أبحاث رائدة لفك رموز الدماغ البشري

خرائط ومخططات ودراسات معمقة «من الجزيئة الواحدة إلى السلوك»

جهاز للقص مزود برأس من الماس يستخدم لتهيئة قطعة من دماغ الفأر لدراستها بالمجهر الإلكتروني وفي الاطار الباحث كلاي رايد
جهاز للقص مزود برأس من الماس يستخدم لتهيئة قطعة من دماغ الفأر لدراستها بالمجهر الإلكتروني وفي الاطار الباحث كلاي رايد
TT

أبحاث رائدة لفك رموز الدماغ البشري

جهاز للقص مزود برأس من الماس يستخدم لتهيئة قطعة من دماغ الفأر لدراستها بالمجهر الإلكتروني وفي الاطار الباحث كلاي رايد
جهاز للقص مزود برأس من الماس يستخدم لتهيئة قطعة من دماغ الفأر لدراستها بالمجهر الإلكتروني وفي الاطار الباحث كلاي رايد

عندما قرر كلاي رايد أن يتخلى عن منصبه أستاذا في كلية الطب التابعة لجامعة هارفارد ليصبح رئيسا لفريق الأبحاث في معهد «ألان للعلوم الدماغية» في سياتل بأميركا في عام 2012، هنأه زملاؤه بحرارة مدركين فورا لماذا قام بهذه الخطوة، بينما هز الآخرون رؤوسهم، فهو قبل كل شيء يغادر واحدة من كبريات الجامعات العالمية للذهاب إلى ما يعادل وظيفة ابتدائية في الإنترنت، وإن تكن ممولة بصورة جيدة وطموحة بعدما تأسست في عام 2003 من قبل بول ألان مؤسس «مايكروسوفت». لقد أراد رايد التحري بكثافة عن جزء من دماغ الفأر، خاصة أن المعهد وفر له إضافة إلى التمويل الجيد، زملاء ممتازين، فضلا عن أن معالجة العلوم تختلف عن بيئة الجامعات الكلاسيكية؛ إذ كان المعهد المذكور قد وضع سلفا خريطة مفصلة عن دماغ الفأر، كما تخصص في عملية التجميع المكثف للمعلومات والبيانات والخرائط الخاصة بكل العلوم تقريبا. ويحاول المعهد اليوم التوسع في هذا المجال عن طريق تجنيد علماء مثل كريستوف كوخ من «معهد كاليفورنيا للتقنيات».

* الجزيئة والسلوك
وبوصفه رئيسا للباحثين، سيقود رايد مجموعة من 100 باحث سيعملون مع العلماء والمهندسين والفنيين في المجموعات الأخرى. وسيركز في عمله على واحدة من الألغاز الخاصة بعمل الدماغ، وفك طلاسم أحد أجزائه في الفأر، والملايين من خلاياه العصبية، وقشرته البصرية، أو حسبما يقول «من الجزئية الواحدة إلى السلوك برمته». والهدف من وراء ذلك فهم كيفية عمل الدماغ البشري الذي يستحيل تطبيق كثير من الأبحاث عليه، خاصة أن أدمغة الفئران والذباب تتشارك في الكثير مع الدماغ البشري.
وينصب عمل رايد، وكذلك عمل العلماء الآخرين على معرفة كيفية عمل الدماغ البشري، ضمن مبادرة إدارة الرئيس أوباما Brain Initiative بمنحة تبلغ 100 مليون دولار، ومنحة الاتحاد الأوروبي البالغة مليار دولار في «مشروع الدماغ البشري» Human Brain Project الذي سيمتد نحو عقد كامل من السنين، فضلا عن مشاريع أبحاث عديدة تقوم بها هيئات عالمية خاصة.
وفي الوقت الذي يهدف فيه مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» Human Connectome Project, في هارفارد الذي ينتشر بين العديد من المؤسسات، لوضع صورة إجمالية عن الترابط والتشارك بين أجزاء الدماغ البشري، تقوم فرق علمية أخرى بالتركيز على الوصول إلى مستويات أكثر عمقا، بينما يهدف باحثو «معسكر جانيليا فارم للأبحاث» في فيرجينيا، التابع لـ«معهد هاورد هيوز الطبي» إلى فهم دماغ الذبابة بشكل كامل، وهو ما أثار إعجاب الدكتور رايد. وكل هذه الأبحاث تبدأ بوضع خرائط، ومن ثم تعزيزها وإغنائها، فإذا نجح رايد ورفاقه في مشروعهم، فإنهم سيضيفون ما يسمى «رمز العمليات الدماغية»، وهي اللغة التي تختزنها الخلايا العصبية وتبثها وتعالجها.
ولكن قد لا تقدم كل هذه الجهود الجواب النهائي، ففي العلوم العصبية، أكثر من أي علوم أخرى، كل اكتشاف يؤدي إلى إثارة أسئلة جديدة، «فمع الدماغ يمكنك دائما الغوص إلى الأعمق»، وفقا لرايد.
تخرج رايد، 53 سنة، متخصصا في الفيزياء والرياضيات والفلسفة في جامعة «يل»، لكن علم الأحياء كان يجذبه، وأكمل بدراسة الطب في جامعتي كورنيل وروكفلر، حيث يقع مختبر الدكتور «ويزل» للأبحاث الذي عمل به أستاذا بعد تخرجه قبل الانتقال إلى هارفارد.

