مهرجان برلين ينطلق اليوم في دورته الـ66 بمشاركة 400 فيلم

فيلم الافتتاح للأخوين كووَن وتدور أحداثه في رحى هوليوود الخمسينات

جورج كلوني أحد حضور حفل الافتتاح  -  من الفيلم البريطاني «عبقري»
جورج كلوني أحد حضور حفل الافتتاح - من الفيلم البريطاني «عبقري»
TT

مهرجان برلين ينطلق اليوم في دورته الـ66 بمشاركة 400 فيلم

جورج كلوني أحد حضور حفل الافتتاح  -  من الفيلم البريطاني «عبقري»
جورج كلوني أحد حضور حفل الافتتاح - من الفيلم البريطاني «عبقري»

يستطيع الواحد منا سريعًا وصف مهرجان «كان» بأنه يشبه منارة عالية، ومهرجان «فنيسيا» يماثل حفلة ساهرة على الشاطئ، لكن كيف يمكن للمرء اختيار كلمة واحدة لوصف مهرجان بحجم برلين؟.
الدورة الـ66 من أكبر المهرجانات وتنطلق في الحادي عشر من هذا الشهر وتستمر حتى الحادي والعشرين منه، وقوامها نحو 400 فيلم يعرضها ليل نهار على مدى أيامه، مستقبلاً ألوف الضيوف والمقيمين من مختلف أنحاء العالم ومشارب العمل السينمائي.
إنه حفل كبير يُقام تحت بصمات إدارية عملاقة يتوخى الاحتفاء الكبير بكل ما هو سينما: ثقافة وفن وتاريخ ومخرجين وممثلين ونقاد. أفلام حديثة وأفلام كلاسيكية قديمة. مسابقات وتظاهرات عدّة تساويه أهمية. أقسام كل منها يمكن له أن يتبلور لمهرجان منفصل. بعضها، مثل قسمي «بانوراما» و«الفورام» يُـشاد بميزانية مهرجان كبير في بعض الدول الأخرى. إداريًا هو مهرجان المحترفين الذين - تبعًا للتقليد الألماني - لا يمكن لهم الإقدام على شيء غير متكامل.
* حضور أميركي
في زمن تتوسع فيه ظاهرة المهرجانات «نحو 4000 حول العالم»، حيث الكثير منها ليس أكثر من مناسبات وتظاهرات، يحرص مهرجان برلين على إحساس المشتركين فيه بأنه مهرجان فعلي وليس فقط «غرافيتي» سينمائي على جدار الزمن. بات من المكرر القول إنه أحد أهم ثلاثة مهرجانات حول العالم. مهرجان كان في الربيع وفينيسيا في الخريف وبرلين في الشتاء. فصول السنة لا تعرف الراحة. كل مهرجان يكشف عن أوراقه مثل نباتات الموسم الخضراء. بعضها يعيش في فصل معين أفضل من بعضها الآخر. وكل مهرجان يكتنز من الأعمال الأولى ما يجعل المعروض في معظم مهرجانات العالم ينتمي إلى ثلاث حالات: إما أفلام كانت عجزت عن الوصول إلى أحد من هذه المهرجانات الثلاثة، وإما أفلام محلية أو إقليمية الصنع لا تستطيع الخروج إلا لمهرجانات صغيرة خارج حدودها، أو أفلام تم جمعها من المهرجانات الكبرى لتشكل النسبة الكبيرة تعرضه المهرجانات الأصغر.
مسابقة الدورة الجديدة تضم 23 فيلما، أكثر مما ضمّت مسابقتي «كان» و«فنيسيا»، كل على حدة. وأفلامها انتخبت بعناية من يريد التأكيد على أن حال السينما، فنًا وصناعة، ما زال بخير وبل ربما أفضل من المتوقع في ظل كل الظروف التي تشمل العالم على مستويات الصناعة والاقتصاد وتعدد وسائل الإنتاج ومشاهدة الأفلام.
فيلم الافتتاح اختير ليكون «مرحى، قيصر»، آخر إنتاجات الآلة الإبداعية للأخوين إيتان وجووَل كووَن: كوميديا ساخرة (كعادة كوميديات الأخوين) تدور في رحى هوليوود الخمسينات وتتوزع مهام أحداثها على منتج (جوش برولين) وممثل (جورج كلوني) وصحافية سينمائية (سكارلت جوهانسن)، مع شخصيات تدور في فلك نظام الاستوديوهات في تلك الفترة وتناقضاته.
