الأدباء العرب المغتربون.. تابوهات متوارثة وحريات طارئة

هل يرافقهم «الشرطي» القديم في عقولهم أم يتخلصون منه؟

محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
TT

الأدباء العرب المغتربون.. تابوهات متوارثة وحريات طارئة

محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء

هل تختلف رفة جناح الطائر حين ينتقل فجأة من قفص إلى فضاء أوسع؟ السؤال المعنوي ذاته ينطبق على موضوعنا الذي نتناوله الآن ولكن على الأدباء الذين ينتقلون من محيط عربي إلى فضاء أوسع في الغرب على صعيد الحريات في الكتابة. فهل ثمة تحولات تطرأ على كتابتهم، أم يبقى «الشرطي» ساكنًا في أدمغتهم، أم يتمردون عليه بمجرد وصولهم إلى واقع يتيح لهم التعبير بحرية أكبر؟ وكيف ينظرون إلى الأدب الذي كانوا يكتبونه سابقًا؟ وما التغيرات التي تحصل لهم بعد حصولهم على مساحات أكبر من الحرية في الكتابة؟
تلك التساؤلات نقلناها إلى أدباء عاشوا مرحلتين من الكتابة، واحدة في بلادهم العربية، والثانية في الغرب، فكيف وجدوا هذه النقلة؟
الشاعر محمد المطرود الذي غادر إلى فضاءات الغرب يتكئ على وصف جاء به إيمرسون: «الكتابة هي مجموع الأرواح السحرية في مكان ما»، ويرى أن هذه الأرواح لو حُبست وغيّبت عنها الحرية تغيب إحدى أهم ركائزها وتتحول بذلك إلى واجب وظيفي. ويعتقد محمد المطرود أن غياب الركيزة هو قتل لجوهر التلقي بحيث لا الكاتب ولا المتلقي يصلان إلى نتيجة أكثر من النتيجة التي يصل إليها كاتب العدل أو كاتب الاستدعاءات أمام المحكمة، وستكون العلاقة هنا قائمة على اللاجدوى واستهانة طرف بطرف آخر. ويضيف وصفًا آخر بقوله: «الجدار الكتيم الذي تبنيه سلطة ما والتابوهات الاجتماعية بوصف المجتمع آلة خنوع ومُسوقة لمقولات السلطة، يجعل من الرقيبين الظاهر والمستتر أكثر فعالية في تذليل الكتابة وخفضها دون المستوى، هذه الكتابة (المنضبطة) هي وسم منطقة ما - العربية مثلا - تذهبُ بنخبها وكفاءاتها إلى الانتحار المجازي الذي هو في أحد أشكاله: الاغتراب، خروج يحتمل المغامرة والفشل، قسري قبل أن يكون خيارًا شخصيًا، خصوصا في الآونة الأخيرة بفعل التفجُّرات الكبيرة».
ويعتقد المطرود بأن الفضيلة الأهم للاغتراب تكمن في التخلص من الرقيبين، وهو خلاص مشوب بما يقلل من وهجه في وضوح ذهنية المظلومية والصدمة الحضارية والحنين إلى مساقط الذكريات، وبالتالي أسر الكتابة في مساحة ضيقة بما يفعله المنتجُ هنا من مقابلات منطقية وغير منطقية بين مكانين يختلفان شكلاً ومضمونًا، غير أن هنا المساحة متوفرة لصالح حرية ظاهرة لكنها منضبطة قانونًا وليس استلابًا.
وعن تجربته الشخصية يقول المطرود: «شخصيًا تخلصت من الآخر الحسيب نحو فضاء الآخر المتلقي، فاكتسب نصي جسارة جديدة من خلال خياراته التقنية، وكذلك مواضيعه المنافسة لأدب كنا نقرأه على أنّه أدب يصنعهُ معلمون كبار. حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم، أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضًا فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن، وننظر إلى ذواتنا كمنتجين لا متلقين فقط، وكمعلمين وصانعي نصوص سنقرأها ويقرأها الآخر الذي نحن بين ظهرانيه الآن، نصوص أعتقد أنها لها الجَلد الكافي على الحضور والاستمرار».