* فك رموز الدماغ
والمهم هنا أن الرياضيات والفيزياء باتتا مهمتين جدا في دراسة الأعصاب. وفي جامعة هارفارد عمل في مشروع «كونيكتوم بروجيكت» لوضع خريطة للروابط والوصلات بين الخلايا العصبية في دماغ الفئران. وكان المشروع يرمي إلى وضع خريطة مفصلة جدا بل أكثر تفصيلا من وضع خريطة للدماغ البشري، عن طريق التصوير بالرنين المغنطيسي (إم آر آي). بيد أن المجاهر الإلكترونية أنتجت صورة ساكنة من شرائح صغيرة مأخوذة من أدمغة محفوظة، فقام مع الدكتور دايفي بوك، أحد طلابه الذي تخرج على يديه ويعمل في «جانيليا فارم» حاليا، بربط دراستهما عن أدمغة الفأر النشطة بالصور المفصلة عن تركيب الشرائح الدماغية التي التقطت بالمجاهر الإلكترونية.
وأسفر هذا العمل الدؤوب عن محاولة لفك الرمز الدماغي، الذي يقول رايد عنه إنه يتطلب حل مشكلتين أساسيتين: الأولى كيف تعمل هذه الآلية بدءا من قطع وأجزاء تركيبها وبنائها، وأنواع الخلايا، والتمعن في تركيبها الفيزيولوجي والتشريحي. وهذا يعني معرفة كل أنواع الخلايا العصبية في القشرة البصرية لدماغ الفأر وعملها، وهي معلومات لم يحصل عليها العالم بعد. وهذا يعني أيضا معرفة أي رمز يستخدم لتمرير المعلومات، فعندما يرى الفأر صورة ما، فكيف يجري ترميز الصورة وتمريرها من خلية إلى أخرى، وهذا ما يسمى «الحساب العصبي»؟
المشكلة الأخرى التي لها علاقة كبيرة أيضا، هي كيفية قيام الحساب العصبي هذا بإنتاج السلوك، كما يقول رايد، أي كيف يقرر دماغ الفأر الفعل، جراء إدخال هذا الرمز؟
وتصور لذلك نوعا من التجارب للحصول على أجوبة لهذين السؤالين، فقد يجري تدريب فأر على المشاركة في تجربة تجري ممارستها حاليا مع القرود العليا، بحيث ينظر الحيوان إلى إحدى الصور. وبعد عرض سلسلة أخرى من الصور عليه، يقوم الحيوان بالكبس على عتلة لدى مرور الصورة الأصلية عليه. وقد تستغرق رؤية الصورة هذه وتذكرها، والتعرف عليها، والكبس على العتلة، كلها ثانيتين، وتنطوي على نشاط في أجزاء متعددة من الدماغ.
واستيعاب هاتين الثانيتين، كما يقول رايد، يعني أنه حالما تضرب الفوتونات شبكية العين تجب محاولة معرفة المعلومات التي تقوم بإرسالها إلى المهاد والقشرة الدماغية، ومعرفة العمليات الحسابية التي تقوم بها الخلايا العصبية في القشرة هذه، وكيفية القيام بها، ومستوى العمليات هذه، التي يجري إرسالها إلى مركز الذاكرة، ومن ثم الاحتفاظ بأثر لهذه الصورة لمدة ثانية واحدة أو ثانيتين. وبعد ذلك عندما يجري عرض الصورة للمرة الثانية، يحصل المهم والصعب، ألا وهو: كيف يجري اتخاذ القرار بأن هذه الصورة هي المقصودة؟ كما يقول. ولهذا الغرض يقوم رايد والآخرون بجمع معلومات كيميائية وكهربائية ووراثية وغيرها حول تركيب هذا الجزء من دماغ الفأر، والنشاط الدائر فيه.
ومع إضافة مواد كيميائية إلى الدماغ، يمكن للمجاهر الضوئية المتطورة جدا التقاط أفلام مصورة لعمل الخلايا العصبية ونشاطها، كما يمكن للأقطاب الكهربائية تسجيل النبضات الكهربائية، في حين يمكن للتحليل الرياضي الحسابي لكل هذه العمليات، فك الرمز الذي تتحرك بموجبه المعلومات في ذلك الجزء من الدماغ.
ويتوقع رايد إمكانية حل الجزء الأول من المشكلة، أي تلقي المعلومات الاستشعارية وتحليلها، خلال عشر سنوات من الآن.

* خدمة «نيويورك تايمز»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.