الانقسام السياسي يضرب الإعلام الليبي

من تجربة وكالة «فساطو» الإخبارية في جبل نفوسة.. إلى محطات التلفزيون المتعثرة

أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي
أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي
TT

الانقسام السياسي يضرب الإعلام الليبي

أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي
أعداد من صحف ليبية في مرحلة ما بعد القذافي

عقب الأشهر الأولى لسقوط نظام معمر القذافي، خرجت إلى النور المئات من التجارب الصحافية والإذاعية والتلفزيونية على أيدي جيل الشبان المتعطشين لصناعة مستقبل جديد. ورغم توافر الأموال لدى كثير ممن انخرطوا في صناعة الإعلام، ورغم قوة الإرادة لدى المبتدئين بنفقات قليلة، فإنه، وبعد نحو خمس سنوات من رحيل النظام السابق، أصبحت التجربة الإعلامية برمتها تواجه صعوبات وتتعرض لانتكاسة لأسباب مختلفة من بينها الانقسام السياسي والقبلي وفوضى الميليشيات. وطالت المشكلة الوكالات الإخبارية الناشئة مثل وكالة «فساطو» الإخبارية ومقرها في جبل نفوسة غرب مدينة طرابلس، وعصفت بمحطات تلفزيونية كبيرة ما بين التعثر والإغلاق، كما حدث مع قناة «ليبيا أولا» وغيرها.

