغالب أي إجابة، وحركة طالبان وحدها هي التي تسرع في الإعلان»، مشيرا إلى أن القوات الدولية ليست أفضل حالاً من الحكومة في سياستها الخاصة بتقديم المعلومات. ومن المفترض، حسب قول صافي، أنَّ القوَّات الأجنبية أيضًا تقوم بتزييف المعلومات، وكثيرًا ما تحاول قوة المساعدة الأمنية الدولية التكتم على عدد الضحايا المدنيين الذين يسقطون نتيجة الضربات العسكرية. ويشير صافي إلى صعوبة الحصول على الحقيقة في أفغانستان: «بعد تنفيذ أي عمل عسكري يقولون لنا إنَّ هذا الهجوم تم تنفيذه من قبل حركة طالبان». وهذا يظهر بوضوح أنَّ الصحافيين الأفغان معرَّضون للخطر من عدة جهات، وأنَّهم كذلك عرضة لضغوطات كثيرة.
وبالإضافة إلى ذلك، ينتشر بين الصحافيين في أفغانستان قدر كبير من الرقابة الذاتية، وكذلك تحدِّد الحساسيات الاجتماعية المحافظة ما يجوز للصحافيين كتابته وما يحظر عليهم تناوله. زد على ذلك أنَّ استمرار عمل الصحافة عالية الجودة في أفغانستان يبقى مرهونًا أيضًا بتوفير المال الذي كثيرًا ما يكون الصحافيون في أمسّ الحاجة إليه. إلى جانب ذلك، فقد انتشرت مؤخرا في أفغانستان الرقابة الذاتية، فقد تعرَّض الصحافيون في أفغانستان في الأعوام العشرة الماضية، بحسب معلومات منظمة «مراسلون بلا حدود»، لمئات من أعمال العنف، وقتل منهم في هذه الفترة ما لا يقل عن ستة عشر صحافيا. الصحافيون الأفغان يعملون في الخط الأمامي في جبهات القتال، وتحاول القنوات المحلية الوليدة الوصول إلى المعلومة وإلى السبق الصحافي، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إلحاق الأذى بالصحافيين والمراسلين الأفغان الذين ينقلون الحقيقة من الميدان إلى المشاهد، من قبل أطراف الصراع.



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.