هي حرب من نوع آخر تجري حاليا، بين محطتّين تلفزيونيتين تتمتعان بنسبة مشاهدة عالية في لبنان. فبعد مناوشات خفيفة بدأت ملامحها تظهر ما بين قناة «إل بي سي آي» و«إم تي في» منذ سنوات قليلة، تحوّلت فيما بعد إلى حرب باردة بينهما، وها هي اليوم تأخذ منحى واضحا بعد أن أصبحت حربا معلنة، يمارسانها من خلال محتويات برامجهما الانتقادية من ناحية والحوارية المسليّة من ناحية ثانية.
فاللبنانيون باتوا اليوم منشغلين بهذه الحرب بحيث احتلّ موضوعها أحاديثهم اليومية، فساهمت في نسج حزبين جديدين وهما حزب مشاهدي «إم تي في» يقابله حزب آخر لمشاهدي «إل بي سي آي». ويرتكز الأول على شعبية مؤلفّة من الشباب في غالبيتها، إذ وجدوا في برامج «إم تي في» ضالتهم، فيما يتألّف الثاني من المشاهدين المخضرمين المخلصين لبرامج «إل بي سي»، الرزينة والمنوعة، كما يصفونها.
أما جديد هذه الحرب فهو دخول قناة «نيو تي في» (الجديد) على خطّها، بعد أن طالتها شظايا هذه الحرب. فإثر نيلها حصّة من انتقادات برنامج «منّا وجرّ»، دخلت اللعبة بصورة مباشرة بحيث أصبحت واحدة من عناصرها. البرنامج المذكور يقدّمه أسبوعيا بيار ربّاط على قناة «إم تي في»، وهو كناية عن النسخة العربية لبرنامج فرنسي بعنوان «Touche pas a mon poste» (لا تلمس منصبي)، ويصار خلاله إلى تقييم نوعية البرامج التلفزيونية التي تعرض على قنوات محلية وعربية من خلال انتقادها أو الثناء عليها.
وكانت معالم الحرب بين القناتين قد صارت واضحة في الفترة الأخيرة، بعدما أدخلت «إم تي في» برامج جديدة على شبكتها، حاصدة نسبة مشاهدة عالية كما تحاول أن تردد دائما في إعلاناتها الترويجية، التي تفيد بأنها «الأولى» بين زميلاتها في لبنان.
وأحدث تفاصيل هذه الحرب التي لمسها المشاهد هي إثر أخذ قناة آل «المرّ» حقوق عرض برنامج «ديو المشاهير» على شاشتها في ليلة كلّ أحد، الذي كان حكرا على «إل بي سي» في السنوات الماضية. وكرست له حملة إعلانية ضخمة حققت أهدافها بعد أن تابعه قسم كبير من اللبنانيين، والذين استطاعوا الإفلات منه فقط هم متابعو المسلسل الدرامي «قصّة حبّ» على «إل بي سي». أما الوسيلة التي لجأت إليها هذه الأخيرة في هذه المواجهة، فارتكزت على إطالة وقت عرض حلقة مساء الأحد من مسلسلها المذكور، ليخسر عدوّها اللدود في المقابل نسبة لا يستهان بها من مشاهدي برنامجه المنوّع. وذلك بالطبع دون الدخول في ذكر شريحة أخرى من المشاهدين، تتابع بصورة دائمة برامج تعرض على «الجديد» و«المستقبل» و«أو تي في» في الوقت نفسه.
وكانت هذه الحرب قد بلغت ذروتها في فترة عيد أعياد الميلاد ورأس السنة. إذ لم تتوان «إم تي في» عن التطرّق في نشرتها الإخبارية الرئيسية، ولأكثر من مرة، عن انتقاد توقعات ليلى عبد اللطيف التي أصبحت إطلالاتها محصورة فقط على المحطة اللبنانية للإرسال ضمن برنامج (تاريخ يشهد)، فيما منافسها ميشال حايك حصر إطلالاته على «إم تي في» ليلة رأس السنة، فقط. فتبارز الاثنان بإطلالتهما هذه في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أي في آخر أيام العام 2015، وتحت عنوان «كذبت ليلى ولم تصدق»، عرضت ريبورتاجات مصورة تلقي الضوء على فشل ليلى عبد اللطيف في توقعاتها المستقبلية، التي، ودائما حسب تلك الريبورتاجات، لم يصحّ سوى 1 في المائة منها.
