قد يكون الاستنتاج الرئيسي الذي يزودك به فيلم «كاش فلو2» الذي انطلق أخيرًا في صالات السينما في لبنان، هو تثبيته لموقع السينما اللبنانية في خط الكوميديا الخفيفة (لايت كوميدي). فقد استطاع هذا العمل بما يتألف منه من نص انسيابي وخلطة أداء متألق وإخراج متقن، أن يحمل في طياته مستوى هوليووديًا تعززه حبكة سينمائية راقية صنعت بحذافيرها في لبنان.
الفيلم الذي يأتي كتكملة للجزء الأول منه وقد شاهدناه في عام 2012، لا يعالج معضلة اجتماعية أو يحمل هموم المواطن اللبناني أو قصة من واقع الحرب التي ألمت به، بقدر ما هو عمل متكامل يصب هدفه الأول والأخير على إضحاك مشاهده، بحيث لا يمكنك تشبيهه بأي عمل سبقه من هذه الفئة. فبدل أن يشغل تفكيرك بتفكيك رموز نص أو بتشريح خفايا شخصياته، يدعوك إلى تمضية 90 دقيقة بعيدًا عن الهموم اليومية، فتغرق في مقعدك مرتاحًا متحررًا، وهو يقدم لك الابتسامة على طبق من فضة.
اللافت في هذا الفيلم «تغليفته»، فهي لم ترتكز على تلميع المشاهد بعناصر تجارية أو تلوينها بعملية قيصرية لاستدراك النكتة، بل على أداء ممثلين أدوا النص ببساطة، ليؤلفوا بأدائهم الطبيعي والمحترف، والمرفق بخطة ذكية ومدروسة من قبل المخرج وكاتب العمل سامي كوجان، فيلما سينمائيا ناجحا رغم أنه يعد من فئة الأفلام التجارية المعروفة بـ«pop corn film»، التي يصب هدفها على إيرادات شباك التذاكر وليس على مشاركته في مهرجان سينمائي.
يحكي الفيلم قصة شاب لبناني طموح سبق وحصل على فرصة عمره عندما كافأه أحد الأثرياء على إنقاذه من الموت، من خلال إهدائه «فيزا كارد» تؤمن له مبلغ ألف دولار في اليوم الواحد (وهي قصة الفيلم بجزئه الأول). ورغم تنعمه بالمال الوفير، فإنه يعاني من روتين قاتل. وعندما يفتتح شركة خاصة به (في الجزء الثاني من الفيلم)، تواجهه مشكلات مادية مع أحد المحتالين الذي يستولي على شركته عن طريق النصب (يتخفى وراء أعمال البزنس والجمعيات الخيرية)، ليستطيع الإفلات من تهديداته وسرقته له بطريقة ذكية. ولعل مشاركة الممثل غابريال يمين، المعروف بأدائه الممتع في عالم الكوميديا واحترافه هذا الفن الصعب بأسلوبه السهل الممتنع، الذي يعلمه شخصيًا لطلاب الجامعات، كانت بمثابة النقطة على السطر التي أمنت للفيلم صحة وسلامة الضحكة التي أرادها المخرج سامي كوجان عنوانا رئيسيا للفيلم. ولا يمكننا عندما نتحدث عن فريق الكاستينغ المؤلف من الممثلين كارلوس عازار وتيتا لطيفة وجو قديح وهشام حداد، إضافة إلى رودريغ غصن وأنطوان بلابان وربى زعرور وراشيل نخول وبطرس فرح وأنطوني نجم وجوزف زيتوني، إلا أن نصفق لأدائهم المنسجم، الذي زود الفيلم بجرعة كبيرة من التناغم بين شخصياته وأدائهم العفوي.
«لقد ركزت على كوميديا ردة الفعل» يقول المخرج سامي كوجان المتأثر بالكوميديا الأميركية أكثر من الأوروبية. ويضيف: «لقد فكرت بكل شيء فاخترت فكرة خارجة عن المألوف، وقمت بعملية مونتاج دقيقة لعبت دورا في إيصال النكتة بسلاسة للمشاهد. فآثرت أن لا يتجاوز وقتها الثواني الثلاث، وهي برأيي كافية ليستوعبها المتلقي، بعد أن تدغدغ أفكاره فيضحك على أثرها».
لا يقيدك إيقاع الفيلم بأسلوب واحد، فجاء سريعا حينا وبطيئا في مشاهد أخرى، وضّبت غالبيتها باحتراف، فلا تمل منها أو تشعر بالتكرار. حتى إن كادرات التصوير التي استخدمت فيها عدسات كاميرات ذات تكنولوجيا متطورة تنعكس نقاوة ووضوحًا على تلك المشاهد، التقطها المخرج عن بعد مرات وعن قرب (close) مرات أخرى فلم تشكل أي إزعاج لمتابعها، بل خدمت حيثيات المشهد في قالب مرئي ومسموع استفادت منه الصورة وتألقت معه حركة الممثلين في آن.