على عكس «جاذبية» الذي افتتح مهرجان فنيسيا قبل عامين وكان من بطولة كلوني أيضًا، فإن هذا الفيلم ليس مشاركًا في المسابقة التي تضم أعمالاً كلها «وورلد برميير» (العرض العالمي الأول).
هناك ثلاثة أفلام أميركية في المسابقة، لكن النسبة الغالبة هي للأفلام الفرنسية إذ يعرض المهرجان خمسة أعمال، هي إما فرنسية بالمطلق أو فرنسية مشتركة مع دول أخرى. فيلم المخرج البوسني دانيش تانوفيتش «موت في سراييفو» وهو مثل فيلم الأخوين كووَن، كوميديا ساخرة لكنه قد يكون أكثر تعاملاً مع مسائل اجتماعية لا يمكن لتانوفيتش، المعروف بجدّيته، التغاضي عنها، فالموضوع يكمن في أن دبلوماسيين أوروبيين سيزورون المدينة وسيحطون الرحال في أفضل فنادقها، لكن ما لا يعرفه هؤلاء أن عمال الفندق وموظفيه قرروا القيام بإضراب في الفترة ذاتها، لأنهم لم يقبضوا رواتبهم منذ شهور.
الأفلام الفرنسية الأخرى هي «سانت أمور» لغوستان كرفرن وبطولة جيرارد ديبارديو، و«أن تكون في السادسة عشر عمرًا» لأندريه تاشينيه، و«أخبار من كوكب المريخ» لدومينيك مول، و«أشياء مقبلة» لمايا هنسن لوف، وهو إنتاج مشترك مع ألمانيا ومن بطولة إليزابث أوبير.
* هجمة عربية
في المسابقة أيضًا ثلاثة أفلام ألمانية (وألمانية مشتركة) ثم فيلم واحد من كل دولة أخرى وهي كندا والبرتغال وتونس والصين وبريطانيا وإيطاليا والفلبين وإيران والدنمارك ونيوزيلندا وبولندا.
الفيلم التونسي «نحبك هادي» للمخرج الشاب محمد بن عطية. إنه الاشتراك التونسي الأول في التاريخ الطويل لمسابقة المهرجان على الأرجح وأحد الاشتراكات العربية القليلة التي اختارتها إدارات المهرجان المتعاقبة لتدخل السباق صوب الدب الذهبي.
لكن هذا، على أهميّته الكبيرة، ليس الفيلم العربي الوحيد ولا حتى من بين حفنة أفلام عربية موزّعة في جوانب المهرجان الألماني كالعادة، هذا العام، عنوة عن أي عام سابق، أكثر من خمسة عشر فيلمًا عربيًا جاءت من دول مختلفة تعرض في أقسام المهرجان المختلفة، من بينها فيلم تونسي آخر عنوانه «ثورتي» لرمزي بن سليمان.
ومن الجزائر هناك فيلم للمخرج المعروف رشيد بوشارب بعنوان «الطريق إلى إسطنبول». بوشارب هو فرنسي الإقامة والعمل ولو أن بعض أفلامه السابقة تم تقديمها باسم الجزائر، وهو حال هذا الفيلم أيضًا.
من المغرب فيلم «جوّع كلبك» لهشام لعسري وهو فيلمه الرابع، ويتناول موضوعًا سياسيا أيضًا (كحال معظم الأفلام العربية المشاركة).
هناك فيلم فلسطيني بعنوان «عودة إنسان» لمهدي فليفل، واحد من الذين احتفت بهم المنابر السينمائية قبل أعوام قليلة عندما قدّم «عالم ليس لنا». وهناك من السعودية فيلم عنوانه «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ، وفيلم واحد من مصر هو «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد. إلى كل ذلك مجموعة من الأفلام القصيرة من لبنان ومصر.
هذا الحشد من الأفلام العربية لا يثير الغرابة، إذ إن هناك آلية إنتاج منتشرة حاليًا لم تكن موجودة، بهذا الحجم وهذا الشأن، قبل عشر سنوات. زاد من انتشارها ثلاثة عوامل متوالية ومهمة.
