الأدباء العرب المغتربون.. تابوهات متوارثة وحريات طارئة

هل يرافقهم «الشرطي» القديم في عقولهم أم يتخلصون منه؟

محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
TT

الأدباء العرب المغتربون.. تابوهات متوارثة وحريات طارئة

محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء

هل تختلف رفة جناح الطائر حين ينتقل فجأة من قفص إلى فضاء أوسع؟ السؤال المعنوي ذاته ينطبق على موضوعنا الذي نتناوله الآن ولكن على الأدباء الذين ينتقلون من محيط عربي إلى فضاء أوسع في الغرب على صعيد الحريات في الكتابة. فهل ثمة تحولات تطرأ على كتابتهم، أم يبقى «الشرطي» ساكنًا في أدمغتهم، أم يتمردون عليه بمجرد وصولهم إلى واقع يتيح لهم التعبير بحرية أكبر؟ وكيف ينظرون إلى الأدب الذي كانوا يكتبونه سابقًا؟ وما التغيرات التي تحصل لهم بعد حصولهم على مساحات أكبر من الحرية في الكتابة؟
تلك التساؤلات نقلناها إلى أدباء عاشوا مرحلتين من الكتابة، واحدة في بلادهم العربية، والثانية في الغرب، فكيف وجدوا هذه النقلة؟
الشاعر محمد المطرود الذي غادر إلى فضاءات الغرب يتكئ على وصف جاء به إيمرسون: «الكتابة هي مجموع الأرواح السحرية في مكان ما»، ويرى أن هذه الأرواح لو حُبست وغيّبت عنها الحرية تغيب إحدى أهم ركائزها وتتحول بذلك إلى واجب وظيفي. ويعتقد محمد المطرود أن غياب الركيزة هو قتل لجوهر التلقي بحيث لا الكاتب ولا المتلقي يصلان إلى نتيجة أكثر من النتيجة التي يصل إليها كاتب العدل أو كاتب الاستدعاءات أمام المحكمة، وستكون العلاقة هنا قائمة على اللاجدوى واستهانة طرف بطرف آخر. ويضيف وصفًا آخر بقوله: «الجدار الكتيم الذي تبنيه سلطة ما والتابوهات الاجتماعية بوصف المجتمع آلة خنوع ومُسوقة لمقولات السلطة، يجعل من الرقيبين الظاهر والمستتر أكثر فعالية في تذليل الكتابة وخفضها دون المستوى، هذه الكتابة (المنضبطة) هي وسم منطقة ما - العربية مثلا - تذهبُ بنخبها وكفاءاتها إلى الانتحار المجازي الذي هو في أحد أشكاله: الاغتراب، خروج يحتمل المغامرة والفشل، قسري قبل أن يكون خيارًا شخصيًا، خصوصا في الآونة الأخيرة بفعل التفجُّرات الكبيرة».
ويعتقد المطرود بأن الفضيلة الأهم للاغتراب تكمن في التخلص من الرقيبين، وهو خلاص مشوب بما يقلل من وهجه في وضوح ذهنية المظلومية والصدمة الحضارية والحنين إلى مساقط الذكريات، وبالتالي أسر الكتابة في مساحة ضيقة بما يفعله المنتجُ هنا من مقابلات منطقية وغير منطقية بين مكانين يختلفان شكلاً ومضمونًا، غير أن هنا المساحة متوفرة لصالح حرية ظاهرة لكنها منضبطة قانونًا وليس استلابًا.
وعن تجربته الشخصية يقول المطرود: «شخصيًا تخلصت من الآخر الحسيب نحو فضاء الآخر المتلقي، فاكتسب نصي جسارة جديدة من خلال خياراته التقنية، وكذلك مواضيعه المنافسة لأدب كنا نقرأه على أنّه أدب يصنعهُ معلمون كبار. حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم، أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضًا فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن، وننظر إلى ذواتنا كمنتجين لا متلقين فقط، وكمعلمين وصانعي نصوص سنقرأها ويقرأها الآخر الذي نحن بين ظهرانيه الآن، نصوص أعتقد أنها لها الجَلد الكافي على الحضور والاستمرار».

