عقب الأشهر الأولى لسقوط نظام معمر القذافي، خرجت إلى النور المئات من التجارب الصحافية والإذاعية والتلفزيونية على أيدي جيل الشبان المتعطشين لصناعة مستقبل جديد. ورغم توافر الأموال لدى كثير ممن انخرطوا في صناعة الإعلام، ورغم قوة الإرادة لدى المبتدئين بنفقات قليلة، فإنه، وبعد نحو خمس سنوات من رحيل النظام السابق، أصبحت التجربة الإعلامية برمتها تواجه صعوبات وتتعرض لانتكاسة لأسباب مختلفة من بينها الانقسام السياسي والقبلي وفوضى الميليشيات. وطالت المشكلة الوكالات الإخبارية الناشئة مثل وكالة «فساطو» الإخبارية ومقرها في جبل نفوسة غرب مدينة طرابلس، وعصفت بمحطات تلفزيونية كبيرة ما بين التعثر والإغلاق، كما حدث مع قناة «ليبيا أولا» وغيرها.
إلى جانب التجارب الخاصة، توجد وكالة أنباء ليبية رسمية لكنها تتعرض لعراقيل بسبب انقسام السلطة بين جانبي البلاد. ويقول مدير وكالة «فساطو»، نوري كريوة، من مقر وكالته الصغيرة الخاصة في مدينة جادو بمنطقة الجبل الغربي، ذات الأغلبية الأمازيغية، إن أهم القضايا التي أصبحت تمثل هاجسا كبيرا للإعلاميين في ليبيا، هي «الأمن الخاص بالصحافيين». ويضيف أن الصحافي الذي يعمل من داخل البلاد يواجه دائما المخاطر، حتى وإن لم تكن له أي توجهات سياسية، إلا أن عامل القبلية له تأثير قوي».
بعد رحيل القذافي وتجربة نظامه الإعلامية المقيدة والخاضعة للدولة، بدأت تجارب طباعة صحف «التابلويد» وجرت أكبر عملية صيانة لآلات الطباعة القديمة، وظهرت إصدارات يومية في طرابلس ومصراتة مثل صحيفة «الوطن»، وأخرى أسبوعية في بنغازي مثل صحيفة «ميادين». وبدافع الطموح اشترى رجال أعمال ماكينات طبع الصحف الورقية من أوروبا وآسيا. في غرف التدريب كان عشرات المديرين الجدد ينتظمون كل صباح في دورات تخص تجارب العمل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
وحول ذلك، يقول أنور الشريف، أحد الإعلاميين في قناة «ليبيا أولا»، التي كانت تبث من القاهرة، «في ذلك الوقت ساد التفاؤل، وخرجت تجارب صحافية من لا شيء. كان يمكن أن تستمر لكن الأوضاع في البلاد تدهورت وبدأ كل شيء يعود إلى الخلف». وأغلقت القناة التي كان يعمل فيها الشريف. وغادر القاهرة أخيرا عائدا إلى ليبيا، لينضم إلى المئات من شباب وفتيات الإعلام ممن كانوا يحلمون بغد أفضل.
والمشكلة لا تتعلق فقط بالأسباب المادية وتفاوت الآراء على خلفية المتغيرات السياسية. هذا يمكن معالجته والعمل تحت مظلته كما يحدث في كثير من دول العالم، ولكنها تتعلق بالضغوط الكبيرة العابرة للحدود، التي تصل إلى درجة الإغلاق المفاجئ لقناة يعمل فيها عشرات الإعلاميين والمعدين والمصورين وغيرهم من الأطقم الفنية.
وعرضت قنوات ليبية أخرى نفسها للبيع بسبب مثل هذه الضغوط التي تخضع لتفسيرات مختلفة. فهناك من يقول إن القناة الليبية الفلانية التي تبث من القاهرة أو تركيا أو الأردن، لديها خط سياسي يتعارض مع توجهات هذه الدولة أو تلك.
وباتت ليبيا اليوم، عمليا، بلاد حاضنة لثلاث حكومات؛ حكومة عبد الله الثني المعترف بها دوليا، وتباشر أعمالها من مدينة البيضاء في شرق البلاد، وحكومة خليفة الغويل، غير المعترف بها دوليا وتعمل انطلاقا من العاصمة طرابلس. وأصبحت توجد حكومة ثالثة مقترحة من الأمم المتحدة، برئاسة فايز السراج ويقول إحسين اللامي المعد الإعلامي الليبي في قناة كانت تدعم حكومة الغويل: «كل جهة تدافع عن أبواقها».
وفقد اللامي عمله في قناة كانت محسوبة على رجل أعمال يقول إنه اضطر في نهاية المطاف لإغلاقها. ويضيف اللامي أن صاحب القناة تعرض لضغوط من دول تدعم حكومة السراج، وقالت له: نكتفي بهذا القدر.
يذكر أن أكبر قوتين في ليبيا هما قوات الجيش الليبي بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، وقوات الميليشيات، وأشهرها ميليشيا فجر ليبيا المناوئة للسلطات المعترف بها دوليا. ويستمد حفتر (وحكومة الثني) شرعيته من مجلس النواب (البرلمان) الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق شرق البلاد، بينما تستمد الميليشيات (وحكومة الغويل) الشرعية من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته (البرلمان السابق).
