سفير خادم الحرمين في بغداد: السعودية منفتحة على الجميع.. وقوة العراق دعم لها

السبهان أكد لـ«الشرق الأوسط» أن المملكة لم تتدخل في الشأن الداخلي العراقي.. والرياض تتعامل مع مؤسسات رسمية

رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري لدى استقباله السفير السعودي ثامر السبهان («الشرق الأوسط»)
رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري لدى استقباله السفير السعودي ثامر السبهان («الشرق الأوسط»)
TT

سفير خادم الحرمين في بغداد: السعودية منفتحة على الجميع.. وقوة العراق دعم لها

رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري لدى استقباله السفير السعودي ثامر السبهان («الشرق الأوسط»)
رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري لدى استقباله السفير السعودي ثامر السبهان («الشرق الأوسط»)

أكد ثامر السبهان سفير المملكة العربية السعودية لدى العراق، أن «العلاقات الدبلوماسية رغم أنها كانت مقطوعة بين الرياض وبغداد لكن الشعب العراقي يحتل مكانة متميزة من اهتمام المملكة العربية السعودية، ولم تنقطع علاقة الشعبين الشقيقين، بل إن العراق كان وسيبقى محل اهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز»، مشيرًا إلى «أننا نعمل من أجل مصلحة شعبينا لما فيه الخير والتقدم».
وقال السبهان لـ«الشرق الأوسط» في بغداد، أمس، في أول حديث له لصحيفة عربية، إن «العراق هو امتداد للمملكة العربية السعودية ونحن امتداد له، ووشائج القربى والصلات بين العراقيين وشعبنا تميزنا في التقارب عن أي دولة أخرى، وما يسرهم يسرنا، وما يسيء للعراقيين يسيء إلينا»، مشددا على «أننا هنا نمد لأشقائنا العراقيين يد المحبة والتعاون والسلام، وإن شاء الله سنجد التفاعل الإيجابي من قبل الشعب العراقي العظيم الذي هو محط تقديرنا واعتزازنا ومحبتنا».
وأوضح سفير المملكة العربية السعودية لدى العراق أن «إرادة القيادتين السعودية والعراقية والاهتمام من قبل الأشقاء العراقيين بإدامة العلاقات مع السعودية لما لها من ثقل عربي وإسلامي هي التي أعادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين»، مشيرا إلى أن «انفتاحنا على العراق والشعب العراقي وبوجود السفارة سوف يقرب الأمور بين البلدين».
وقال السفير السبهان إن «العلاقات بين العراق والسعودية تاريخية منذ عهد الملك عبد العزيز، وامتدادًا لعهود الملوك الذين تولوا حكم المملكة وصولاً لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث جميعهم يسيرون على ذات النهج والخطى، ومسيرتهم تشكل امتدادًا لبعضهم، وهذا النهج يتلخص بإدامة العلاقات مع أشقائنا العرب، والعراق في مقدمتهم، كونه يشكل امتدادًا جغرافيًا وتاريخيًا وعروبيًا وإسلاميًا للمملكة».
