زرت قبل سنوات مكتب أحد الناشرين العرب الكبار في بيروت لإلقاء التحية على الصديق مدير المكتب والتعرف على طبيعة عمل دار النشر تلك. وكانت المفاجأة هي حجم المكتب ووضعه وعدد العاملين فيه. كان مكتبًا في شارع رئيس من شوارع بيروت ولكني وجدت صعوبة في العثور عليه لكثرة البنايات وتشابهها وتداخلها والأسوأ من ذلك صعوبة التمييز بين أبوابها، أي معرفة أي باب يؤدي إلى أي بناية، كما هو الحال في الكثير من المدن العربية العتيقة بشكل خاص.
لعل الإشارة إلى وضع البنايات تحمل الكثير من التفاصيل الأخرى، فالمكتب، الذي قيل لي إنه لا يختلف عن غيره ليس في بيروت وحدها وإنما في مدن عربية أخرى، كان صغيرًا بكل المقاييس: موظفان أو ثلاثة إلى جانب المدير. الأثاث كان متواضعًا، بل شديد التواضع، قياسًا إلى مكاتب فارهة لا تبعد عن حيث كنا إلا بمسافة قصيرة، لكنها لم تكن مكاتب ناشرين أو أهل ثقافة ومعرفة. ورغم حزني لوضع المكتب فقد شعرت بإعجاب كبير لقدرة هؤلاء، على تواضع إمكاناتهم، على إنتاج كل تلك الكتب فيشكلوا بذلك بوابة كبرى من بوابات الثقافة العربية.
صناعة النشر في الوطن العربي تهم الجميع، المؤلفين والكتاب بشكل خاص، لكنها ينبغي أن تهم كل من له صلة بالقراءة والثقافة بوجه عام. ما قلته في مقالة سابقة عن قلق الكتابة وهموم التأليف يستلزم الوقوف وإن باختصار عند صناعة النشر التي لست من أهلها، لكني معني بها بحكم أني مؤلف وكاتب وقارئ، وأهم من ذلك بحكم أني معني بالشأن الثقافي الذي يهم كثيرين غيري والذي من دونه لن يكون لنا مستقبل في المعرفة أو مدارج التحضر. غير أن صناعة النشر ليست شأنًا ثقافيًا فحسب، وإنما هي شأن تجاري أيضًا وربما في المقام الأول. يختلف ذلك حسب الناشرين بالتأكيد، لكن من دون مردود تجاري ليس للنشر الذي يعتمد عليه في تغذية الحياة الثقافية أي أثر.
العلاقة بين الناشر والمؤلف العربي مثقلة بقضايا وتهم كثيرة ومتبادلة وقد لا تكون التهم في محلها، وليس هذا مكان الدخول في تفاصيلها سيما وأنها معروفة لدى كل ذي شأن، والمؤسف هو ندرة الحوار المنظم - أي من خلال مؤتمر أو ندوة - بين أطراف المعرفة الثلاثة، الناشر والمؤلف والقارئ، أي المنتج والمستهلك، فلست أتذكر شيئا من ذلك، لكني أفترض حدوثه على ندرته. من المؤلفين، مثلاً، من يشتكي من جشع الناشرين والاستئثار بحقوق النشر، كما يشتكون من سوء توزيع أعمالهم. في حين أن القراء يشتكون من غلاء الكتب، أي جشع الناشرين من زاوية أخرى. أما الناشر فيتهم القارئ بسوء فهم صناعة النشر نفسها وما يكتنفها من صعوبات وضعف في المردود. الجميع بتعبير آخر يرون أنفسهم «منشورين»، لا كما تنشر الكتب وإنما كما ينشر الخشب.