ويعد كريوة من الجيل الذي تحدى الصعاب في مرحلة ما بعد ثورة 2011 من أجل تأسيس إعلام جديد، لكنه اليوم يقول إن الإعلاميين العاملين في الداخل يواجهون صعابا جمة.. «الصحافي حين يكون من طبرق، وهو ليس له علاقة بأي حزب سياسي ولا يعترف بعملية الكرامة، أو عملية فجر ليبيا فقط، أو يعمل في قناة فضائية لا تعترف بشرعية المؤتمر الوطني العام، بل تعترف بشرعية مجلس النواب، فهذا الصحافي لا يستطيع الدخول إلى المدن التي تعترف بشرعية المؤتمر ولا تعترف بشرعية مجلس النواب.. لماذا لأنه يعمل في قناة غير معترفة بشرعية المؤتمر، ولأنه من مدينة وقبيلة اعترفت بشرعية مجلس النواب». ويضيف أن الأمور تجري على هذا النحو مع باقي الصحافيين الذين يعملون بالقنوات التي اعترفت بشرعية المؤتمر، قائلا إن الإعلامي في ليبيا، خاصة المراسلين والمذيعين التلفزيونيين، هم دائما الأكثر تهديدا بسبب تغطيتهم للأحداث على الأرض.
بدأ كريوة العمل في مجال الإعلام مثل مئات من الشبان الليبيين، مع أحداث ثورة 17 فبراير. وساعد على ذلك سهولة جلب مطابع الصحف من الخارج، وانتشار الإنترنت، وسهولة التواصل ونقل الأخبار والبث.
ويقول اللامي إن كل مدينة ليبية تقريبا كان فيها إذاعة خاصة بها تابعة للدولة في عهد القذافي، وهذا ساهم في سرعة الانخراط في العمل الإعلامي فيما بعد. كانت توجد مؤسسات. لا تنس أن الدولة كان لديها استوديوهات وقنوات بث وكانت لديها مطابع وتصدر ما لا يقل عن عشر صحف يومية مثل صحيفتي «الشمس» و«الزحف الأخضر» وغيرهما.
وتمكنت جهات كثيرة كانت في صدارة المشهد بعد رحيل النظام السابق من الهيمنة على الإدارات الإعلامية السابقة بما فيها من إمكانات وأجهزة ومعدات، ما زال بعضها يعمل حتى الآن، لكن بطريقة مختلفة عن الماضي. كما أصبحت عدة قنوات إذاعية وتلفزيونية ومطابع تحت أيدي الميليشيات والمتطرفين بما في ذلك تنظيم داعش المتطرف.
لكن توجد تجارب خاصة لم تعتمد على أي مؤسسات قديمة، وانطلقت أساسا على أيدي الشبان الذين كانوا يعملون في المراكز الإعلامية للثورة. ففي مدن درنة وشحات وطرابلس، دارت مطابع جديدة لإصدار صحف محلية، ثم توقف معظمها، وهكذا الحال في بنغازي التي تحولت لمدينة أشباح بسبب الاقتتال الأهلي.
التحق كريوة بالمركز الإعلامي لمدينة جادو، وظل يكتب المقالات عن الثورة والثوار حتى انتهى حكم القذافي. ويقول: «بعد ذلك خطرت ببالي فكرة، وهي إنشاء وكالة إخبارية على فيسبوك أولا». ويضيف: «وفعلا أسست وكالة إخبارية وسميتها وكالة فساطو، وانطلقت منذ أواخر 2011 في العمل لتغطية النشاطات التي تحدث في مدينتي فقط، وبعدها وسعت من نشاطاتي وأصبحت أغطي منطقة الجبل كلها». ويستطرد بقوله شارحا: «كنت أتحمل بنفسي مصاريف العمل مثل ثمن كروت الاتصالات بالمسؤولين لإجراء المقابلات ومصاريف الإنترنت ومصاريف الأجهزة مثل الكومبيوتر وكاميرات التصوير. وفي هذه الأثناء كانت تنتشر في ليبيا المزيد من القنوات الإعلامية الأخرى الكبيرة التي تبلغ كلفتها ملايين الدولارات».
مرت سنة، وعندها توسع نشاط كريوة، وأصبحت وكالته تغطي باقي المدن الليبية وأصبح لديه مسؤول تصوير، يدعى صالح عياد حفيانة.. «لكنه (استشهد) في طرابلس أثناء اشتباكات في منطقة غرغور وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، رغم أنه لم يكن مكلفا بأعمال حيث كان في زيارة لأسرته هناك، لكن حين تفجرت الأحداث تحول إلى صحافي وكان يرسل الأخبار للوكالة أولا بأول».
في مطلع 2014 أطلقت وكالة «فساطو» موقعها الرسمي على الإنترنت. وأصبحت تنقل الأخبار العالمية إلى جانب الأخبار الليبية. ومع عام 2015 أطلقت الوكالة تطبيقها الرسمي للهواتف الجوالة (للآندرويد). وغطت الوكالة الكثير من الأحدث خاصة في منطقة جبل نفوسه إلى العاصمة طرابلس كما تعاونت الوكالة مع عدد من الصحافيين والإعلاميين الليبيين المستقلين.
وخطف وقتل صحافيون آخرون سواء في الاشتباكات التي تجري بين الجهات المختلفة، أو على يد تنظيم داعش المتطرف. ومن بين الضحايا إعلاميون مصريون وتونسيون إضافة لليبيين. أما من فقدوا أعمالهم بسبب الغلق أو الخروج من السوق فبالعشرات. ومع ذلك استمر التحدي، بحثا عن مستقبل مختلف مثلما يفعل كريوة وزملاؤه في عموم البلاد.