وحول عدم قيام علاقات بين السعودية والعراق بعد تغيير النظام السابق وعتب العراقيين حول الغياب العربي عامة والسعودي خاصة عن الساحة العراقية، قال السبهان: «بعد 2003 كان تغيير النظام بسبب الحرب على العراق والغزو الأميركي، والمملكة العربية السعودية لم تكن ترغب بأن يكون التغيير بهذه الطريقة وتخريب مؤسسات الدولة العراقية التي كلفت الشعب العراقي الكثير، فأي حرب تستنزف البلدان والشعوب سنوات طويلة من المعاناة والخسائر كي يعود البلد إلى وضعه الطبيعي، لهذا فإن قيادتنا لم تكن راغبة في أن تكون شريكًا أو جزءًا مما تسبب بالنتائج التي أدت إلى الأوضاع السلبية في العراق، ولم تكن المملكة تريد الدخول في هذا المنعطف أو أن تُتهم بالتدخل في الشأن الداخلي العراقي أو أنها أذكت الخلافات في جانب معين»، منبهًا إلى أن «القيادة السعودية وعلى الرغم من عدم تدخلها في الوضع العراقي منذ 2003، لكن هناك من يتهمها بأنها تسيء للعراق وللعراقيين وكلنا يعرف أن هذا افتراء وكذب على المملكة وشعبها، نحن المعروف عنا أننا ندخل البيوت من أبوابها وليس من شبابيكها ولا نقفز على الأسوار، وهذا هو نهج قيادتنا ونحن صادقون مع الجميع، ومن هذا المنطلق جئنا إلى بغداد بانفتاح وصدقية ووضوح كامل من أجل تعزيز العلاقات بين الشعبين وبين البلدين ولنساعد أشقاءنا العراقيين إن تطلب الأمر بتطوير العراق وبنائه وتقدمه في جميع المجالات».
وحول اللغط والاتهام بتدخل السفير السعودي بالشأن الداخلي العراقي إثر حديثه لإحدى الفضائيات العراقية، قال السبهان: «قد يكون المحاور الذي التقاني يسعى لاستنطاقي من أجل الحصول على معلومات تضلل الجمهور، ومن يسمع ويدقق في أجوبتي عبر هذا الحوار، فسوف يجد الحقيقة واضحة ولا تحتاج إلى أي تأويل أو تفسير، وليس هناك مس أو تدخل في الشأن الداخلي العراقي وأجبت وزارة الخارجية العراقية ومن منظور ورؤية المملكة العربية السعودية بأننا مع الدول التي تبني المؤسسات. نحن نتعامل مع المؤسسات. نتعامل مع الدول المؤسساتية وأي موضوع خارج هذه المؤسسات لا نتعامل معه، لا نتعامل مع جهة غير رسمية»، وعن ردود الفعل التي انطلقت بسبب هذه التصريحات، أوضح أن «حرية الرأي مكفولة للجميع وكل شخص يتحدث بما يعتقده، أما الهجوم والتهجم على شخصي وعلى المملكة العربية السعودية فهذا أمر ليس بمستغرب علينا، فمنذ أن تمت تسميتي كسفير لخادم الحرمين الشريفين وقبل أن أردد القسم واجهت هجومًا قاسيًا من قبل أطراف عراقية، وهذا شأنهم وحريتهم في التعبير عن رأيهم، وأنا أعتقد أني أول سفير في التاريخ يُطالَب بطرده مرتين خلال أسبوعين من تسلمه لمهامه، وأعتقد أني سأدخل موسوعة (غينيس) إذا استمر الحال هكذا، فأنا ببغداد منذ أقل من ثلاثة أسابيع، وهذه المطالبات لا تمسّ شخصي، لكن هناك أشخاصًا في العراق لا يسرهم مد أواصر التعاون والإخوة بين العراق والسعودية، وأنا أدعو هؤلاء إلى إعادة النظر بهذه الآراء، لأن المملكة دولة خير ومحبة، ووجودنا في العراق فيه خير ومصلحة الشعبين العراقي والسعودي، ونحن لا نحارب أي أحد على أرضه، ونحن قد نكون صريحين، وفي الصراحة راحة ووضوح للجميع، ودائمًا نقول: صديقك من أصدقك لا من صدقك. ونحن نمد يد الخير للتعامل والتعاون مع الجميع، ونتمنى عودة العراق قويًا مزدهرًا معافى، لأن قوة العراق هي قوة للمملكة العربية السعودية».
