الانقسام السياسي يضرب الإعلام الليبي

من تجربة وكالة «فساطو» الإخبارية في جبل نفوسة.. إلى محطات التلفزيون المتعثرة

أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي
أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي
TT

الانقسام السياسي يضرب الإعلام الليبي

أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي
أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي

عقب الأشهر الأولى لسقوط نظام معمر القذافي، خرجت إلى النور المئات من التجارب الصحافية والإذاعية والتلفزيونية على أيدي جيل الشبان المتعطشين لصناعة مستقبل جديد. ورغم توافر الأموال لدى كثير ممن انخرطوا في صناعة الإعلام، ورغم قوة الإرادة لدى المبتدئين بنفقات قليلة، فإنه، وبعد نحو خمس سنوات من رحيل النظام السابق، أصبحت التجربة الإعلامية برمتها تواجه صعوبات وتتعرض لانتكاسة لأسباب مختلفة من بينها الانقسام السياسي والقبلي وفوضى الميليشيات. وطالت المشكلة الوكالات الإخبارية الناشئة مثل وكالة «فساطو» الإخبارية ومقرها في جبل نفوسة غرب مدينة طرابلس، وعصفت بمحطات تلفزيونية كبيرة ما بين التعثر والإغلاق، كما حدث مع قناة «ليبيا أولا» وغيرها.