التابو المقيت

الكاتب أحمد ضياء لا يبتعد كثيرًا عن قناعة سابقه، بل يبدأ كلامه بتأكيد الواثق: «بكل تأكيد للبيئة أثر كبير على حياة المثقف والكاتب بشكل عام، إذ من خلالها يمكن أن يتسلم المادة الخادم ويعجنها وفق ما تملي عليه الظروف الآنية، وكذلك وفق مرجعياته المعرفية، فلا بد على الكاتب أن ينهل عبر هذا الإطار المفاهيمي والبيئوي خميرته الأساس، وإن التكيفات التي تحدث مع ما كان أو يكون هي من الأمور الجيدة التي تحسب للكاتب، وإلا لو أنه لم يستطع أن يتفاعل مع هذه المدركات وظل ينتج في نفس الخانة أو الخطاب الذي كان ينتجه في الداخل، أي أنه لم يخرج من إطار بيئته التي تمثل بالدرجة الأولى التابو المقيت فوق عقلية وكتابات الفرد. شخصيًا أجد أن الفرد الذي لا يستطيع أن يغير هذه القولبة وهذه النمطية النسقية التي اعتاد عليها، هو كاتب أصيب بعوق فكري بحيث إنه لا يستطيع أن ينتج فضاءً جديدًا يغاير به الوضع القديم الذي كان فيه ببلده الأم، وهنا ينبغي الإشارة إلى جوهر المكان حيث الرائحة والجمال يلعبان أداء رسميًا في كينونتهما. وما تلك الكتابات التي كانت محصورة في خندق التابو والخوف إلا مراحل مران يعدها الكاتب، إذ به حالَما يخرج سينتج خطابًا مغايرًا أو موازيًا لما كان ينتجه».
ثم يعود أحمد ضياء ليستدرك بقوله: «هذا الأمر لا يعني أن كل من خرج خارج حدود الوطن هو كاتب أو شاعر أو ناقد مبدع، بل هناك استثناءات كتابية بالإمكان أن نشير إليها، والأمر هنا أيضًا عكسي، أي أنه ليس كل من بقي داخل الوطن هو غير مبدع، بل هناك ظروف حتمية هي من تحدد مواقف هذا وذلك ضمن خانات أو معطيات ترسمها خارطة الأرض وتعيد إنتاجها المرجعيات الفكرية التي يتمتع بها كل شخص، ويبقى النص سواء كتب بالداخل أو الخارج هو الفيصل الوحيد لعمل الكاتب، فمن خلاله يمكن التأشير على موهبة الفرد وتمايزه عمّا هو سائد.

