الأسلوب «السبور».. التوجه الجديد في عالم الموضة الرجالية

المزج بين الكلاسيكي المفصل والمريح المنطلق موجة يصعب على الكل ركوبها

من خط «زي _زينيا» لربيع وصيف 2016
من خط «زي _زينيا» لربيع وصيف 2016
TT

الأسلوب «السبور».. التوجه الجديد في عالم الموضة الرجالية

من خط «زي _زينيا» لربيع وصيف 2016
من خط «زي _زينيا» لربيع وصيف 2016

لن يلومك أحد إن اشتكيت بأن الموضة تحيرك وبأن المصممين يلعبون معك لعبة القط والفأر. فأنت ما إن تقتنع بأسلوب معين وتتقبله، أحيانا على مضض، حتى يفاجئوك بما يناقضه، بحجة التجديد وتقديم الجديد. أكبر دليل على هذا أنهم بعد أكثر من عقد من الزمن وهو يجتهدون لإقناعك بالعودة إلى البدلة وكل ما يتعلق بها من إكسسوارات ومكملات، ها هم اليوم يحاولون إقناعك بأن تتبنى الأناقة المطبوعة بلمسة «سبور»، وحتى لا تكون هذه الخطوة صادمة يحاولون تخفيف تأثيرها بتشجيعك على مزج البدلة الكلاسيكية، التي تعودت عليها، بقطع منفصلة واكسسوارات تتميز بالانطلاق والراحة.
ويبدو أن محاولاتهم تجد لها صدى في الشارع بالنظر إلى عدد الشباب تحديدا، الذين تقبلوا سريعا فكرة تنسيق بدلاتهم المحددة على الجسم مع أحذية «رياضية»، الأمر الذي يخلق لوحة تخلق تناقضا متناغما يثير الإعجاب.
ما يجب أن تتذكره سيدي الرجل، أن الحالة الاقتصادية تبرر الوسيلة التي يعتمدونها للوصول إلى خزانتك، والتوقعات الاقتصادية لعام 2016 غير مطمئنة، والكل في عالم الموضة ينعي ويبكي، رغم محاولاتهم المستميتة أن يعكسوا صورة متفائلة حتى لا تُؤثر عدم الثقة في المستقبل على الأسواق. ما من شك أنهم يكتوون بنار الأزمة، ورغم المحاولات التي قاموا بها للتصدي لها، فإن شبحها لا يزال يؤرقهم. الأزياء الرجالية هي القطاع الذي يمنحهم بصيصا من الأمل نظرا لتناميه المتسارع مقارنة بغيره، بفضل إقبال الشباب على الموضة وتقبلهم لها كوسيلة للتعبير عن أنفسهم وشخصياتهم. لهذا ليس غريبا أن تشكل هذه الشريحة هدفا بالنسبة لصناع الموضة يحاولون جذبه وإغراءه بكل الوسائل. والأهم من هذا عدم التراخي في تقديم الجديد، حتى لا يمل ويعود إلى سابق عهده حين كان يكتفي بما يرتاح إليه. فقد أدركوا أنهم لكي يحافظوا على اهتمامه وولائه، عليهم أن لا يتركوه يتآلف مع أسلوب واحد لوقت طويل.
هذا الرجل، كما يصفونه، ناجح يتنقل بين القارات للعمل، ويقضي إجازاته، إما في جزر الكاريبي أو في الريفييرا الفرنسية أو غاشتاد السويسرية وغيرها من المنتجعات المترفة. ليس هذا فحسب، فهو أيضا متحمس ومنفتح على الاستثمار في مظهره ولا يتحرج من استعراض نجاحه، أيا كان الثمن، ما دام هذا المظهر مترفا ومتميزا. هذه الرغبة في التميز والحصول على قطع فريدة تتجاوز الأزياء والإكسسوارات إلى منتجات أخرى قد تكون صندوقا لا مثيل له يحفظ فيه سيجاره الكوبي الفاخر، أو خزانات مبتكرة تضم كل أزيائه، يمكن أن تنتقل معه بسهولة خلال أسفاره الطويلة، فتُشعره بالدفء والأمان لأنه محاط بكل أغراضه الحميمة والعزيزة على قلبه.
هذا هو الرجل الذي يحلم صناع الموضة بالوصول إليه بأي شكل. في السنوات الماضية باعوا له أسلوب الـ«داندي» العصري من خلال البدلات المفصلة وإكسسواراتها المختلفة، من الصديري وربطة العنق إلى القميص الحريري، ومنديل الجيب والأحذية الملونة وغيرها، والآن يراهنون على قدرته على المزج بين الأساليب، أي بين الكلاسيكي و«الكاجوال» لبيع القطع المنفصلة. نظرة سريعة إلى ما يلبسه الشباب في الشوارع العالمية حاليا، تؤكد أنهم حققوا هدفهم، فالأناقة العصرية في هذا الموسم لا تركز على التفصيل وحده، بقدر ما تركز على ذلك الأسلوب الشبابي الحيوي المنطلق، الذي أطلقوا عليه الأسلوب «السبور» ويزاوج بين الاثنين. تجدر الإشارة إلى أنه ليس أسلوبا جديدا، بل يتكرر أمام أعيننا منذ مواسم، الفرق أن جرعته زادت هذا الموسم إلى حد الخطر، لأنهم لو أضافوا إليه جرعة واحدة أخرى لأصبح مجرد تقليد واستنساخ للملابس الرياضية، وهذا تحديدا هو المطب الذي على الرجل أن يتجنبه.
