ترقب زيارة وزيرة العدل الفرنسية للمغرب بداية أبريل لبحث تطبيع العلاقات القضائية

تداعيات نزاع الصحراء وراء اندلاع التوتر الذي أدى إلى تعليق التعاون القضائي

ترقب زيارة وزيرة العدل الفرنسية للمغرب بداية أبريل لبحث تطبيع العلاقات القضائية
TT

ترقب زيارة وزيرة العدل الفرنسية للمغرب بداية أبريل لبحث تطبيع العلاقات القضائية

ترقب زيارة وزيرة العدل الفرنسية للمغرب بداية أبريل لبحث تطبيع العلاقات القضائية

تستعد وزيرة العدل الفرنسية للقيام بزيارة رسمية للمغرب بداية شهر أبريل (نيسان) المقبل، لبحث تلطيف العلاقات بين البلدين، وإعادة العمل باتفاقيات التعاون القضائي المبرمة بينهما، والتي قرر المغرب تعليق العمل بها احتجاجا على حادث استدعاء قاضية التحقيق الفرنسية من أصل جزائري صابين خريس لمدير المخابرات الداخلية المغربية للاستماع إليه في قضية تعذيب رفعها محكوم بالسجن في قضية مخدرات.
ولا يوجد أدنى شك بالنسبة للهيئة القضائية في فرنسا، حول طبيعة نشاط عادل المطالسي، الفرنسي من أصل مغربي، البالغ من العمر 33 سنة، والذي يدعي البراءة من تهمة تهريب المخدرات التي وجهت إليه في المغرب وحكم عليه بسببها بالسجن النافذ مدة عشر سنوات في 2008، مدعيا أن الاعترافات التي مكنت المحكمة من إدانته جرى انتزاعها منه تحت التعذيب. فقبل اعتقاله في مدينة طنجة المغربية في قضية محاولة تهريب طن ونصف طن من المخدرات باستعمال طائرة خفيفة، كان المطالسي متابعا في حالة إفراج مؤقت بإسبانيا في قضية أخرى تتعلق بتهريب المخدرات، وقبل ذلك كانت له سوابق في قضية غسل أموال بفرنسا نفسها. وبعد ترحيله إلى فرنسا في أبريل من العام الماضي، لاستكمال عقوبته في إطار اتفاقية التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا، رفع المطالسي قضية أمام محكمة بوبيني مطالبا بتمتيعه بالإفراج المشروط وإرساله للإقامة مع والديه في ضاحية مدينة بوردو.
وتشير عصبة حقوق الإنسان الفرنسية في الصفحة السادسة من تقريرها لسنة 2013 إلى أن النيابة العامة في بوردو أبدت اعتراضها على إرسال المطالسي لإقامته في بيت والديه في بلدية إيزينس قرب بوردو في حالة إصدار محكمة بوبيني قرارا لصالحه في هذه القضية على اعتبار أن «هذه البلدية معروفة بكونها منصة لتهريب المخدرات».
في هذا السياق، فإن استدعاء قاضي التحقيق الفرنسي لمدير المخابرات الداخلية المغربية للاستماع إليه على خلفية شكوى محكوم في قضية مخدرات، والطريقة التي جرى بها الاستدعاء عبر إرسال ستة عناصر من الشرطة الفرنسية إلى مقر إقامة السفير المغربي في باريس، حيث كان يوجد وزير الداخلية المغربي على رأس وفد أمني رفيع، ضمنه مدير المخابرات الداخلية، في مهمة رسمية للمشاركة في مؤتمر التنسيق الأمني الرباعي بين فرنسا وإسبانيا والمغرب والبرتغال الذي جرى إطلاقه في مطلع سنة 2013 مع بداية العمليات العسكرية في مالي، كان مفاجئا. وفي تعليق له على الأحداث، وصف لوران فابيوس، وزير خارجية فرنسا، الأمر بكونه «حادثا مؤسفا»، مشيرا إلى وجود «خلل» في تلك الإجراءات.
واختلفت الروايات والتأويلات في المغرب بشأن استدعاء مدير المخابرات الداخلية للاستماع إليه، فالبعض ربطها بالتوجه الأفريقي القوي للمغرب، معتبرين أنه أغضب بعض الأطراف الفرنسية، خاصة أن تلك الأحداث تزامنت مع الجولة الملكية الأخيرة في أفريقيا. غير أن ملاحظين آخرين ربطوا تلك الأحداث بملف الصحراء.