بعيدًا عن صحة التهم المشار إليها أو عدم صحتها، المؤكد هو أن الجميع ضحايا وضع ثقافي عام يحتفل فيه بالعادي والأقل من العادي من أنواع التأليف أكثر مما يحتفى فيه بالمتميز علمًا أو فنا أو فكرًا فيكون المردود من العادي والأقل من العادي جراء ذلك مردودا أعلى، الأمر الذي يدفع بصناعة النشر إلى تلقفه مضطرة. أما نتيجة ذلك فمعروفة: صراع من أجل البقاء يبذله الجادون من الناشرين والمؤلفين والقراء الجادين، أقطاب الثقافة التي يعتمد عليها ويعقد عليها الأمل إنتاجًا واستهلاكًا. ذلك بالتأكيد وضع يكاد يكون عالميًا ليس في النشر وحده وإنما في ميادين كثيرة أخرى، وهو لا يعني بطبيعة الحال أن الجيد والمهم لا يلقى اهتمامًا واحتفاءً، لكن المقارنة بينه وبين غيره غير واردة. فكتاب يجمع صاحبه عددًا من التغريدات أو قصائد الغزل أو كتاب في أحدث الموضات أو الطبخات أو حول لاعب كرة أو ممثل سيبيع دون شك أكثر من كتاب في الفلسفة أو في التحليل التاريخي أو الدراسة الأدبية، ناهيك عن كتاب في الفيزياء، كما أن رواية تحتدم فيها العلاقات العاطفية ويعلو صوت الرغبات الحسية ستبيع أكثر من رواية تتعمق الوضع الإنساني بجماليات رفيعة وسرد متقن. ولعل من الطبيعي أن يضطر كثير من الناشرين إلى أعمال متوسطة وأقل من المتوسطة إن كانت ستجلب مالاً بعناوينها المثيرة أو موضوعاتها القريبة من رغبات الشارع. لأن هذه تدعم تلك، إي أننا أمام وضع غريب الضعيف فيه هو الذي يدعم القوي.
ما أشير إليه هنا اسمه ضغط السوق. وهو ضغط يضاف إليه ضغط آخر تمارسه قوة أخرى فتزيد من الصعوبات التي تواجهها صناعة النشر. أقصد أجهزة الرقابة العربية. المنع والسحب، أي منع الناشرين وسحب الكتب من المكتبات والمعارض الدولية، ممارسة معروفة تقوم بها أجهزة الرقابة لمعاقبة مخالفين حسب لائحة بعض ما تتضمنه وجيه وبعضه غير وجيه، وأكثره فيه نظر. المشكلة أن تلك اللوائح تخضع لتقديرات وتفسيرات أشخاص هم في الغالب غير مؤهلين وأبعد ما يكونون عن ثقافة الكتب. هي لوائح مطاطة بطبيعتها وتسمح بإجراءات كثيرة أكثرها يؤدي إلى مصادرة الكتب ومنع الناشرين، والنتيجة هي معاناة أكثر لصناع الثقافة الجادة ومسوقيها ومتلقيها من مؤلفين وناشرين وقراء. ولكن النتيجة الأسوأ هي ما تحدث عنه البعض مؤخرًا من أن بعض الناشرين تأقلموا مع الوضع فصاروا يمارسون الرقابة مسبقًا، فلا ينشرون ما يخشون منعه إما برفضه نهائيًا أو بمطالبة الكتاب «بتنقية» الكتب مما يخشى الاعتراض عليه، وإن نشروا ما يخشون الحيلولة دون تسويقه انتقوا الأماكن التي لا يخشى منها بعيدًا عن الأماكن التي يخشى تشددها. هذه الرقابة الذاتية معروفة طبعًا لدى المؤلفين والكتاب أصلاً فيخضع البعض أو الكثير منهم لها منذ البدء، لكنها إذ تصل إلى الناشر فإنها بطبيعة الحال تتفاقم فيضيق الهامش الذي يحاول البعض توسيعه فيتسع بذلك التساؤل حول كتب لم تر النور وأخرى رأته منقوصة أو مشوهة.
مشكلة أخرى تزيد الوضع سوءًا هي أن كثيرًا من الناشرين العرب يفتقرون إلى عناصر من شأنها رفع سقف المنتج نوعيًا على الأقل. معظم الناشرين ليس لديهم قراء رفيعو المستوى، أو محررون يستطيعون تجويد الكتابة واقتراح ما يضاف وما يحذف، ليس على أساس رقابي، وإنما على أساس معرفي وفني. المحرر بالذات عنصر مهم في صناعة النشر وهو غالبًا متخصص ذو قدرات عالية. لكن كأني أسمع شكوى الناشرين هنا: من أين لنا بالدخل الكافي لكي نوظف مثل أولئك. هل علينا أن ننشر المزيد من كتب الطبخ والنفخ لكي ندفع للقارئ المدقق والمحرر المتمكن وننشر المزيد من الكتب لا المزيد من الخشب؟ أم علينا أن ننصاع لجهة ما تمول أعمالنا فننشر ما تريد أن ننشره أكثر مما نريد أن ننشر؟
النشر العربي.. الناشر والمنشور
صناعته ليست شأنًا ثقافيًا فحسب وإنما هي شأن تجاري أيضًا
صناعة النشر في الوطن العربي ينبغي أن تهم كل من له صلة بالقراءة والثقافة
النشر العربي.. الناشر والمنشور
صناعة النشر في الوطن العربي ينبغي أن تهم كل من له صلة بالقراءة والثقافة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