فردّ تلفزيون الـ«إل بي سي آي» بدوره على ذلك الانتقاد، عندما تناول إطلالة المنجّم ميشال حايك ضمن واحد من برامجه المعروفة «لهون وبسّ» أكثر من مرة أيضا. وكان أحدثها عندما عرض مقدم برنامج «لهون وبس» هشام حداد الأسبوع الفائت، فيديو يسخر فيه من إحدى توقعات ميشال حايك التي يؤكّد فيها عن ظهور شخصية طبق الأصل عن بروس لي، وقد قدّمه قائلا: «أخيرا صحّت واحدة من توقعات ميشال حايك». ويظهر الفيديو الإنترنتي، مقطعا لشخص يقوم بحركات قتالية مضحكة. واتبعت «إل بي سي» سياسة من دقّ الباب يتلقّ الجواب. إذ هي تقف بالمرصاد لانتقادات زميلتها اللدودة لتردّ عليها بطريقتها، فيما «إم تي في» لا تترك مناسبة إلا وأشارت إلى تدهور برامج الأولى، التي تعدّ بعضها نسخات مطابقة عن برامج تلفزيونية كانت السبّاقة في استحداثها على شاشتها.
وهكذا أخذ الاثنان على عاتقهما مواجهة بعضهما بعضا ببرامج تنافسية كان المستفيد الأكبر منها المشاهد. وتبدأ هذه المنافسة بليلة الأحد التي تتمسّك «إم تي في» بعرض واحد من برامجها الضاربة فيها كـ«ديو المشاهير» أو «الرقص مع المشاهير»، كلّ في موسمه، ولتكرّ بعدها السبحة بحيث تعرض المحطتان مباشرة بعد نشرة أخبارهما المسائية مسلسلا لبنانيا، فيما يمضي المشاهد ليلة الثلاثاء بالتنقل ما بين المحطتين لمتابعة مقتطفات من «هيدا حكي» (إم تي في) و«لهون وبس» (إل بي سي)، فيما الأربعاء يتناطح مالك مكتبي في برنامجه «أحمر بالخط العريض» (برنامج حواري اجتماعي) مع وليد عبّود في «بموضوعية» (برنامج حواري سياسي). وليحمل ليل الخميس منافسة ساخنة ما بين «منّا وجرّ» (برنامج انتقادي مسل) لمقدمه بيار ربّاط، و«كلام الناس» للإعلامي القدير مارسيل غانم، الذي لم يوفّره ربّاط من انتقاده له إثر إلقائه كلمة الافتتاح «لو ما نكون غنم» في مقدّمة برنامجه المذكور، الذي يستمرّ عرضه على شاشة «إل بي سي آي» منذ 20 عاما، محققا نسبة مشاهدة عالية. أما ليلة الجمعة الذي تعرض فيه «إل بي سي» (ستار أكاديمي) فإن «إم تي في» وضعت في مواجهته برنامج «اسألوا مرتي» (ألعاب وتسلية)، الذي تؤكّد في حملة الإعلانات الترويجية له أنه من أكثر البرامج مشاهدة على شاشات التلفزة. وليلة السبت أخذت قناة المرّ حقوق عرض «ذا فويس كيدز» الذي يلاقي أيضا متابعة من المشاهدين. وفي الوقت الذي تستعدّ فيه «إل بي سي آي» لعرض برنامج فني مسلّ من تقديم رودولف هلال، فإن «إم تي في» بدأت بتصوير برنامج مشابه من تقديم ناديا البساط.