ويرى الناشط الصحراوي الداهي أكاي، رئيس جمعية مفقودي البوليساريو، أن محاولة توظيف القضاء الفرنسي ضد المغرب جاءت كرد فعل على إجراءات مماثلة أطلقها حقوقيون صحراويون ضد قيادات جبهة البوليساريو في إسبانيا حيث يجري قاض إسباني تحقيقات منذ 2007 حول اتهامات صحراويين لقيادات جبهة البوليساريو باقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ويقول أكاي «ملفنا قوي باعتبارنا صحراويين ولدنا تحت العلم الإسباني وتعرضنا لانتهاكات جسيمة ومحاولات إبادة جماعية من طرف قيادات البوليساريو وميليشياتها على الأراضي الجزائرية في معسكرات تندوف (جنوب شرقي الجزائر)». ويضيف أكاي «التحقيق لا يزال جاريا في هذه القضايا. وخلال الأسبوع الماضي فقط جرى الاستماع مجددا إلى ثلاثة من الضحايا والشهود في هذا الملف من طرف قاضي التحقيق الإسباني». ويضيف أكاي أن من أبرز الشخصيات المتهمة في هذا الملف إبراهيم محمود بيد الله الملقب «كريكاو»، والذي يشغل منصب مدير المخابرات العسكرية لجبهة البوليساريو، وهو أخ شقيق لمحمد الشيخ بيد الله رئيس مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان) المغربي.
وحول الأحداث الأخيرة في فرنسا يقول أكاي «لا قياس مع وجود الفارق. فملف الصحراويين في إسبانيا ملف حقوقي محض ويتعلق بجرائم ضد الإنسانية ويرتكز على أحداث ووقائع حقيقية. أما الملفات الثلاثة التي حركها أنصار جبهة البوليساريو في فرنسا فهي مجرد محاولات فاشلة للتوظيف السياسي لملفات لا علاقة لها بحقوق الإنسان».
ثلاث شكاوى حول التعرض للعنف جرى تحريكها حتى الآن في فرنسا ضد الأمن المغربي. الأولى شكوى عادل المطالسي المتهم بتهريب المخدرات، والتي يتولى الدفاع فيها المحامي الفرنسي جوزيف بريهام. ونفس المحامي يتولى القضية الثانية في نفس الموضوع والتي رفعها الناشط الانفصالي الصحراوي النعمة أسفاري، المحكوم عليه في المغرب بالسجن مدة 30 سنة في قضية أحداث الشغب التي اندلعت بمدينة العيون في 2011 على أثر حل اعتصام مخيم كديم إزيك، والتي جرى خلالها قتل 11 رجل أمن مغربي والتمثيل بجثتهم.
ونفس المحامي يدافع في قضية أخرى مشابهة أطلقتها زوجة أسفاري، الفرنسية كلود منجان، رئيسة الجمعية الفرنسية لمساندة البوليساريو. أما الشكوى الأخرى بالتعرض للتعذيب في المغرب فوضعها زكريا المومني، الفرنسي من أصل مغربي، الذي قضى في المغرب عقوبة سجن مدتها ثمانية أشهر بتهمة النصب والاحتيال، كونه أخذ مبالغ مالية من مغاربة لقاء وعود بتسهيل تهجيرهم إلى فرنسا.
من جانبه، يرى عبد الفتاح البلعمشي، مدير المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن العلاقات المغربية - الفرنسية لم تتأثر بشكل كبير من جراء ما حدث، مشيرا إلى أن المسؤولين الفرنسيين وكذلك الإعلام الفرنسي فطنوا إلى وجود أياد وراء الستار تحرك الخيوط. وقال البلعمشي لـ«الشرق الأوسط» إن احتجاج المغرب ورد فعله كان قويا، خصوصا قرار تعليق اتفاقيات التعاون القضائي، وتنظيم القوى السياسية والمجتمع المدني لوقفات احتجاجية. وأشار إلى أن «هذا الرد القوي كان يهدف إلى تنبيه الإدارة الفرنسية بأن جهات معادية للمغرب ومصالحه في الصحراء هي التي حركت هذه القضايا لأهداف سياسية لا علاقة لها بحقوق الإنسان».
وأضاف البلعمشي «حاليا لا يمكن الحديث عن أزمة دبلوماسية بين المغرب وفرنسا جراء ذلك، وإنما بتوتر في العلاقات. والمطلوب الآن من فرنسا هو توضيح ما حدث والتحقيق في أسبابه وفي الأطراف التي تقف خلفه».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.