إلى جانب التجارب الخاصة، توجد وكالة أنباء ليبية رسمية لكنها تتعرض لعراقيل بسبب انقسام السلطة بين جانبي البلاد. ويقول مدير وكالة «فساطو»، نوري كريوة، من مقر وكالته الصغيرة الخاصة في مدينة جادو بمنطقة الجبل الغربي، ذات الأغلبية الأمازيغية، إن أهم القضايا التي أصبحت تمثل هاجسا كبيرا للإعلاميين في ليبيا، هي «الأمن الخاص بالصحافيين». ويضيف أن الصحافي الذي يعمل من داخل البلاد يواجه دائما المخاطر، حتى وإن لم تكن له أي توجهات سياسية، إلا أن عامل القبلية له تأثير قوي».
بعد رحيل القذافي وتجربة نظامه الإعلامية المقيدة والخاضعة للدولة، بدأت تجارب طباعة صحف «التابلويد» وجرت أكبر عملية صيانة لآلات الطباعة القديمة، وظهرت إصدارات يومية في طرابلس ومصراتة مثل صحيفة «الوطن»، وأخرى أسبوعية في بنغازي مثل صحيفة «ميادين». وبدافع الطموح اشترى رجال أعمال ماكينات طبع الصحف الورقية من أوروبا وآسيا. في غرف التدريب كان عشرات المديرين الجدد ينتظمون كل صباح في دورات تخص تجارب العمل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.
وحول ذلك، يقول أنور الشريف، أحد الإعلاميين في قناة «ليبيا أولا»، التي كانت تبث من القاهرة، «في ذلك الوقت ساد التفاؤل، وخرجت تجارب صحافية من لا شيء. كان يمكن أن تستمر لكن الأوضاع في البلاد تدهورت وبدأ كل شيء يعود إلى الخلف». وأغلقت القناة التي كان يعمل فيها الشريف. وغادر القاهرة أخيرا عائدا إلى ليبيا، لينضم إلى المئات من شباب وفتيات الإعلام ممن كانوا يحلمون بغد أفضل.
والمشكلة لا تتعلق فقط بالأسباب المادية وتفاوت الآراء على خلفية المتغيرات السياسية. هذا يمكن معالجته والعمل تحت مظلته كما يحدث في كثير من دول العالم، ولكنها تتعلق بالضغوط الكبيرة العابرة للحدود، التي تصل إلى درجة الإغلاق المفاجئ لقناة يعمل فيها عشرات الإعلاميين والمعدين والمصورين وغيرهم من الأطقم الفنية.
وعرضت قنوات ليبية أخرى نفسها للبيع بسبب مثل هذه الضغوط التي تخضع لتفسيرات مختلفة. فهناك من يقول إن القناة الليبية الفلانية التي تبث من القاهرة أو تركيا أو الأردن، لديها خط سياسي يتعارض مع توجهات هذه الدولة أو تلك.
وباتت ليبيا اليوم، عمليا، بلاد حاضنة لثلاث حكومات؛ حكومة عبد الله الثني المعترف بها دوليا، وتباشر أعمالها من مدينة البيضاء في شرق البلاد، وحكومة خليفة الغويل، غير المعترف بها دوليا وتعمل انطلاقا من العاصمة طرابلس. وأصبحت توجد حكومة ثالثة مقترحة من الأمم المتحدة، برئاسة فايز السراج ويقول إحسين اللامي المعد الإعلامي الليبي في قناة كانت تدعم حكومة الغويل: «كل جهة تدافع عن أبواقها».
وفقد اللامي عمله في قناة كانت محسوبة على رجل أعمال يقول إنه اضطر في نهاية المطاف لإغلاقها. ويضيف اللامي أن صاحب القناة تعرض لضغوط من دول تدعم حكومة السراج، وقالت له: نكتفي بهذا القدر.
يذكر أن أكبر قوتين في ليبيا هما قوات الجيش الليبي بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، وقوات الميليشيات، وأشهرها ميليشيا فجر ليبيا المناوئة للسلطات المعترف بها دوليا. ويستمد حفتر (وحكومة الثني) شرعيته من مجلس النواب (البرلمان) الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق شرق البلاد، بينما تستمد الميليشيات (وحكومة الغويل) الشرعية من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته (البرلمان السابق).
ويعد كريوة من الجيل الذي تحدى الصعاب في مرحلة ما بعد ثورة 2011 من أجل تأسيس إعلام جديد، لكنه اليوم يقول إن الإعلاميين العاملين في الداخل يواجهون صعابا جمة.. «الصحافي حين يكون من طبرق، وهو ليس له علاقة بأي حزب سياسي ولا يعترف بعملية الكرامة، أو عملية فجر ليبيا فقط، أو يعمل في قناة فضائية لا تعترف بشرعية المؤتمر الوطني العام، بل تعترف بشرعية مجلس النواب، فهذا الصحافي لا يستطيع الدخول إلى المدن التي تعترف بشرعية المؤتمر ولا تعترف بشرعية مجلس النواب.. لماذا لأنه يعمل في قناة غير معترفة بشرعية المؤتمر، ولأنه من مدينة وقبيلة اعترفت بشرعية مجلس النواب». ويضيف أن الأمور تجري على هذا النحو مع باقي الصحافيين الذين يعملون بالقنوات التي اعترفت بشرعية المؤتمر، قائلا إن الإعلامي في ليبيا، خاصة المراسلين والمذيعين التلفزيونيين، هم دائما الأكثر تهديدا بسبب تغطيتهم للأحداث على الأرض.
بدأ كريوة العمل في مجال الإعلام مثل مئات من الشبان الليبيين، مع أحداث ثورة 17 فبراير. وساعد على ذلك سهولة جلب مطابع الصحف من الخارج، وانتشار الإنترنت، وسهولة التواصل ونقل الأخبار والبث.
ويقول اللامي إن كل مدينة ليبية تقريبا كان فيها إذاعة خاصة بها تابعة للدولة في عهد القذافي، وهذا ساهم في سرعة الانخراط في العمل الإعلامي فيما بعد. كانت توجد مؤسسات. لا تنس أن الدولة كان لديها استوديوهات وقنوات بث وكانت لديها مطابع وتصدر ما لا يقل عن عشر صحف يومية مثل صحيفتي «الشمس» و«الزحف الأخضر» وغيرهما.
وتمكنت جهات كثيرة كانت في صدارة المشهد بعد رحيل النظام السابق من الهيمنة على الإدارات الإعلامية السابقة بما فيها من إمكانات وأجهزة ومعدات، ما زال بعضها يعمل حتى الآن، لكن بطريقة مختلفة عن الماضي. كما أصبحت عدة قنوات إذاعية وتلفزيونية ومطابع تحت أيدي الميليشيات والمتطرفين بما في ذلك تنظيم داعش المتطرف.
لكن توجد تجارب خاصة لم تعتمد على أي مؤسسات قديمة، وانطلقت أساسا على أيدي الشبان الذين كانوا يعملون في المراكز الإعلامية للثورة. ففي مدن درنة وشحات وطرابلس، دارت مطابع جديدة لإصدار صحف محلية، ثم توقف معظمها، وهكذا الحال في بنغازي التي تحولت لمدينة أشباح بسبب الاقتتال الأهلي.
التحق كريوة بالمركز الإعلامي لمدينة جادو، وظل يكتب المقالات عن الثورة والثوار حتى انتهى حكم القذافي. ويقول: «بعد ذلك خطرت ببالي فكرة، وهي إنشاء وكالة إخبارية على فيسبوك أولا». ويضيف: «وفعلا أسست وكالة إخبارية وسميتها وكالة فساطو، وانطلقت منذ أواخر 2011 في العمل لتغطية النشاطات التي تحدث في مدينتي فقط، وبعدها وسعت من نشاطاتي وأصبحت أغطي منطقة الجبل كلها». ويستطرد بقوله شارحا: «كنت أتحمل بنفسي مصاريف العمل مثل ثمن كروت الاتصالات بالمسؤولين لإجراء المقابلات ومصاريف الإنترنت ومصاريف الأجهزة مثل الكومبيوتر وكاميرات التصوير. وفي هذه الأثناء كانت تنتشر في ليبيا المزيد من القنوات الإعلامية الأخرى الكبيرة التي تبلغ كلفتها ملايين الدولارات».
مرت سنة، وعندها توسع نشاط كريوة، وأصبحت وكالته تغطي باقي المدن الليبية وأصبح لديه مسؤول تصوير، يدعى صالح عياد حفيانة.. «لكنه (استشهد) في طرابلس أثناء اشتباكات في منطقة غرغور وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، رغم أنه لم يكن مكلفا بأعمال حيث كان في زيارة لأسرته هناك، لكن حين تفجرت الأحداث تحول إلى صحافي وكان يرسل الأخبار للوكالة أولا بأول».
في مطلع 2014 أطلقت وكالة «فساطو» موقعها الرسمي على الإنترنت. وأصبحت تنقل الأخبار العالمية إلى جانب الأخبار الليبية. ومع عام 2015 أطلقت الوكالة تطبيقها الرسمي للهواتف الجوالة (للآندرويد). وغطت الوكالة الكثير من الأحدث خاصة في منطقة جبل نفوسه إلى العاصمة طرابلس كما تعاونت الوكالة مع عدد من الصحافيين والإعلاميين الليبيين المستقلين.
وخطف وقتل صحافيون آخرون سواء في الاشتباكات التي تجري بين الجهات المختلفة، أو على يد تنظيم داعش المتطرف. ومن بين الضحايا إعلاميون مصريون وتونسيون إضافة لليبيين. أما من فقدوا أعمالهم بسبب الغلق أو الخروج من السوق فبالعشرات. ومع ذلك استمر التحدي، بحثا عن مستقبل مختلف مثلما يفعل كريوة وزملاؤه في عموم البلاد.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.