وبالعودة إلى دخول قناة «الجديد» هذه الحرب، فقد أخذ الإعلامي طوني خليفة على عاتقه، الردّ على انتقادات برنامج «منّا وجر» لبرامج الجديد، وبينها «عالبكلة» (برنامج حواري فنّي) لمقدمتّه نسرين ظواهرة، و«حلوة منّك» (برنامج فكاهي يلقي الطرائف والنكات) لأرزة الشدياق. وجاءت تلك الردود مباشرة من خلال برنامجه التلفزيوني «وحش الشاشة»، الذي يطلّ منه على مشاهدي «الجديد» (نيو تي في). وعلى طوني خليفة حلت صاحبتا البرنامجين المنتقدين، من قبل «إم تي في»، إذ علّقتا على انتقادات «منّا وجرّ» اللاذعة لهما، واصفتين المشاركين في هذا البرنامج بأنهم لا يمتّون بصلة إلى حرفة الإعلام وأنهم بالغوا في انتقاداتهم غير البنّاءة مما فضح قلّة خبرتهم في هذا المجال، وقد استثنتا من وصفهما هذا أنطوان كسابيان (أحد المشاركين الدائمين في برنامج «منا وجرّ» المعروف بأهميته في عالم تدريب مذيعي التلفزيون. وتناولت انتقادات طوني خليفة عدة برامج تعرض على قناة «إم تي في»، من باب الصدفة كما ذكر خلال برنامجه، معللا ذلك بغزارة برامج تلك المحطة. وكان أهمها تلك التي شرّحت مشاهد من مسلسل «متل القمر» والأخطاء التي شابتها لضعف في تنفيذها.
وهكذا صار السؤال المتداول بين بعض اللبنانيين كل مساء، يدور محوره الأساسي حول «شو عم تحضر؟» عادل أو هشام؟ «قصة حبّ» أو «متل القمر»؟ «ديو المشاهير أو «ستار أكاديمي»؟ دون إغفال برامج أخرى تعرض على «نيو تي في» و«أو تي في» و«المستقبل» عرف بها المشاهد من خلال برنامج «منّا وجرّ» الذي حقق لها دعاية مجانية من خلال تناوله لها.
طالما اعتبرت محطة المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي)، واحدة من القنوات التلفزيونية التي تحقق نجاحات باهرة على صعيد برامجها. فهي تتمتع بالحرفية المطلوبة في مجال الإعلام المرئي، أن في مجال نشرات الأخبار أو في مجالات برامج التسلية والحوارات. فكانت دائما محطّ أنظار المشاهد العربي أينما كان، واستأثرت بانتباهه لا سيما في برامج المنوّعات القائمة على عنصري البهرجة والتنفيذ المحترف. فكانت أول من أطلق برامج هواة غناء تتساوى بمستواها الاستعراضي مع مثيلاتها في الغرب (مثل ستار أكاديمي وديو المشاهير)، وأكثر من تحصد نسبة مشاهدة عالية لأي مسلسل تعرضه على شاشتها باعتراف العاملين في هذا مجال الدراما (كلعبة الموت، وياسمينا).
وبعد عودة قناة «إم تي في» في عام 2009 إلى الساحة، (إذ غابت لعدة سنوات بعد قرار إقفالها بحكم قضائي عام 2002)، خلطت الأوراق من جديد لتثبت للجسم الإعلامي المرئي اللبناني والعربي معا، بأنها محطة جديرة بمتابعة المشاهد لها. فلجأت إلى استخدام بوابتي الشباب والجمال بصورة رئيسية، في برامجها (حتى في نشرات الأخبار)، لتكونا بمثابة العنصرين الأساسيين اللذين يميّزانها عن غيرها من المحطات. ومن منا لا يتذكّر نجاحها في تحقيق هدفها هذا، الذي ترجمه الإعلامي باسم يوسف في برنامجه التلفزيوني الساخر «البرنامج»، عندما تغزّل بمذيعة الأخبار جيسيكا عازار، مباشرة في برنامجه «البرنامج» عام 2013، إثر تمرير لقطة من نشرة أخبار «إم تي في»، قرأت خلالها خبر قرار النيابة العامة في مصر، اعتقال الإعلامي المصري. فعلّق يومها قائلا: «يا عيون باسم». وعندما طلبت من مراسلها في مصر التحدث عن الموضوع، دخل ليعلّق شخصيا وهو يقول: «المراسل ليه؟ ما أنا هنا». وهكذا بدأت «إم تي في» تصعد سلّم الشهرة في الإعلام المرئي بعد أن خطّطت لكسح زميلتها في هذا المجال (إل بي سي آي). فهي تعدّ عدوّتها اللدودة وخاطفة نسبة المشاهدة العالية على صعيد التلفزيونات المحلية والفضائية في لبنان.
