نادرًا ما شهد مجلس الوزراء الفرنسي وزيرة تصل إلى اجتماعاته على دراجة هوائية أو سيرًا على الأقدام. ونادرا أيضًا ما عرفت الحكومة وزيرة للعدل مولودة في الأراضي الفرنسية لما وراء البحار بجزيرة كايين، سوداء البشرة، مجدولة الشعر على الطريقة الأفريقية. كل ذلك مضاف إلى ثقافة أدبية وسياسية واسعة وحس خطابي من الطراز الأول وقناعات راسخة لم تحد عنها، الأمر الذي كلفها، بالأمس، مقعدها الوزاري.
إنها كريستيان توبيرا وزيرة العدل المستقيلة التي أهداها الرئيس فرنسوا هولاند إحدى أهم الوزارات السيادية منذ وصوله إلى قصر الإليزيه في ربيع عام 2017. ورغم الانتقادات الحادة والحملات الإعلامية التي تعرضت لها توبيرا أحيانًا بسبب مواقفها التي وصفت بـ«اليسارية» وأحيانًا بسبب دفاعها عن «مشروع الزواج للجميع» أي للمثليين، فإن هولاند تمسك بها، ليس فقط لاعتبارها وزيرة قادرة وأهلاً للمنصب، بل لأنه يعتبر أنه من الأفضل أن تكون داخل الحكومة على أن تكون خارجها. وأكثر من مرة، توقع السياسيون والصحافيون خروجها من الحكومة لأنها كانت معتبرة «الحلقة الأضعف» ولكنها، كل مرة ومع كل تغيير أو تعديل وزاري كانت تعود إلى حقيبتها. ونجحت في مشاريعها الإصلاحية لوزارتها التي نفضت عنها الغبار، وأعادت إصلاح الجهاز القضائي الذي «حصنته» من التدخلات الخارجية.
لكنها فضّلت تقديم استقالتها هذه المرة احتجاجًا على قانون إعادة النظر بالدستور الفرنسي، الذي أراده الرئيس هولاند ردا على العمليات الإرهابية التي ضربت باريس مرتين، الأولى في يناير (كانون الثاني) الماضي والثانية في نوفمبر (تشرين الثاني). وفرضت فرنسا إثر هذه الاعتداءات حالة الطوارئ التي مدد العمل بها مرة أولى حتى 26 فبراير (شباط)، وسيمدد العمل بها ثلاثة أشهر إضافية حتى نهاية مايو (أيار). لكن هولاند ومعه رئيس حكومته مانويل فالس أرادا الذهاب أبعد من ذلك عن طريق إدخال تعديلات على الدستور، أهمها نزع الجنسية عن مزدوجي الجنسية من الفرنسيين لإدانتهم بالعلاقة بالإرهاب، حتى وإن ولدوا على الأراضي الفرنسية. والثاني تمثّل في إدخال حالة الطوارئ في الدستور.
فضلاً عن ذلك، طرحت الحكومة مشروعًا إضافيًا يعطي الأجهزة الأمنية صلاحيات لتوسيع نطاق عمليات الدهم والتفتيش ليلاً ونهارًا، وفرض الإقامة الجبرية، والتنصت على المكالمات الهاتفية ووسائل التواصل الإلكتروني، وسحب البساط لحد بعيد من تحت أرجل القضاء، وإعطاء الصلاحيات للقضاء الإداري وأجهزة الشرطة والأمن.
ولم ترُق هذه التعديلات الدستورية للوزيرة كريستيان توبيرا. وقبل أن يصادق مجلس الوزراء على نص المشروع الذي أحيل على مجلسي النواب والشيوخ، أعلنت وزيرة العدل، وهي في زيارة رسمية للجزائر، أن الحكومة تراجعت عن مسألة سحب الجنسية، وأن مشروع القانون إلى الهيئتين التشريعيتين لن ينص على تدبير ينقض الدستور الفرنسي نفسه، لأنه يوجد نوعان من المواطنين: الأول هو الفرنسيون الأصليون الذين لا يمكن بأي حال من الأحوال تجريدهم من جنسيتهم الفرنسية، والثاني المواطنون من أصول أجنبية، ولو كانوا من الجيل الثاني أو الثالث ما داموا احتفظوا بجنسية آبائهم. والحال أن الدستور الفرنسي ينص على أن الفرنسيين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. وبعد أخذ ورد ومحاولات لتجنب الصدام النهائي مع هولاند وفالس، لم يجد رئيسا الجمهورية والحكومة مناصًا من إزاحة توبيرا من منصبها، خصوصًا أنه يتعين عليها كوزيرة للعدل أن تدافع عن مشروع الإصلاح الدستوري أمام الندوة البرلمانية وأمام مجلس الشيوخ.
وتلقّت توبيرا ما سعت لتلافيه، لأن بقاءها في الحكومة كان سيعطي اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف أسلحة لينقض بها على الحكومة وعلى اليسار بشكل عام. يُضاف إلى ذلك أن هولاند لم يكن بحاجة لموضوع خلافي جديد داخل الحزب الاشتراكي واليسار، لأن الكثير من نوابه سيصوتون ضد التعديلات، ولا لأن يستفز بعض نواب اليمين الذين يحتاج إلى أصواتهم للحصول على الأكثرية المطلوبة. لذا، كانت توبيرا الضحية التي قدمت نفسها على مذبح السياسة.
وفي تغريدة أرسلتها صباح أمس بعد الإعلان عن استقالتها وتعيين رئيس لجنة العدل في المجلس النيابي بديلاً لها، كتبت مَن صوّرتها صحافة اليمين المتطرف «قردًا» ما يلي: «أحيانًا المقاومة تكون بأن تبقى.. وأحيانًا تكون بأن ترحل. لقد رحلت حتى أكون وفية لمبادئي والحق».
التعديلات الدستورية لمواجهة الإرهاب تدفع وزيرة العدل الفرنسية إلى الاستقالة
https://aawsat.com/home/article/554436/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%AA%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9
التعديلات الدستورية لمواجهة الإرهاب تدفع وزيرة العدل الفرنسية إلى الاستقالة
كريستيان توبيرا رفضت نزع الجنسية عن مواطنين فرنسيين متهمين بالإرهاب
وزيرة العدل كريستيان توبيرا تغادر وزارة العدل في باريس بعد تقديم استقالتها أمس (أ.ف.ب)
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
التعديلات الدستورية لمواجهة الإرهاب تدفع وزيرة العدل الفرنسية إلى الاستقالة
وزيرة العدل كريستيان توبيرا تغادر وزارة العدل في باريس بعد تقديم استقالتها أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