التابو المقيت

الكاتب أحمد ضياء لا يبتعد كثيرًا عن قناعة سابقه، بل يبدأ كلامه بتأكيد الواثق: «بكل تأكيد للبيئة أثر كبير على حياة المثقف والكاتب بشكل عام، إذ من خلالها يمكن أن يتسلم المادة الخادم ويعجنها وفق ما تملي عليه الظروف الآنية، وكذلك وفق مرجعياته المعرفية، فلا بد على الكاتب أن ينهل عبر هذا الإطار المفاهيمي والبيئوي خميرته الأساس، وإن التكيفات التي تحدث مع ما كان أو يكون هي من الأمور الجيدة التي تحسب للكاتب، وإلا لو أنه لم يستطع أن يتفاعل مع هذه المدركات وظل ينتج في نفس الخانة أو الخطاب الذي كان ينتجه في الداخل، أي أنه لم يخرج من إطار بيئته التي تمثل بالدرجة الأولى التابو المقيت فوق عقلية وكتابات الفرد. شخصيًا أجد أن الفرد الذي لا يستطيع أن يغير هذه القولبة وهذه النمطية النسقية التي اعتاد عليها، هو كاتب أصيب بعوق فكري بحيث إنه لا يستطيع أن ينتج فضاءً جديدًا يغاير به الوضع القديم الذي كان فيه ببلده الأم، وهنا ينبغي الإشارة إلى جوهر المكان حيث الرائحة والجمال يلعبان أداء رسميًا في كينونتهما. وما تلك الكتابات التي كانت محصورة في خندق التابو والخوف إلا مراحل مران يعدها الكاتب، إذ به حالَما يخرج سينتج خطابًا مغايرًا أو موازيًا لما كان ينتجه».
ثم يعود أحمد ضياء ليستدرك بقوله: «هذا الأمر لا يعني أن كل من خرج خارج حدود الوطن هو كاتب أو شاعر أو ناقد مبدع، بل هناك استثناءات كتابية بالإمكان أن نشير إليها، والأمر هنا أيضًا عكسي، أي أنه ليس كل من بقي داخل الوطن هو غير مبدع، بل هناك ظروف حتمية هي من تحدد مواقف هذا وذلك ضمن خانات أو معطيات ترسمها خارطة الأرض وتعيد إنتاجها المرجعيات الفكرية التي يتمتع بها كل شخص، ويبقى النص سواء كتب بالداخل أو الخارج هو الفيصل الوحيد لعمل الكاتب، فمن خلاله يمكن التأشير على موهبة الفرد وتمايزه عمّا هو سائد.