يومها كانت الحرب بينهما تصنّف باردة، إذ كانت «إم تي في» التابعة لآل المر، تمشي خطواتها بتأن وتخططّ للمستقبل القريب على طريقة مدير مجلس إدارتها ميشال المر. ورويدا رويدا بدأت التغيرات جليّة وواضحة في هذه الحرب الباردة، فبينما كانت «إل بي سي» وضمن شبكة برامجها اليومية تعرض في السابعة مساء المسلسلات التركية المدبلجة، قامت «إم تي في» بضربة المعلّم عندما أخذت على عاتقها إنتاج مسلسل لبناني يومي «اخترب الحيّ» فشدّ انتباه المشاهدين منذ حلقته الأولى ليحقق أعلى نسبة مشاهدة في ذلك التوقيت يومها.
وبعد أن كانت برامجها قبيل فترة الإقفال الحصري الذي تعرّضت له، تقتصر على «اس ال شي» (كوميدي ساخر) و«الليلة مع ميراي» (ترفيهي) و«خليك معنا» (ألعاب)، كانت (إل بي سي) في المقابل تقطف النجاح تلو الآخر من خلال برامج مشهورة لديها كـ«يا ليل يا عين» و«لمن يجرؤ فقط» و«الشاطر يحكي» وغيرها. وبعد عودتها إلى الساحة من جديد عام 2009 كانت مهمّة «إم تي في» أصعب لتستطيع أن تتماشى مع ما تعرضه «إل بي سي» في تلك الفترة. فاستنفذت جميع طاقاتها لتتمكن من تحقيق انطلاقة جيدة فلجأت إلى الفنانة مايا دياب لتقدّم برنامج المنوعات «هيك منغني»، وإلى منى أبو حمزة لتقدّم «حديث البلد».
اليوم تتغنّى «إم تي في» بأنها الأولى على صعيد تحقيقها أعلى نسبة مشاهدة بين زميلاتها القنوات اللبنانية الأخرى، وهي تشير إلى ذلك مرارا وتكرارا في الإعلانات الترويجية لها. وبعد أن تلبّدت الأجواء بينها وبين «إل بي سي» علنا، تحوّلت إلى مهمة أخرى وهي انتقاد برامج عدوّتها اللدودة، وتقديم برامج لافتة أعدّتها في شبكات برامجها لتضمن استقطاب المشاهدين.
وبدأت حربها مباشرة، في الفترة الأخيرة وهي تنتقد «إل بي سي» بالتعرض لبرنامج انتخاب ملكة جمال لبنان، والقول إن نتائجه موضّبة بشكل مسبق، وكذلك من خلال احتضانها من ناحية أخرى مذيعين من «إل بي سي»، تم فصلهم منها على خلفيات إدارية مرات، وسياسية مرات أخرى، كمراسلة الأخبار دنيز رحمة التي صارت اليوم من أفراد عائلة «إم تي في» بعدما عملت في الأولى لأكثر من 15 عاما.
لم تقف «إل بي سي» مكتوفة اليدين تجاه هذا الواقع، فصحيح أن رئيس مجلس إدارتها بيار الضاهر كان يلتقي بزميله في قناة «إم تي في» في الاجتماعات الإعلامية التي يجري فيها البحث بمشاكل التلفزيونات اللبنانية مع أصحاب شركات الكابلات، أو في موضوع التراجع الحاد في الموارد الإعلانية لمحطات التلفزة في لبنان، فيظهران أمام الكاميرا بأنهما على علاقة طيبة، إلا أن كل منهما كان يبحث في الواقع في جعبة الثاني ليكون على بيّنة مما يخفيه.
الحرب الباردة بين محطتي «إل بي سي آي» و«إم تي في» تتحول إلى معلنة
جديدها دخول «نيو تي في» على الخط متسلحة بـ«وحش الشاشة»
مقدم برنامج «لهون وبس» هشام حداد على المحطة اللبنانية للإرسال «إل بي سي» - بيار ربّاط مقدّم برنامج «منّا وجرّ» على قناة «إم تي في»
الحرب الباردة بين محطتي «إل بي سي آي» و«إم تي في» تتحول إلى معلنة
مقدم برنامج «لهون وبس» هشام حداد على المحطة اللبنانية للإرسال «إل بي سي» - بيار ربّاط مقدّم برنامج «منّا وجرّ» على قناة «إم تي في»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