وفي رده على ما إذا كانت الحكومة العراقية قد طلبت منه رسميًا مغادرة العراق، رد السفير السبهان قائلا: «لا.. أعتقد أن الحكومة العراقية تتمتع بعقلانية ووعي كبيرين ولا يصدر مثل هذا القرار من حكومة بلد شقيق، فالعراق تدخّل سابقًا في الشؤون الداخلية للمملكة، ولم يتم استدعاء السفير العراقي في الرياض من قبل الخارجية السعودي، ودائما نقول إن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد الأمور، ولم نواجه من قبل الحكومة العراقية إلا بكل احترام وتقدير وتعاون في جميع المجالات»، مشيرا إلى «أني كنت قد قابلت وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري، مرتين؛ مرة في الرياض ومرة ببغداد، ويعجبني فيه خلفياته المعرفية وثقافته في أمور كثيرة، وتناقشنا بسبل إعادة وتطوير العلاقات بين البلدين».
وحول استدعائه من قبل الخارجية العراقية، أوضح: «تم استدعائي وقابلت وكيل وزارة الخارجية العراقية الأخ المكرم الوقور نزار خير الله، وهو واجهة مشرفة جدًا للعراق وللعراقيين، ومنار من منارات العمل الدبلوماسي في وزارة الخارجية، وتحدثنا قرابة الساعتين، ووجدت من دماثة أخلاقه ونشأته العروبية الشيء الكثير، وقدم لي احتجاجًا رسميًا بما يرونه من أن ما قلته هو تدخل بالشأن الداخلي للعراق وأني أثرت المكونات والفرقة الطائفية، وأفهمتهم أن المملكة لا تسعى لمثل هذه الأمور بل بعيدة جدًا عن هذه التصرفات، مذكرًا إياهم بأن أحد الأحزاب كان قد أطلق صواريخ على المملكة في عهد الحكومة السابقة، وقبل أربعة أشهر استُشهد رجال أمن سعوديون على الحدود العراقية السعودية، وغالبًا ما نسمع من بعض الأحزاب العراقية تهديدات عسكرية، ونحن باستمرار نتباحث حول هذه الأمور مع الجانب العراقي بهدوء وبعقلانية ولم تصل الأمور إلى الاتهامات».
وردًا على الاتهامات بأن المملكة العربية السعودية تقرب مكونًا مذهبيًا عراقيًا دون غيره، قال سفير المملكة العربية السعودية: «المعروف عن المملكة العربية السعودية أنها بلد إسلامي يتعامل مع جميع المسلمين في العالم بذات الاهتمام وعلى مسافة واحدة دون أن ننظر إلى مذهب أو طائفة هذا أو ذاك، وهذه سياستنا الداخلية والخارجية»، مضيفًا: «ولو أن سياستنا عكس ذلك لما عتب علينا الإخوة العراقيون (السنّة) أكثر من غيرهم من أبناء المذاهب الأخرى، ونحن لا نحبذ استخدام مثل هذه التوصيفات، فالجميع مسلمون والحمد لله، وفي جميع لقاءاتي التي تمت مع إخواننا العراقيين السنّة أسمع اللوم والعتاب وهم يقولون: أنتم تركتمونا لنواجه مصيرنا لوحدنا. نحن ننظر للعراق كعراق واحد وللعراقيين كشعب واحد ليس هناك فرق بين شيعي وسني، أو مسيحي أو صابئي أو يزيدي أو عربي أو كردي أو تركماني، فهذه الفسيفساء المكونة للشعب العراقي هي سر تميزه وقوته، لهذا أنا شخصيًا طلبت ومنذ وصولي زيارة جميع الإخوة من المرجعيات الدينية والسياسية العراقية دون تمايز، بل إنني أول ما طلبت هو زيارة ومقابلة الإخوة من الشيعة قبل السنّة، لكني للأسف لم أسمع أي ردود منهم على الرغم من أني بعثت لهم بعدة رسائل، وتم تحديد بعض المواعيد، لكنها تتأجل، باستثناء آية الله حسين إسماعيل الصدر الذي سأستقبل بعد قليل اليوم (أمس) وفدًا من سماحته تمهيدًا للقاء به، نحن منفتحون على الجميع ونذهب إليهم في مكاتبهم ومقراتهم ولا يوجد عندنا أي تحفظ على أي مكون عراقي سواء كان دينيًا أو عرقيًا».
وقال: «منذ ثمانينات القرن الماضي والمملكة العربية السعودية تفتح أبوابها أمام القيادات السياسية العراقية دون تمييز بين دين وآخر، أو بين مذهب وآخر ومن جميع القوميات وهم يقرون بذلك في الإعلام باستمرار، كما أن الملك المغفور له عبد الله بن عبد العزيز كان قد استقبل مرجعيات دينية وقادة أحزاب سياسية ومسؤولين حكوميين وبرلمانيين من الأكراد والعرب من الشيعة والسنّة. أبوابنا مفتوحة أمام الجميع، وبصراحة لا نحب أن نتحدث بهذه الصيغة، لأن الطائفية مقيتة، وآثارها مدمرة وتفرق بين الشعوب وتضعف الأمة الإسلامية، والحمد لله أن المملكة العربية السعودية ومنذ أكثر من سبعين سنة تنعم بوحدة شعبها بعيدًا عن الطائفية، إذ إن جميع المواطنين سواسية وكل الحقوق مكفولة للجميع دون التضييق على أحد يعيشون بوئام ومحبة».
وعن الزيارات التي قام بها كسفير لخادم الحرمين الشريفين، أوضح السبهان: «رسميا زرت فخامة الرئيس العراقي الدكتور فؤاد معصوم، ورئيس مجلس النواب الدكتور سليم الجبوري، ووزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري، وطلبت زيارة السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، ولم أتسلم موعدًا بذلك، كما طلبت مقابلة برلمانيين ووزراء من مختلف الأحزاب السياسية، ولم تردني حتى الآن أي إجابة»، مضيفًا: «على مستوى العلاقات الأخوية، وكدعوات غداء، تشرفت بلقاء الدكتور صالح المطلك، ووزير التخطيط سلمان الجميلي، ولا أريد أن أنسى أي اسم كريم، فالعراقيون معروفون بكرمهم وهذه عادات عربية نتشرف بها، وأبوب بيوتهم مفتوحة لنا وهناك دعوات كثيرة سألبيها»، وقال مبتسمًا: «نحن تبغددنا هنا ببغداد».
وعن إمكانية أن يلعب العراق دورًا إيجابيًا للتقريب بين المملكة العربية السعودية وإيران، قال السفير السبهان: «لو نرجع إلى تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، وهي تصريحات رسمية وتوضح أساس المشكلة مع إيران ورؤية المملكة في حلها»، مشيرا إلى أن «المملكة العربية السعودية تمد يدها بالخير للجميع ولها مساهمات جلية في خدمة الإنسانية والسلم والأمن الدوليين، وفي مجالات الحوار والتقارب بين الشعوب، ونحن نطلب أن تحترم إيران رؤية المملكة في التعاون والأخوة وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون العربية وإشعال نار الفتنة الطائفية بين العرب».
وعما إذا كان العراق قد فاتح السعودية للانضمام إلى التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، أوضح السفير السبهان قائلا: «لم تتم مثل هذه المفاتحة عن طريقي، والتحالف مثلما أكدت القيادة السعودية، مفتوح أمام جميع الدول الإسلامية، والعراق مرحَّب به باستمرار».
ووصف سفير المملكة العربية السعودية لدى العراق حجم التبادل التجاري بين العراق والسعودية بأنه «لا يرتقي إلى مستوى طموحنا وطموح الإخوة العراقيين ونتمنى زيادته إلى معدلات جيدة بما يخدم مصلحة البلدين».