من ناحية هناك الثورات العربية التي اندلعت في تونس ومصر وسوريا وليبيا، وأثمرت، في ثلاث من هذه الدول عن إنتاجات متكاثرة تتعرض للأحداث وما تبعها إلى اليوم. تنضم إلى هذه الأفلام، وعلى نحو تلقائي، تلك التي تتعامل وظروف الحرب في الوقت الذي ما زالت فيه بعض الإنتاجات العربية (كاللبنانية مثلاً) تتعرض لتبعات حروب سابقة.
من ناحية ثانية، هناك عامل المهرجانات العربية التي، سعيًا لكسب وقود جيّد لبرامجها، ساعدت الكثير من السينمائيين العرب، ما أدّى لارتفاع عدد المنتج تلقائيًا.
الناحية الثالثة، هي أن كاميرات الدجيتال تقدّمت كثيرًا خلال السنوات العشر الأخيرة، بحيث لم يعد من السهل تصوير الأفلام باستخدام كاميرات صغيرة وخفيفة، بل تطوّرت تقنيات هذه الكاميرات، بحيث باتت تمنح المخرجين نتائج أفضل، خصوصًا إذا ما كان المصوّر يملك ذوقًا فنيًا جيدًا.
وهناك ناحية رابعة مرتبطة بالنواحي التقنية المذكورة، وهي أن التصوير بالديجيتال أرخص كلفة ما ساعد على إنجاز أفلام أكثر بأوقات أقصر.
* رحلات في الزمن
بالعودة إلى برنامج المسابقة نجد خليطًا من الدول الأخرى المشتركة لجانب تلك المذكورة أعلاه، ليس فقط بالنسبة للدول التي تمثلها، لكن أيضًا بالنسبة لمضامين تلك الأفلام وتنويعاتها الشكلية والأسلوبية.
سيكون من المثير انتظار فيلم ميغويل نونز «رسائل من الحرب» المأخوذ عن رسائل بعث بها طبيب برتغالي وجد نفسه في رحى الحرب الأنغولية خلال عام 1971، بدوره يمضي الفيلم البريطاني «عبقري» إلى زمن أبعد. فيلم مايكل غراندايج يتعامل والعشرينات من خلال حكاية ناشر كتب يكتشف كاتبًا عبقريًا غير معروف ويتبناه.
وينتقل «ماهانا» إلى الستينات ليتحدث عن نزاع بين عائلتين من المزارعين ومالكي الأغنام. هذا الفيلم للمخرج النيوزيلندي لي تاماهوري الذي كان انطلق من بلاده محققًا أعمالاً لافتة في الثمانينات. نزح إلى هوليوود بمساعدة شهرته وحقق أفلامًا لا بأس بمستواها العام لكنها بلا تميّز وسط الكثير من أمثالها (منها «مولهولاند درايف» و«الحافة»، كما فيلم جيمس بوند «مت في يوم آخر»). هذا الفيلم هو أقرب إلى إعلان عودته إلى بلاده بعد سنوات الغربة وعقب خمس سنوات على آخر فيلم حققه.
لا هذه الأفلام ولا سواها كافية لتعني أن الشغل الشاغل للمهرجان هو استعادة الماضي، بل هناك ما يكفي من الأعمال التي تقع أحداثها في عصرنا الحالي. أحدها هو للمخرج رافي بيتس، وهو إيراني مهاجر إلى ألمانيا هربًا من جور النظام منذ عقود، سبق له أن حقق أفلامًا لافتة شارك بها، لكن فيلمه الجديد «سوي نيرو» يختلف في أنه يربط حال بطله المكسيكي وحلمه بالهجرة إلى أميركا ببعض حروب الشرق الأوسط، إذ يجد الفرصة متاحة لحمل هوية أميركية إذا ما تطوّع للقتال في بعض الحروب الدائرة هناك.
وعلى النقيض، سيوفر فيلم توماس فيتزبيرغ الدنماركي «وحدة» نظرة على ما قد يحدث إذا ما قام أحد بتأليف وحدة اجتماعية تشمل مجموعة كبيرة من المعارف والأصدقاء لكي تعيش معًا في بيت كبير ورثه. فيتزبيرغ هو من بين المخرجين الذين يفضلون عرض أفلامهم في رحى المهرجان الألماني ويثبتون، في كل مرّة، صواب القرار.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».