إلى جانب التجارب الخاصة، توجد وكالة أنباء ليبية رسمية لكنها تتعرض لعراقيل بسبب انقسام السلطة بين جانبي البلاد. ويقول مدير وكالة «فساطو»، نوري كريوة، من مقر وكالته الصغيرة الخاصة في مدينة جادو بمنطقة الجبل الغربي، ذات الأغلبية الأمازيغية، إن أهم القضايا التي أصبحت تمثل هاجسا كبيرا للإعلاميين في ليبيا، هي «الأمن الخاص بالصحافيين». ويضيف أن الصحافي الذي يعمل من داخل البلاد يواجه دائما المخاطر، حتى وإن لم تكن له أي توجهات سياسية، إلا أن عامل القبلية له تأثير قوي».
بعد رحيل القذافي وتجربة نظامه الإعلامية المقيدة والخاضعة للدولة، بدأت تجارب طباعة صحف «التابلويد» وجرت أكبر عملية صيانة لآلات الطباعة القديمة، وظهرت إصدارات يومية في طرابلس ومصراتة مثل صحيفة «الوطن»، وأخرى أسبوعية في بنغازي مثل صحيفة «ميادين». وبدافع الطموح اشترى رجال أعمال ماكينات طبع الصحف الورقية من أوروبا وآسيا. في غرف التدريب كان عشرات المديرين الجدد ينتظمون كل صباح في دورات تخص تجارب العمل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
وحول ذلك، يقول أنور الشريف، أحد الإعلاميين في قناة «ليبيا أولا»، التي كانت تبث من القاهرة، «في ذلك الوقت ساد التفاؤل، وخرجت تجارب صحافية من لا شيء. كان يمكن أن تستمر لكن الأوضاع في البلاد تدهورت وبدأ كل شيء يعود إلى الخلف». وأغلقت القناة التي كان يعمل فيها الشريف. وغادر القاهرة أخيرا عائدا إلى ليبيا، لينضم إلى المئات من شباب وفتيات الإعلام ممن كانوا يحلمون بغد أفضل.
والمشكلة لا تتعلق فقط بالأسباب المادية وتفاوت الآراء على خلفية المتغيرات السياسية. هذا يمكن معالجته والعمل تحت مظلته كما يحدث في كثير من دول العالم، ولكنها تتعلق بالضغوط الكبيرة العابرة للحدود، التي تصل إلى درجة الإغلاق المفاجئ لقناة يعمل فيها عشرات الإعلاميين والمعدين والمصورين وغيرهم من الأطقم الفنية.
وعرضت قنوات ليبية أخرى نفسها للبيع بسبب مثل هذه الضغوط التي تخضع لتفسيرات مختلفة. فهناك من يقول إن القناة الليبية الفلانية التي تبث من القاهرة أو تركيا أو الأردن، لديها خط سياسي يتعارض مع توجهات هذه الدولة أو تلك.
وباتت ليبيا اليوم، عمليا، بلاد حاضنة لثلاث حكومات؛ حكومة عبد الله الثني المعترف بها دوليا، وتباشر أعمالها من مدينة البيضاء في شرق البلاد، وحكومة خليفة الغويل، غير المعترف بها دوليا وتعمل انطلاقا من العاصمة طرابلس. وأصبحت توجد حكومة ثالثة مقترحة من الأمم المتحدة، برئاسة فايز السراج ويقول إحسين اللامي المعد الإعلامي الليبي في قناة كانت تدعم حكومة الغويل: «كل جهة تدافع عن أبواقها».
وفقد اللامي عمله في قناة كانت محسوبة على رجل أعمال يقول إنه اضطر في نهاية المطاف لإغلاقها. ويضيف اللامي أن صاحب القناة تعرض لضغوط من دول تدعم حكومة السراج، وقالت له: نكتفي بهذا القدر.
يذكر أن أكبر قوتين في ليبيا هما قوات الجيش الليبي بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، وقوات الميليشيات، وأشهرها ميليشيا فجر ليبيا المناوئة للسلطات المعترف بها دوليا. ويستمد حفتر (وحكومة الثني) شرعيته من مجلس النواب (البرلمان) الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق شرق البلاد، بينما تستمد الميليشيات (وحكومة الغويل) الشرعية من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته (البرلمان السابق).