من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
TT

من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت معارك محافظة تعز اليمنية مرحلة محورية خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت المواجهات المتزامنة على عدد واسع من الجبهات إلى عملية عسكرية مكثفة استهدفت فيها القوات الحكومية تحركات وتعزيزات الجماعة الحوثية، بالتزامن مع غطاء جوي كثيف واستعادة مواقع كانت الجماعة قد تمكنت من التسلل إليها.

وكشفت البيانات العسكرية المتعاقبة للجيش اليمني عن تنفيذ 75 غارة جوية على مواقع وتحركات حوثية في محافظة تعز خلال 24 ساعة، في موجات متتابعة من الضربات، استهدفت تجمعات وعربات وآليات وتعزيزات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد، وفق بيانات المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي.

واللافت في مسار العمليات أن الغارات لم تتركز في محور واحد، وإنما امتدت على رقعة واسعة من جبهات تعز، كما شملت صنعاء وصعدة وحجة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ومحاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الحركة والإمداد التي تستخدمها الجماعة في عملياتها.

وشملت الضربات مناطق حمير وبني بكاري وسامع والأقروض وشارع الستين والأعمور والوازعية في تعز، وميدي وبني حسن في حجة، ثم استهدفت موجة ثانية مواقع في تعز، هي الرضعة والأقروض وبني بكاري والكدحة وجبل نعمان والعجرم والمرزام.

أما الموجة الكبرى، التي بلغت 27 غارة، فقد استهدفت مخزناً للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد وتسليح متقدمة وتجمعات وعربات وآليات عسكرية، وطالت مواقع في شارع الستين، شمال مدينة تعز، وبني عمر، وحمير في مقبنة، وشرق الوازعية، والأحكوم والأثاور في حيفان، والكدحة وجبل نعمان والكريفات وعقبة منيف والتشريفات والأقروض وسامع والشقب في صبر الموادم.

وفي موجة أخرى، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 15 غارة في تعز، شملت مواقع رأس ضريز والأعمور وجاشع أثاور ورأس حمي بالخزان بجبهة الكعاوش وقرية الجنيد في حيفان، وقالت إن الضربات أدت إلى تحييد عشرات العناصر والتعزيزات وتدمير معدات وآليات.

وبذلك، لا تبدو الغارات مجرد إسناد جوي محدود للخطوط الأمامية، وفق البيانات العسكرية، بل جزءاً من عمليات تستهدف منظومة الحركة والإمداد والقيادة الحوثية على امتداد جبهات متعددة.

هجوم وانكسار

تزامن ذلك مع مواجهات عنيفة خاضتها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في عدد من محاور تعز، أبرزها بني بكاري في جبل حبشي، وحمير في مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، إضافة إلى الكدحة وجبل هان والجبهتين الشمالية والشرقية لمدينة تعز.

وقالت المصادر العسكرية إن القوات الحكومية تمكنت من كسر الهجمات الحوثية وإجبار المهاجمين على التراجع، فيما شهدت جبهة سامع، جنوب شرقي المحافظة، هجوماً حوثياً تصدت له القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، قبل أن تعزز مواقعها وتتراجع الجماعة باتجاه دمنة خدير.

وفي هذه الجبهة تحديداً، تحدثت المصادر عن إلقاء القبض على نحو 20 عنصراً حوثياً، والاستيلاء على آليات حوثية. وفي الأقروض، أفادت المصادر بمقتل نحو 30 عنصراً حوثياً وإصابة نحو 50 آخرين بنيران القوات الحكومية.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

كما تحدثت حصيلة عسكرية عن مقتل نحو 100 عنصر حوثي وإصابة العشرات وأسر آخرين، إلى جانب إعطاب عربات عسكرية وتدمير مخازن أسلحة، عقب الهجمات التي شنتها الجماعة في عدد من جبهات المحافظة.

وتقول تقديرات ميدانية، إن الخطة الحوثية كانت تستهدف السيطرة على مناطق من ريف تعز وفرض حصار على المدينة، وإن الجماعة حشدت لتنفيذها عشرات الكتائب، إلا أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من تثبيت مواقعها، قبل أن تبدأ بعض الوحدات باستعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون في الشمايتين وجبل حبشي وسامع.