حتى العبارات الفكاهية التي استخدمت في النص مثل «أحسن ما خلي ذكرياتك تطرطش عالحيط»، التي استعملها المؤلف للإشارة إلى تهديد بالقتل (في سياق المشهد)، لم تأخذنا إلى أجواء العنف كما هي تعني في حقيقتها، بل إلى لعبة ذكية في التعبير هدفها عدم خدش حرم الضحكة. «كان همي الابتعاد عن الأساليب الرخيصة التي يعتمدها البعض في هذا النوع من الأفلام، والتي تستدرج المشاهد للضحك من خلال كلمات نابية، فوضعتها في قالب كاريكاتيري ليكون وقعها أهم». يوضح سامي كوجان الذي يستعد لتصوير فيلم كوميدي جديد (ديليفيري) من بطولة الممثلين فؤاد يمين وايلي متري. ويتابع: «أدعو كل شخص يرغب في أن يروح عن نفسه من خلال عمل يزوده بطاقة إيجابية لمشاهدة هذا الفيلم، فلقد وضعت نفسي مكانه قبل تنفيذ العمل فشعرت بالتسلية، وأدركت أنني أصبت الهدف».
محور الفيلم الأساسي يتلخص بجملة واحدة «المزيد من المال المزيد من المشكلات» (more cash more problems)، كما هو مكتوب على اليافطة الإعلانية للفيلم، وعلى الرغم من ذلك فإن متابعه لا تصدمه مشاهد البهرجة والرفاهية التي عادة ما ترافق أصحاب المال الوفير، بل يخرج من صالة السينما وقد انطبعت في ذهنه عبارات فكاهية أو قفشات مضحكة من أداء كارلوس عازار لحظة تعرفه على الصبية ماريا، فيذكر اسمه «ماريا» بدلا من «مازن» للإشارة إلى تلبكه واتخاذه بطلتها البهية. أو لغابريال يمين (طوني) عندما أراد أن يسكت مساعده (وليد) جوزف زيتوني (ويشكلان معا ثنائيًا ناجحًا)، الذي يدعي المعرفة دائما فيقول له «طبقو»، ليسرع هذا الأخير إلى إقفال قلم الحبر الذي يحمله.
وعما إذا هو يحضر لعمل تلفزيوني كوميدي قال سامي كوجان: «أخاف من التلفزيون كون غالبية أعماله لا تتمتع بالميزانيات المادية المطلوبة لينفذ على أكمل وجه. فشركة (داي تو بيكتشرز) المنتجة لـ(كاش فلو) بجزأيه، وثقت بموهبتي ودعمتني. هذا الأمر لم أجده في عالم التلفزيون، كما أنني لم أتلقَّ حتى اليوم عرضا أعجبني». أما خطوته المستقبلية في عالم الكوميديا فهي ستأخذ منحى «الكوميديا السوداء» كما ذكر لنا، على طريقة المخرج العالمي كوينتين تارانتينو. «سأدخل هذا الأسلوب في أعمالي المقبلة وهي تعد من نوع الكوميديا القاسية»، ولم يخف سامي كوجان إعجابه بممثلين كوميديين عرب وعالميين، أمثال عادل إمام وجيم كاري اللذين يتابع أعمالهما منذ نعومة أظافره.
مشاهدة فيلم «كاش فلو 2» مسلية لشخص معجب بالكوميديا الخفيفة ولمتابعة أعمال الشباب اللبناني في عالم السينما ككل. ولمن يبحث عن لحظات من الفرح، فإن «كاش فلو 2» سيكون بمثابة نافذة يتنفس منها الصعداء، فيتلذذ بطعم الابتسامة وهي ترسو على ثغره لمدة 90 دقيقة، خصوصا أنها تستوفي بمضمونها الشروط المطلوبة للمقولة الشهيرة «اضحك تضحك لك الدنيا».
«كاش فلو 2» يثبت موقع السينما اللبنانية في خط «اللايت كوميدي» الحديث
المخرج سامي كوجان: أركز في أفلامي على كوميديا ردة الفعل.. وتأثرت بعادل إمام وجيم كاري
مشهد يجمع عددًا من أبطال فيلم «كاش فلو2» - بطلا الفيلم كارلوس عازار وغبريـال يمين في أحد المشاهد الختامية لفيلم «كاش فلو2»
«كاش فلو 2» يثبت موقع السينما اللبنانية في خط «اللايت كوميدي» الحديث
مشهد يجمع عددًا من أبطال فيلم «كاش فلو2» - بطلا الفيلم كارلوس عازار وغبريـال يمين في أحد المشاهد الختامية لفيلم «كاش فلو2»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