ويعد كريوة من الجيل الذي تحدى الصعاب في مرحلة ما بعد ثورة 2011 من أجل تأسيس إعلام جديد، لكنه اليوم يقول إن الإعلاميين العاملين في الداخل يواجهون صعابا جمة.. «الصحافي حين يكون من طبرق، وهو ليس له علاقة بأي حزب سياسي ولا يعترف بعملية الكرامة، أو عملية فجر ليبيا فقط، أو يعمل في قناة فضائية لا تعترف بشرعية المؤتمر الوطني العام، بل تعترف بشرعية مجلس النواب، فهذا الصحافي لا يستطيع الدخول إلى المدن التي تعترف بشرعية المؤتمر ولا تعترف بشرعية مجلس النواب.. لماذا لأنه يعمل في قناة غير معترفة بشرعية المؤتمر، ولأنه من مدينة وقبيلة اعترفت بشرعية مجلس النواب». ويضيف أن الأمور تجري على هذا النحو مع باقي الصحافيين الذين يعملون بالقنوات التي اعترفت بشرعية المؤتمر، قائلا إن الإعلامي في ليبيا، خاصة المراسلين والمذيعين التلفزيونيين، هم دائما الأكثر تهديدا بسبب تغطيتهم للأحداث على الأرض.
بدأ كريوة العمل في مجال الإعلام مثل مئات من الشبان الليبيين، مع أحداث ثورة 17 فبراير. وساعد على ذلك سهولة جلب مطابع الصحف من الخارج، وانتشار الإنترنت، وسهولة التواصل ونقل الأخبار والبث.
ويقول اللامي إن كل مدينة ليبية تقريبا كان فيها إذاعة خاصة بها تابعة للدولة في عهد القذافي، وهذا ساهم في سرعة الانخراط في العمل الإعلامي فيما بعد. كانت توجد مؤسسات. لا تنس أن الدولة كان لديها استوديوهات وقنوات بث وكانت لديها مطابع وتصدر ما لا يقل عن عشر صحف يومية مثل صحيفتي «الشمس» و«الزحف الأخضر» وغيرهما.
وتمكنت جهات كثيرة كانت في صدارة المشهد بعد رحيل النظام السابق من الهيمنة على الإدارات الإعلامية السابقة بما فيها من إمكانات وأجهزة ومعدات، ما زال بعضها يعمل حتى الآن، لكن بطريقة مختلفة عن الماضي. كما أصبحت عدة قنوات إذاعية وتلفزيونية ومطابع تحت أيدي الميليشيات والمتطرفين بما في ذلك تنظيم داعش المتطرف.
لكن توجد تجارب خاصة لم تعتمد على أي مؤسسات قديمة، وانطلقت أساسا على أيدي الشبان الذين كانوا يعملون في المراكز الإعلامية للثورة. ففي مدن درنة وشحات وطرابلس، دارت مطابع جديدة لإصدار صحف محلية، ثم توقف معظمها، وهكذا الحال في بنغازي التي تحولت لمدينة أشباح بسبب الاقتتال الأهلي.
التحق كريوة بالمركز الإعلامي لمدينة جادو، وظل يكتب المقالات عن الثورة والثوار حتى انتهى حكم القذافي. ويقول: «بعد ذلك خطرت ببالي فكرة، وهي إنشاء وكالة إخبارية على فيسبوك أولا». ويضيف: «وفعلا أسست وكالة إخبارية وسميتها وكالة فساطو، وانطلقت منذ أواخر 2011 في العمل لتغطية النشاطات التي تحدث في مدينتي فقط، وبعدها وسعت من نشاطاتي وأصبحت أغطي منطقة الجبل كلها». ويستطرد بقوله شارحا: «كنت أتحمل بنفسي مصاريف العمل مثل ثمن كروت الاتصالات بالمسؤولين لإجراء المقابلات ومصاريف الإنترنت ومصاريف الأجهزة مثل الكومبيوتر وكاميرات التصوير. وفي هذه الأثناء كانت تنتشر في ليبيا المزيد من القنوات الإعلامية الأخرى الكبيرة التي تبلغ كلفتها ملايين الدولارات».
مرت سنة، وعندها توسع نشاط كريوة، وأصبحت وكالته تغطي باقي المدن الليبية وأصبح لديه مسؤول تصوير، يدعى صالح عياد حفيانة.. «لكنه (استشهد) في طرابلس أثناء اشتباكات في منطقة غرغور وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، رغم أنه لم يكن مكلفا بأعمال حيث كان في زيارة لأسرته هناك، لكن حين تفجرت الأحداث تحول إلى صحافي وكان يرسل الأخبار للوكالة أولا بأول».
في مطلع 2014 أطلقت وكالة «فساطو» موقعها الرسمي على الإنترنت. وأصبحت تنقل الأخبار العالمية إلى جانب الأخبار الليبية. ومع عام 2015 أطلقت الوكالة تطبيقها الرسمي للهواتف الجوالة (للآندرويد). وغطت الوكالة الكثير من الأحدث خاصة في منطقة جبل نفوسه إلى العاصمة طرابلس كما تعاونت الوكالة مع عدد من الصحافيين والإعلاميين الليبيين المستقلين.
وخطف وقتل صحافيون آخرون سواء في الاشتباكات التي تجري بين الجهات المختلفة، أو على يد تنظيم داعش المتطرف. ومن بين الضحايا إعلاميون مصريون وتونسيون إضافة لليبيين. أما من فقدوا أعمالهم بسبب الغلق أو الخروج من السوق فبالعشرات. ومع ذلك استمر التحدي، بحثا عن مستقبل مختلف مثلما يفعل كريوة وزملاؤه في عموم البلاد.