ولم تقتصر التطورات على التصدي للهجمات، إذ أعلنت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية وأبناء المناطق المحلية، استعادة مناطق مهمة في عزلة بني عمر بمديرية الشمايتين، جنوب تعز.

جبال تعز شكّلت عائق صد طبيعياً أمام زحف الحوثيين (إعلام عسكري)

وقالت المصادر إن القوات استعادت منطقة دار الراحة وتقدمت باتجاه شعب الدراهم، بينما تكبد الحوثيون خسائر في الأرواح والعتاد وأُسر عدد من عناصرهم، مع استمرار المواجهات في مواقع أخرى.

وفي حين تؤكد القوات الحكومية أنها أحبطت حتى الآن مخطط السيطرة على مناطق ريف تعز وفرض حصار على المدينة، تظل الجبهات مفتوحة على احتمالات تجدد الهجمات، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الحوثية على الطرق الرابطة بين مناطق مختلفة من المحافظة.

حظر خطوط الحركة الحوثية

تزامنت هذه التطورات مع استمرار الغارات على خطوط الحركة الحوثية، الأمر الذي أعطى المعارك بعداً يتجاوز الاشتباك المباشر حول المواقع، ليشمل استهداف التعزيزات والآليات ومصادر الإمداد.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات المسلحة اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية واسعة لحماية المدنيين، إذ دعت المواطنين وسائقي المركبات ووسائل النقل المدنية إلى تجنب طرق تستخدمها الجماعة في نقل عناصرها وإمداداتها العسكرية، حتى إشعار آخر.

وشملت قائمة الطرق طريق صنعاء - ذمار - إب - القاعدة - الحوبان - جولة القصر، وطريق الحوبان - الدمنة - الراهدة - حيفان - القبيطة - المفاليس، إلى جانب طرق أخرى تربط شرعب والربيعي والبرح والكدحة والوازعية وموزع والمخا، وكذلك طرق الأقروض وسامع والعيار وجبل حبشي.

ضربات جوية للجيش اليمني تضاعف خسائر الحوثيين في تعز (رويترز)

وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع نطاق التحركات العسكرية، فيما شددت القوات المسلحة على أن الإجراءات احترازية ومؤقتة، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم تمثل أولوية.

وفي تطور موازٍ، أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية حوثية في سماء العاصمة المؤقتة عدن، وقال المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني إن الطائرات أُسقطت قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.

كما أُعلن عن استهداف أهداف عالية القيمة في صنعاء، إلى جانب 11 هدفاً عسكرياً عالي القيمة في صعدة، في رسائل عسكرية تعكس اتساع نطاق العمليات خارج جبهات تعز، حيث عمق السيطرة الحوثية.

متابعة رئاسية

في موازاة هذه التطورات الميدانية، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي مشاورات موسعة بشأن الوضع الميداني في تعز، واطلع من عضوي مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي ومحمود الصبيحي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية في المحافظة على سير العمليات.

وشملت الإحاطات مستوى جاهزية القوات، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد، والتصدي لمحاولات التسلل والاختراقات، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها الجماعة جراء المواجهات والضربات الجوية.

عناصر من قوات الأمن اليمنية في مدينة تعز حيث تواجه المدينة وأريافها أشد الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وقال العليمي إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها وفق الخطط المقررة، مؤكداً أن الحوثيين هم من بدأوا الحرب، وأن القوات المسلحة ستنهيها، بحسب ما نقله الإعلام الرسمي، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الانجرار وراء حملات التعبئة، وعدم السماح بزجّ أبنائهم في هجمات وصفها بالخاسرة، مجدداً التزام الدولة بما سماه «مبادرة العودة الآمنة» وفتح أبوابها أمام من يختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها.


الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.