التحرر من التأويل

الروائي والكاتب هيثم حسين يعتبر أنّ المكان الجديد يتمرأى بطريقة أو أخرى في الكتابة، وينعكس بدوره في الموضوعات المتناولة، ناهيك بالهموم الحياتيّة المستجدّة، ويشرح أكثر قائلاً: «ذلك أنّ التغيّر يكون بشكل تدريجيّ، لأن تفاعل الكاتب مع محيطه يكون أكثر حساسيّة من غيره، لذلك تراه يقوم بتظهير نموذج حياته الذي تغيّر في كتابته التي ستكون صدى لتلك التغيّرات. بالنسبة لي، أجد نفسي مقيّدًا بواقع بلدنا سوريا، وما يجري فيه من أهوال يعجز المرء عن توصيفها لفداحتها وفجائعيّتها، وأجد نفسي مسكونًا بالذاكرة، أعود إليها، أستقي منها وأبني عليها. هنا تحرّرت من حسابات التأويل المخابراتي ومخاوف الاستجواب ووساوس التحقيق. أذكر أنّني حين كنت في سوريا كنت أجد نفسي مضطرًّا إلى شرح بعض المقالات وتفسيرها، أو حتّى مقاطع من الروايات، لعناصر المخابرات في استجواباتهم لي، وكنت أضطر إلى تقديم إفادة لمَن لا يعترف بأيّة قيمة، لا للأدب، ولا للإنسان بذاته، وكان ذلك مثيرًا للأسى والقهر، ويحزّ في الروح والقلب. هنا لا خوف من تأويلات من هذا النوع. أتذكّر تلك الأيام التي كان رفع السقف المفروض على الكتّاب تحدّيًا، وكانت هناك جاذبيّة التعبير بعناد عمّا يقلق السلطة، لكن كانت تلك حرّية مجتزأة».
الحياة الجديدة تفرض إيقاعها وموضوعاتها وقضاياها على اللاجئ والمغترب، بحيث يجد نفسه في خانة بعينها، ويتحتّم عليه الدفاع عن نفسه، ويكون عرضة لسوء الفهم، أو التأويل، ومعرّضًا للتقييد بصور نمطيّة. ويرى هيثم حسين أن القضايا الإنسانيّة مشتركة بين الشرق والغرب، الإرهاب، اللجوء، الحرب، الحرّيّات العامّة، ناهيك بدهشة الاكتشافات المواكبة لنماذج مختلفة من البشر، كلّ ذلك يشكّل زادًا ثرًّا للتناول والمعالجة والمقاربة.
ويقول: «لكلّ مرحلة بهجتها، وسحرها، وكلّ كتابة هي ابنة زمنها. الحرّيّة المتاحة في التعبير كانت حلمًا عصيًّا على التحقّق حين كنت في سوريا، وهي مسؤوليّة كبرى هنا. أشعر بقذارة النظام الذي جاهد لحجب نسائم حرّيّة التعبير عنّا، وسعى لتكميمنا، وتعقيدنا، وإبقائنا أناسًا مكبوتين لا يجرؤون حتى على الحلم بالتعبير، لكنّ الثورة حطّمت تلك الأوهام، وفتحت نوافذ الحلم بالحرّيّة، وكان أن لجأ النظام بإجرامه الرهيب لتحويلها إلى نوافذ الجحيم».

لا يزالون يتحفظون اجتماعيًا

الشاعر الدكتور يوسف شحادة يوقن بوجود هذه التغيرات، ويقول: «لا شك أن معظم الأدباء العرب الذين غادروا أوطانهم واستقروا في المهاجر، لسبب أو لآخر، قد مروا بفترة تحولات في منطلقاتهم الفكرية، ونظراتهم إلى قضايا الوطن والعالم، هذه التحولات مشروعة، فالأديب ابن واقعه، والواقع المعيش له جبروته الذي يجر المبدع إلى مهب التغيرات». ويضيف شحادة: «عموما، الأدباء العرب يشعرون بحرية أكبر خارج عالمهم العربي، فتراهم يعبرون بتحرر كبير عن القضايا الفكرية والسياسية في أعمالهم. ولكن، إن نظرنا إلى القضايا الاجتماعية والحياتية المطروحة في إبداعاتهم وجدناها قد عولجت دون تغيرات تذكر من حيث جرأة الطرح وحرية البوح»، لكنه يرى في الأمر استثناءات: «لكي لا أقع في التعميم أؤكد أن فئة صغيرة من الأدباء العرب يمكن أن تستثنى من ذلك». ويكمل: «الموضوعات التي يخشى العرب طرحها في أعمالهم هي تلك التي تمس شخصية الحاكم العربي بسوء أو حتى بانتقاد غير عنيف، وينسحب ذلك على أجهزة الأمن أو ما يحب أن يسميه قضاء الأنظمة المستبدة «رموز الدولة وهيبتها».
وقد تكون المسائل الدينية، التي تثير الجدل، موضوعات تطرق إليها بعض الكتاب العرب خارج أوطانهم بجرأة أكبر لم يكن بوسعهم الاقتراب منها في مجتمعاتهم المتشددة دينيا أو طائفيا. ويصف المشهد بقوله: «يمكن القول إن الأدباء العرب في غالبيتهم ينظرون إلى أعمالهم المكتوبة في ظل غياب الحرية، أو نقصانها، أنها نتاج عسير أنجزوه تحت ضغط الرقابة الذاتية، وكبح الاندفاع وراء تعرية وجه الواقع، والاكتفاء بتعرية أطراف جسده، قدر المستطاع. مما لا شك فيه أن مساحات الحرية الجديدة أتاحت لهم البوح بصدق أكبر ومنحتهم نفسا مندفعا لا يهادن ولا يتردد في تعرية الجسد العربي كاملا».



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.