«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين


«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين
TT

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

في خطوة تُصعّد المنافسة مع منصات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شركة «ميتا» تطبيقاً جديداً أسمته «فوروم»، يهدف إلى تحويل كل المجموعات التي يشترك فيها المستخدم على «فيسبوك» إلى تجربة تفاعلية مستقلة.

وفقاً لما ذكرته «ميتا» في بيان لها بنهاية مايو (أيار) المنصرم، فإن «فوروم» يُعدّ ساحة للنقاش العميق في المواضيع التي تثير اهتمام المستخدم، ويعتمد في الأساس على خاصية «اسأل»، التي تدمج الردود من مختلف المجموعات لتقديم إجابات فورية.

وحسب الشركة، فإن «الإجابات التي يحصل عليها المستخدم يصار إلى جمعها وتدقيقها عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يتولّى ترجيح أكثر الإجابات التي حصلت على تفاعل إيجابي».

مراقبون يرون أن ما تقدمه «ميتا» ليس ابتكاراً، بل هو ميزة يوفرها بالفعل تطبيق «ريديت». إذ يتيح إجابات بشرية حقيقية للأسئلة من مستخدمين يمتلكون خبرة ومعرفة في بعض المواضيع، وهو السبب ذاته الذي يجعله حالياً أحد أكثر المصادر التي تستشهد بها برمجيات وتطبيقات الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابات.

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصّص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن «ميتا» تراهن على نقل المستخدم من شبكة علاقات شخصية إلى «مجتمعات اهتمام»، مستفيدة من قوتها العددية عبر دمج مجموعات «فيسبوك» الجاهزة داخل «فوروم».

ويوضح علي سعد لـ«الشرق الأوسط» ان «هذا الدمج يقلل تكلفة انتقال المستخدم ويجعل دخوله فورياً، بينما تخلق ميزة (اسأل) إحساساً بالاكتفاء داخل المنصة من دون الحاجة إلى المغادرة إلى محركات البحث التقليدية، لكن هذا الرهان يصطدم بعائق الخصوصية».

ويتابع أنه «بينما توفر منصة (ريديت) مساحة مجهولة لطرح الأسئلة الحساسة، تظل بيئة (ميتا) مرتبطة بالهوية الحقيقية؛ ما قد يحد من عمق التفاعل». ثم يضيف: «النتيجة المتوقعة هي نجاح في جذب المستخدم اليومي، مقابل صعوبة في استقطاب المجتمعات المتخصصة التي تفضل السرية».

من ناحية أخرى، فإن «ميتا» بطرحها تطبيق «فوروم» تدخل وفق الدكتور علي سعد «منطقة حساسة أخلاقياً وقانونياً مع سعيها لتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات المستخدمين... والتحدي الأبرز هو الموافقة المستنيرة، حيث قد لا يدرك المستخدم أن مشاركاته الشخصية تُستخدم في تدريب النماذج، مع صعوبة حذف أثرها لاحقاً».

ثم يستطرد موضحاً: «إلى جانب ذلك، تلوح في الأفق مخاطر جودة البيانات، فالاعتماد على إجابات الجمهور يفتح الباب أمام التحيزات، والمعلومات المضللة، بل واحتمالات فساد المحتوى عمداً لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي وجهات محددة». كذلك تزداد هذه المخاطر مع «احتمال تسرّب البيانات الحساسة رغم محاولات إخفاء الهوية؛ ما يضع (ميتا) تحت طائلة قيود تنظيمية صارمة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي».

للعلم، يقوم مستخدمو «فوروم» بتسجيل الدخول عبر استخدام بيانات اعتماد حساباتهم على «فيسبوك». وبناءً على ذلك يجري استيراد مجموعاتهم تلقائياً داخل التطبيق. وسيكون بإمكان المستخدمين بعد ذلك المشاركة في مناقشات المجموعات، أو العثور على مجموعات ذات صلة بناءً على المواضيع التي يثير اهتمامهم بالفعل.

في سياق متصل، صرّح خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في المملكة العربية السعودية ومصر، في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن شركة «ميتا» تعتمد «الاستنساخ الرقمي» استراتيجيةً راسخةً وممنهجة. ويلفت إلى انعكاس هذه الاستراتيجية بدءاً من اقتباس ميزة «القصص» من «سنابشات»، مروراً بـ«الريلز» لمواجهة صعود «تيك توك»، ووصولاً إلى إطلاق «ثريدز» بديلاً مباشراً لمنصة «إكس»، والآن «فوروم».

وأردف عبد الراضي: «تعود أسباب هذه الاستراتيجية بالأساس إلى طبيعة سوق المنافسة الشرسة بين منصات التكنولوجيا، فمع ظهور أي منتج جديد يلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً، تلجأ الشركات الكبرى عادة إلى خيارين، إما الاستحواذ الكامل على هذا الوافد الناجح، أو إصدار نسخة مستنسخة ومطوّرة منه؛ وذلك لجذب مستخدمين».

وفي رأيه: «تتجاوز أهداف (ميتا) من استراتيجية الاستنساخ مجرد الهيمنة، بل هي تمتد إلى أن الاستنساخ أيضاً يعدّ خياراً اقتصادياً ذكياً يوفر تكاليف ابتكار الأفكار وتطويرها».


«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي