تستعد وزيرة العدل الفرنسية للقيام بزيارة رسمية للمغرب بداية شهر أبريل (نيسان) المقبل، لبحث تلطيف العلاقات بين البلدين، وإعادة العمل باتفاقيات التعاون القضائي المبرمة بينهما، والتي قرر المغرب تعليق العمل بها احتجاجا على حادث استدعاء قاضية التحقيق الفرنسية من أصل جزائري صابين خريس لمدير المخابرات الداخلية المغربية للاستماع إليه في قضية تعذيب رفعها محكوم بالسجن في قضية مخدرات.
ولا يوجد أدنى شك بالنسبة للهيئة القضائية في فرنسا، حول طبيعة نشاط عادل المطالسي، الفرنسي من أصل مغربي، البالغ من العمر 33 سنة، والذي يدعي البراءة من تهمة تهريب المخدرات التي وجهت إليه في المغرب وحكم عليه بسببها بالسجن النافذ مدة عشر سنوات في 2008، مدعيا أن الاعترافات التي مكنت المحكمة من إدانته جرى انتزاعها منه تحت التعذيب. فقبل اعتقاله في مدينة طنجة المغربية في قضية محاولة تهريب طن ونصف طن من المخدرات باستعمال طائرة خفيفة، كان المطالسي متابعا في حالة إفراج مؤقت بإسبانيا في قضية أخرى تتعلق بتهريب المخدرات، وقبل ذلك كانت له سوابق في قضية غسل أموال بفرنسا نفسها. وبعد ترحيله إلى فرنسا في أبريل من العام الماضي، لاستكمال عقوبته في إطار اتفاقية التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا، رفع المطالسي قضية أمام محكمة بوبيني مطالبا بتمتيعه بالإفراج المشروط وإرساله للإقامة مع والديه في ضاحية مدينة بوردو.
وتشير عصبة حقوق الإنسان الفرنسية في الصفحة السادسة من تقريرها لسنة 2013 إلى أن النيابة العامة في بوردو أبدت اعتراضها على إرسال المطالسي لإقامته في بيت والديه في بلدية إيزينس قرب بوردو في حالة إصدار محكمة بوبيني قرارا لصالحه في هذه القضية على اعتبار أن «هذه البلدية معروفة بكونها منصة لتهريب المخدرات».
في هذا السياق، فإن استدعاء قاضي التحقيق الفرنسي لمدير المخابرات الداخلية المغربية للاستماع إليه على خلفية شكوى محكوم في قضية مخدرات، والطريقة التي جرى بها الاستدعاء عبر إرسال ستة عناصر من الشرطة الفرنسية إلى مقر إقامة السفير المغربي في باريس، حيث كان يوجد وزير الداخلية المغربي على رأس وفد أمني رفيع، ضمنه مدير المخابرات الداخلية، في مهمة رسمية للمشاركة في مؤتمر التنسيق الأمني الرباعي بين فرنسا وإسبانيا والمغرب والبرتغال الذي جرى إطلاقه في مطلع سنة 2013 مع بداية العمليات العسكرية في مالي، كان مفاجئا. وفي تعليق له على الأحداث، وصف لوران فابيوس، وزير خارجية فرنسا، الأمر بكونه «حادثا مؤسفا»، مشيرا إلى وجود «خلل» في تلك الإجراءات.
واختلفت الروايات والتأويلات في المغرب بشأن استدعاء مدير المخابرات الداخلية للاستماع إليه، فالبعض ربطها بالتوجه الأفريقي القوي للمغرب، معتبرين أنه أغضب بعض الأطراف الفرنسية، خاصة أن تلك الأحداث تزامنت مع الجولة الملكية الأخيرة في أفريقيا. غير أن ملاحظين آخرين ربطوا تلك الأحداث بملف الصحراء.
ويرى الناشط الصحراوي الداهي أكاي، رئيس جمعية مفقودي البوليساريو، أن محاولة توظيف القضاء الفرنسي ضد المغرب جاءت كرد فعل على إجراءات مماثلة أطلقها حقوقيون صحراويون ضد قيادات جبهة البوليساريو في إسبانيا حيث يجري قاض إسباني تحقيقات منذ 2007 حول اتهامات صحراويين لقيادات جبهة البوليساريو باقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ويقول أكاي «ملفنا قوي باعتبارنا صحراويين ولدنا تحت العلم الإسباني وتعرضنا لانتهاكات جسيمة ومحاولات إبادة جماعية من طرف قيادات البوليساريو وميليشياتها على الأراضي الجزائرية في معسكرات تندوف (جنوب شرقي الجزائر)». ويضيف أكاي «التحقيق لا يزال جاريا في هذه القضايا. وخلال الأسبوع الماضي فقط جرى الاستماع مجددا إلى ثلاثة من الضحايا والشهود في هذا الملف من طرف قاضي التحقيق الإسباني». ويضيف أكاي أن من أبرز الشخصيات المتهمة في هذا الملف إبراهيم محمود بيد الله الملقب «كريكاو»، والذي يشغل منصب مدير المخابرات العسكرية لجبهة البوليساريو، وهو أخ شقيق لمحمد الشيخ بيد الله رئيس مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان) المغربي.
وحول الأحداث الأخيرة في فرنسا يقول أكاي «لا قياس مع وجود الفارق. فملف الصحراويين في إسبانيا ملف حقوقي محض ويتعلق بجرائم ضد الإنسانية ويرتكز على أحداث ووقائع حقيقية. أما الملفات الثلاثة التي حركها أنصار جبهة البوليساريو في فرنسا فهي مجرد محاولات فاشلة للتوظيف السياسي لملفات لا علاقة لها بحقوق الإنسان».
ثلاث شكاوى حول التعرض للعنف جرى تحريكها حتى الآن في فرنسا ضد الأمن المغربي. الأولى شكوى عادل المطالسي المتهم بتهريب المخدرات، والتي يتولى الدفاع فيها المحامي الفرنسي جوزيف بريهام. ونفس المحامي يتولى القضية الثانية في نفس الموضوع والتي رفعها الناشط الانفصالي الصحراوي النعمة أسفاري، المحكوم عليه في المغرب بالسجن مدة 30 سنة في قضية أحداث الشغب التي اندلعت بمدينة العيون في 2011 على أثر حل اعتصام مخيم كديم إزيك، والتي جرى خلالها قتل 11 رجل أمن مغربي والتمثيل بجثتهم.
ونفس المحامي يدافع في قضية أخرى مشابهة أطلقتها زوجة أسفاري، الفرنسية كلود منجان، رئيسة الجمعية الفرنسية لمساندة البوليساريو. أما الشكوى الأخرى بالتعرض للتعذيب في المغرب فوضعها زكريا المومني، الفرنسي من أصل مغربي، الذي قضى في المغرب عقوبة سجن مدتها ثمانية أشهر بتهمة النصب والاحتيال، كونه أخذ مبالغ مالية من مغاربة لقاء وعود بتسهيل تهجيرهم إلى فرنسا.
من جانبه، يرى عبد الفتاح البلعمشي، مدير المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن العلاقات المغربية - الفرنسية لم تتأثر بشكل كبير من جراء ما حدث، مشيرا إلى أن المسؤولين الفرنسيين وكذلك الإعلام الفرنسي فطنوا إلى وجود أياد وراء الستار تحرك الخيوط. وقال البلعمشي لـ«الشرق الأوسط» إن احتجاج المغرب ورد فعله كان قويا، خصوصا قرار تعليق اتفاقيات التعاون القضائي، وتنظيم القوى السياسية والمجتمع المدني لوقفات احتجاجية. وأشار إلى أن «هذا الرد القوي كان يهدف إلى تنبيه الإدارة الفرنسية بأن جهات معادية للمغرب ومصالحه في الصحراء هي التي حركت هذه القضايا لأهداف سياسية لا علاقة لها بحقوق الإنسان».
وأضاف البلعمشي «حاليا لا يمكن الحديث عن أزمة دبلوماسية بين المغرب وفرنسا جراء ذلك، وإنما بتوتر في العلاقات. والمطلوب الآن من فرنسا هو توضيح ما حدث والتحقيق في أسبابه وفي الأطراف التي تقف خلفه».
ترقب زيارة وزيرة العدل الفرنسية للمغرب بداية أبريل لبحث تطبيع العلاقات القضائية
تداعيات نزاع الصحراء وراء اندلاع التوتر الذي أدى إلى تعليق التعاون القضائي
ترقب زيارة وزيرة العدل الفرنسية للمغرب بداية أبريل لبحث تطبيع العلاقات القضائية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