لحسن الحظ أن كبار المصممين اكتفوا بالاستلهام من الرياضة، بأخذ تفاصيل بسيطة مثل السحابات والأقمشة المريحة والأحزمة المطاطة، في قطع يعرفها الرجل جيدا، مثل جاكيت الجلد و«تي-شيرتات» البولو والكنزات ذات القلنسوات وبنطلونات واسعة من الكشمير وغيرها. الجديد هنا طريقة تنسيقها مع سترات أو بنطلونات مفصلة، وهو ما يطلقون عليه عنوان «التفصيل السبور».
وقد يشمل هذا المظهر سترة توكسيدو مع حذاء «سنيكر»، أو بدلة مفصلة ببنطلون يعلو الكاحل و«تي-شيرت» من القطن يمكن إضافة جاكيت قصير من الجلد أو كنزة سميكة بسحاب فوقها للاحتماء من البرد مثلا.
عندما سئل مصمم «ديور أوم» البلجيكي كريس فان آشي عن هذا التوجه الذي عانقه بقوة، أجاب: «عندما أنكب على التصميم، أتصور رجلا أنيقا يتوجه لحفل أوبرا راكبا دراجة هوائية أو لوح تزلج». ورغم أن هذه الصورة لا توجد إلا في مخيلة المصمم إلا أنها تترجم رؤيته ورغبته الجمع بين الأناقة الراقية والرسمية وبين الأسلوب الشبابي المتحرر من القيود، وهو ما تابعناه في عرضه لموسمي الربيع والصيف الحاليين.
جون راي مصمم دار «دانهيل» البريطانية، من بين أكثر من نجحوا في تلخيص هذه الرؤية رغم أن الدار معروفة بشخصيتها الإنجليزية القحة، ولغتها الكلاسيكية التي تخاطب رجلا يميل إلى الرسمية. ما يُحسب له أنه لم يغير جلده لكي يركب هذه الموجة، بل العكس تماما طوعها لتعكس أسلوبه الإنجليزي بالحفاظ على أساسياتها والاكتفاء بمنحها خطوطا واسعة ومريحة. تفسيره كان تصميم «أزياء يرغب فيها الرجل.. نحن نحتاج إلى ما هو أكثر من بدلة مكونة من قطعتين.. نحتاج إلى قطع أقل رسمية». وهذا ما ظهر في تصاميم أكثر اتساعا سواء تعلق الأمر بالكنزات الصوفية أو بالقمصان والبنطلونات ذات الطيات الأمامية. وجاءت النتيجة تضج بالرجولة وتبتعد إلى حد ما عن الرجل الصبياني المقاييس، التي يروج لها البعض من أمثال هادي سليمان وراف سيمونز وغيرهما. جون راي ليس وحده في هذا الرأي، بل يوافقه عليه توماس ماير، مصمم دار «بوتيغا فينيتا»، وباتريك غرانت وإي.توتز وجيورجيو أرماني وآخرون، ممن يؤمنون بأن الأحجام والأسلوب المريح مهمان إلى جانب التوازن، خصوصا أنه ليس كل الرجال يتمتعون بمقاسات عارضي الأزياء، كما ليست لهم الإرادة الكافية لإنقاص أوزانهم كما فعل كارل لاغرفيلد منذ أكثر من عقد من الزمن لكي يتسنى له الاستمتاع بتصاميم هادي سليمان، الذي كان آنذاك مصمم «ديور أوم».
بيد أن المسألة لا تتعلق بالوزن وحده، بل أيضا بالعمر، فشريحة كبيرة من الرجال الذين يتوجه لهم هؤلاء المصممين، تعدوا الأربعين من العمر، أي من الجيل الذي عايش انتعاش قطاع الأزياء الرجالية ووقع في حب الموضة عموما وبالتالي لا يريد أن يُفرط في متعته بها. بدورهم لا يريد المصممون التفريط في هذا الزبون المقتدر، ويحاولون إيجاد حل وسط يُبقيه في الملعب وفي الوقت ذاته يمنحه الأناقة المطلوبة رغم صعوبة الأمر. فبينما استهدف التفصيل الشباب والكهول، فإن الأسلوب الـ«سبور» يحتاج إلى عملية تسويق ذكية لإقناع الكل بها.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.