برامج وشبكات اجتماعية ازدهرت.. ثم اندثرت

برامج وشبكات اجتماعية ازدهرت.. ثم اندثرت

هجرة رقمية جماعية بعيدًا عن برامج للدردشة وتشغيل ملفات الوسائط المتعددة بسبب الغرور وسوء الإدارة والاستهانة بالمنافسين
الجمعة - 19 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 29 يناير 2016 مـ

لا يعترف عالم التقنية بوجود أي ثوابت، حيث سادت كثير من البرامج والمواقع الإلكترونية في فترات سابقة لدرجة أن مطوريها ومستخدميها ظنوا أنها ستبقى إلى فترات مطولة، ولكن برامج ومواقع جديدة ظهرت تقدم تسهيلات كبيرة حولت انتباه المستخدمين نحوها، بالإضافة إلى حدوث أخطاء إدارية أسهمت بذلك بشكل كبير.
ومن الشبكات الاجتماعية التي اشتهرت في السابق شبكة «ماي سبيس» MySpace التي كان يستخدمها في نهاية عام 2008 نحو 76 مليون مستخدم مختلف شهريا، لتفقد بعدها المستخدمين بمعدل مليون في كل شهر. ونظرا لأن الشبكة تعتمد على الإعلانات الرقمية للحصول على دخل، نجد أن دخلها قد انحدر من 470 مليون دولار في عام 2009 إلى 184 مليون في عام 2011. وكانت شركة «نيوز كورب» قد اشترت الشبكة في عام 2005 لقاء 580 مليون دولار، لتعرضها للبيع في العام 2011 بنحو مائة مليون. ويعود السبب في تهاوي هذه الشبكة إلى سوء الإدارة وأخطاء استراتيجية كثيرة، لتتحول من الشبكة التي كانت تعزم تغيير وجه التفاعل بين المستخدمين والموسيقى الرقمية والسياسة والتعارف والثقافة الشعبية إلى شبكة منبوذة. ومما لا شك فيه أن مالكي أي منصة تحتوي على عدة ملايين مستخدم شهريا سيشعرون ببعض الغرور وبأنهم لا يقهرون، الأمر الذي شهدناه في كثير من المنصات والذي تُرجم على شكل قرارات غريبة وإعادة تصميم مزعج وحتى بعض التعدي على خصوصيات هؤلاء المستخدمين. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس التنفيذي لشركة «نيوز كورب» المالكة هو «روبرت مردوخ» الذي كان منهمكا في مشروع الاستحواذ على صحيفة «وول ستريت جورنال» في تلك الفترة، الأمر الذي جعله يهمل تطوير منصة «ماي سبيس» في الوقت نفسه الذي بدأت فيه شبكة «فيسبوك» بالحصول على عزم متزايد.
وبالنسبة لبرنامجي «إم إس إن ميسنجر» MSN Messenger و«ياهو ميسنجر» Yahoo Messenger للدردشة النصية بين المستخدمين، فقد كانا محور اهتمام المستخدم في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الجديد، حيث كانا يُستخدمان للتواصل والدردشة النصية وتبادل الملفات بين المستخدمين بشكل يومي. ولكن ظهور برنامج «سكايب» Skype للدردشة الصوتية (والنصية) السهلة بين المستخدمين وإجراء المكالمات الهاتفية المجانية والمدفوعة ومنخفضة التكلفة أثر على تلك التطبيقات بشكل كبير لدرجة أن «سكايب» كان قد حصل على 300 مليون مستخدم بحلول عام 2012، لتستحوذ عليه «مايكروسوفت» في العام نفسه، وتبدأ عملية التحول من «إم إس إن ميسنجر» إلى «سكايب»، وتحيل تطبيقها القديم في عام 2014 إلى التقاعد. ومن العوامل الأخرى التي أسهمت بابتعاد المستخدمين عن التطبيقات المذكورة انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات الدردشة الخاصة بها، مثل «فايبر» و«واتساب» وغيرها، والتي سهلت على المستخدمين التواصل أثناء التنقل، وخصوصا تطبيق «فيسبوك ميسنجر» للتواصل، وظهور «تويتر» وغيره من الشبكات الاجتماعية المختلفة التي غيرت مفهوم وآلية تواصل الأفراد مع الآخرين.
وعلى الرغم من أن محرك البحث «غوغل» هو المحرك الأكثر شهرة اليوم، إلا أن تاريخ ولادته الرقمية كان في عام 1998، وكانت كثير من محركات البحث الأخرى موجودة ومنتشرة بشكل كبير قبله، مثل «ألتافيستا» Altavista و«آسك جيفز» Ask Jeeves و«أول ذا ويب» All The Web و«هوت بوت» HotBot و«لايكوس» Lycos و«ياهو» و«إم إس إن» MSN و«إنفوسيك» InfoSeek و«ماجيلان» Mahellan. ولكن «غوغل» غيرت وجه البحث ببعض المبادئ البسيطة، إذ إنها قدمت واجهة استخدام في غاية البساطة تسمح للمستخدم البدء بالعمل فورا في فترة كانت فيها سرعات الإنترنت منخفضة وعرض أي صورة على الشاشة كان يكلف الوقت والمال. وأضافت «غوغل» إلى المعادلة، منهجية عمل آلية بالكامل (على خلاف بدايات «ياهو» التي كانت تستخدم البشر لترتيب وتصنيف المواقع) ترفع من مستويات الأداء وسرعة تحديث النتائج بشكل كبير جدا، مع تقديم حوافز مالية للمواقع التي تستخدم منصتها الإعلانية، الأمر الذي جعل غالبية المستخدمين يهاجرون إلى «غوغل» إلى يومنا هذا.
وشهدنا أيضا ظهور برامج تشغيل الوسائط المتعددة المختلفة، مثل الموسيقى الرقمية وعروض الفيديو من الإنترنت والأقراص الليزرية «فيديو سي دي» و«دي في دي» و«بلو - راي»، لنجد أنها في تراجع مستمر لصالح المشغلات المدمجة داخل نظم التشغيل الحديثة للكومبيوترات الشخصية والأجهزة الذكية المحمولة التي أصبحت تدعم مزيدا من أنواع الملفات الترفيهية. ومن الأمثلة على سوء إدارة هذه الفئة من البرامج تطبيق «وينامب» Winamp الذي كان يعتبر الأكثر انتشارا على أجهزة المستخدمين لتشغيل ملفات «إم بي 3» MP3 الموسيقية الجديدة في وقتها، وذلك في فترة نهاية تسعينات القرن الماضي. ولكن شركة «إي أو إل» AOL اشترت شركة «وينامب» لقاء نحو مائة مليون دولار في عام 1999، ليتوقف الإبداع والابتكار فورا. وكان من الممكن للبرنامج أن يكون بمثابة برنامج «آي تونز» اليوم لولا وجود بيروقراطية كبيرة داخل شركة «إي أو إل» تحد من تطوير البرنامج وتقديم مزايا مبتكرة فيه، ليصبح شبيها بتطبيق «ريل بلاير» RealPlayer وقتها والذي لم يقدم كثيرا من المزايا المبتكرة.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة لبرامج انتشرت ثم اندثرت، مثل برنامج إدارة تحميل الملفات «غيترايت» Getright وبرامج تبادل الملفات «دي سي ++» DC++ و«إي دونكي» eDonkey وغرف الدردشة «إم آي آر سي» mIRC وتقنية «فلاش» Flash وبرنامج «أوتلوك إكسبريس» Outlook Express للبريد الإلكتروني وبرنامج «كوريل فينورا» Corel Ventura لتحرير النصوص، وغيرها، الأمر الذي يدل على أنه بإمكان أي شركة جديدة إيجاد برامج وشبكات تزيح المنافسين من أمامها وتحتل الصدارة، وذلك بإيجاد فكرة تناسب الآخرين وتطويرها بالشكل الصحيح. ولكن هذا الأمر يعني أيضا أنه لا يوجد برنامج أو شبكة في مأمن من هجرة المستخدمين نحو الأفضل، وذلك في سعيهم نحو جعل حياتهم أكثر سلاسة. ويكفي معرفة أن كثيرا من الشركات التقنية الكبرى اليوم لم تكن سوى جزء صغير جدا قبل 10 أعوام مما هي عليه الآن.


اختيارات المحرر

فيديو