التحرر من التأويل

الروائي والكاتب هيثم حسين يعتبر أنّ المكان الجديد يتمرأى بطريقة أو أخرى في الكتابة، وينعكس بدوره في الموضوعات المتناولة، ناهيك بالهموم الحياتيّة المستجدّة، ويشرح أكثر قائلاً: «ذلك أنّ التغيّر يكون بشكل تدريجيّ، لأن تفاعل الكاتب مع محيطه يكون أكثر حساسيّة من غيره، لذلك تراه يقوم بتظهير نموذج حياته الذي تغيّر في كتابته التي ستكون صدى لتلك التغيّرات. بالنسبة لي، أجد نفسي مقيّدًا بواقع بلدنا سوريا، وما يجري فيه من أهوال يعجز المرء عن توصيفها لفداحتها وفجائعيّتها، وأجد نفسي مسكونًا بالذاكرة، أعود إليها، أستقي منها وأبني عليها. هنا تحرّرت من حسابات التأويل المخابراتي ومخاوف الاستجواب ووساوس التحقيق. أذكر أنّني حين كنت في سوريا كنت أجد نفسي مضطرًّا إلى شرح بعض المقالات وتفسيرها، أو حتّى مقاطع من الروايات، لعناصر المخابرات في استجواباتهم لي، وكنت أضطر إلى تقديم إفادة لمَن لا يعترف بأيّة قيمة، لا للأدب، ولا للإنسان بذاته، وكان ذلك مثيرًا للأسى والقهر، ويحزّ في الروح والقلب. هنا لا خوف من تأويلات من هذا النوع. أتذكّر تلك الأيام التي كان رفع السقف المفروض على الكتّاب تحدّيًا، وكانت هناك جاذبيّة التعبير بعناد عمّا يقلق السلطة، لكن كانت تلك حرّية مجتزأة».
الحياة الجديدة تفرض إيقاعها وموضوعاتها وقضاياها على اللاجئ والمغترب، بحيث يجد نفسه في خانة بعينها، ويتحتّم عليه الدفاع عن نفسه، ويكون عرضة لسوء الفهم، أو التأويل، ومعرّضًا للتقييد بصور نمطيّة. ويرى هيثم حسين أن القضايا الإنسانيّة مشتركة بين الشرق والغرب، الإرهاب، اللجوء، الحرب، الحرّيّات العامّة، ناهيك بدهشة الاكتشافات المواكبة لنماذج مختلفة من البشر، كلّ ذلك يشكّل زادًا ثرًّا للتناول والمعالجة والمقاربة.
ويقول: «لكلّ مرحلة بهجتها، وسحرها، وكلّ كتابة هي ابنة زمنها. الحرّيّة المتاحة في التعبير كانت حلمًا عصيًّا على التحقّق حين كنت في سوريا، وهي مسؤوليّة كبرى هنا. أشعر بقذارة النظام الذي جاهد لحجب نسائم حرّيّة التعبير عنّا، وسعى لتكميمنا، وتعقيدنا، وإبقائنا أناسًا مكبوتين لا يجرؤون حتى على الحلم بالتعبير، لكنّ الثورة حطّمت تلك الأوهام، وفتحت نوافذ الحلم بالحرّيّة، وكان أن لجأ النظام بإجرامه الرهيب لتحويلها إلى نوافذ الجحيم».

لا يزالون يتحفظون اجتماعيًا

الشاعر الدكتور يوسف شحادة يوقن بوجود هذه التغيرات، ويقول: «لا شك أن معظم الأدباء العرب الذين غادروا أوطانهم واستقروا في المهاجر، لسبب أو لآخر، قد مروا بفترة تحولات في منطلقاتهم الفكرية، ونظراتهم إلى قضايا الوطن والعالم، هذه التحولات مشروعة، فالأديب ابن واقعه، والواقع المعيش له جبروته الذي يجر المبدع إلى مهب التغيرات». ويضيف شحادة: «عموما، الأدباء العرب يشعرون بحرية أكبر خارج عالمهم العربي، فتراهم يعبرون بتحرر كبير عن القضايا الفكرية والسياسية في أعمالهم. ولكن، إن نظرنا إلى القضايا الاجتماعية والحياتية المطروحة في إبداعاتهم وجدناها قد عولجت دون تغيرات تذكر من حيث جرأة الطرح وحرية البوح»، لكنه يرى في الأمر استثناءات: «لكي لا أقع في التعميم أؤكد أن فئة صغيرة من الأدباء العرب يمكن أن تستثنى من ذلك». ويكمل: «الموضوعات التي يخشى العرب طرحها في أعمالهم هي تلك التي تمس شخصية الحاكم العربي بسوء أو حتى بانتقاد غير عنيف، وينسحب ذلك على أجهزة الأمن أو ما يحب أن يسميه قضاء الأنظمة المستبدة «رموز الدولة وهيبتها».
وقد تكون المسائل الدينية، التي تثير الجدل، موضوعات تطرق إليها بعض الكتاب العرب خارج أوطانهم بجرأة أكبر لم يكن بوسعهم الاقتراب منها في مجتمعاتهم المتشددة دينيا أو طائفيا. ويصف المشهد بقوله: «يمكن القول إن الأدباء العرب في غالبيتهم ينظرون إلى أعمالهم المكتوبة في ظل غياب الحرية، أو نقصانها، أنها نتاج عسير أنجزوه تحت ضغط الرقابة الذاتية، وكبح الاندفاع وراء تعرية وجه الواقع، والاكتفاء بتعرية أطراف جسده، قدر المستطاع. مما لا شك فيه أن مساحات الحرية الجديدة أتاحت لهم البوح بصدق أكبر ومنحتهم نفسا مندفعا لا يهادن ولا يتردد في تعرية الجسد العربي كاملا».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended