خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي

الرئيسة الجديدة لمجلس النواب تدافع عن حقوق المرأة والمهاجرين

خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي
TT

خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي

خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي

أن تنجح في الصعود إلى قمة جبل في ظروف مناخية صعبة، أو تتمكن من السباحة عكس التيار أو في وجه أمواج عاتية لكي تصل إلى برّ الأمان، فهذا بلا شك إنجاز كبير، يستحق أن يحظى بتقدير الجميع. هذا بالضبط ما ينطبق على خديجة عريب، السيدة الهولندية المتحدّرة من أصل مغربي، التي خطفت الأضواء خلال شهر يناير (كانون الثاني) الجاري، بعد انتخابها رئيسة لمجلس النواب في هولندا. كما هو معلوم على نطاق واسع في أوروبا - وربما في خارجها أيضًا - يتمتع تيار اليمين المتطرّف الهولندي، بل والعنصري غالبًا، بشعبية كبيرة. وكمثال، نشير إلى حزب الحرية الذي يقوده خيرت فيلدرز المعروف بمواقفه العدائية من المهاجرين الأجانب وخاصة المسلمين والعرب. وبناءً عليه، في ظل هذا الحضور القوي لليمين المتطرف لم يكن أحد يتوقع أن تنجح سيدة من أصول أجنبية في إلحاق الهزيمة بخطط اليمين التي تستهدف الأجانب في هولندا وتطالب بإبعادهم خارج البلاد.

انتخبت خديجة عريب، وهي سياسية وبرلمانية تتحدّر من أصل مغربي وتنتمي إلى حزب العمل الهولندي، يوم 13 يناير الجاري رئيسة لمجلس النواب، الذي هو أحد المجلسين اللذين يشكلان السلطة التشريعية (البرلمان) في هولندا.
في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قال باين لامفيرس، الباحث في شؤون الإحصاء والأقليات في مدينة لاهاي، معلقًا على هذا الحدث البارز «من وجهة نظري، أنا أعتبر تصويت النواب سيفًا ذا حدّين، فهو من جهة سيعزّز مكانة المهاجرين ويقوي ثقتهم في المؤسسات النيابية الهولندية. ولكن من جهة أخرى أرى في التوافق على انتخاب خديجة عريب، السياسية المغربية الأصل، عملية تصفية حسابات سياسية مع حزب خيرت فيلدرز، خاصة أن هذا الحزب عادة ما يشكك في عمل المؤسسات التمثيلية.. وكلنا يتذكر تدخل فيلدرز في كلام أمام البرلمان اعتبر فيه «البرلمان زائفًا». وبالتالي، سيستغل حزب الحرية هذا الحدث إعلاميًا للتأثير كعادته على الرأي العام الهولندي، لا سيما أن التكهنات تشير إلى احتمال فوز هذا الحزب بالمكانة الأولى في الانتخابات المقبلة، والظفر بـ42 مقعدًا تقريبًا في مجلس النواب التالي.
السيرة الذاتية لخديجة عريب، تفيد بأنها من مواليد أكتوبر (تشرين الأول) عام 1960 في الهدامي، إحدى بطون قبيلة أولاد سعيد بمنطقة لغنيميين، في إقليم سطات (جنوب شرقي الدار البيضاء). وهي وحيدة عائلتها وهاجرت إلى هولندا بعد بلوغها الخامسة عشرة من عمرها في إطار جمع شمل الأسرة، وكان قانونًا جديدًا في حينه. وكان أول تحدٍّ لها هو كيفية استيعاب لغة البلاد، الصعبة والمعقدة. وهو الأمر الذي استطاعت التمكن منه بعد فترة وجيزة من الزمن قبل بلوغها سن الشباب.
في هولندا أكملت عريب دراستها المتوسطة والثانوية، والتحقت على الأثر بجامعة أمستردام حيث تخرّجت مجازة (بكالوريوس) بعلم الاجتماع، ثم حصلت من الجامعة نفسها على شهادة الماجستير. أما في ميدان العمل فإنها تقلبت في العمل الحكومي والنشاطات الاجتماعية والتعليم في مدن بريدا وأوتريخت وروتردام، بالإضافة إلى أمستردام. وانخرطت في المجال السياسي عبر عضويتها في حزب العمل، وهو حزب ديمقراطي اشتراكي يعد أكبر أحزاب يسار الوسط في البلاد.
وعام 1998 دخلت عريب مجلس النواب لأول مرة واحتفظت بمقعدها فيه حتى أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2006. ثم عادت إلى البرلمان في 1 مارس (آذار) 2007 وحتى اليوم. وطوال فترة عملها البرلماني ركّزت عريب اهتماماتها على قضايا العنصرية والتمييز والإساءة إلى المرأة والعنف المنزلي والعناية بالطفل والأم. وفي المقابل، واجهت حملات عنيفة من العنصريين واليمينيين المتطرفين في حزب الحرية لاحتفاظها بالجنسية المغربية مع حملها الجنسية الهولندية، ودورها في هيئة استشارية على صلة بالعرش المغربي. وللعلم، فإن عريب متزوجة من نور الدين دحّان، وأم لثلاثة أولاد منهم الكاتبة صابرة دحّان.
هذه هي أول مرة تصل فيها امرأة مهاجرة من أصل مغربي إلى رئاسة مجلس نواب في أوروبا الغربية، مع العلم أنه سبق لسيدات من عائلات مهاجرة من شمال أفريقية شغل حقائب وزارية، لعل أبرزهن المغربية نجاة فالو - بلقاسم وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي والأبحاث حاليًا في فرنسا، والجزائرية رشيدة داتي وزيرة العدل السابقة في فرنسا أيضًا. كذلك، فإن مغربيًا يشغل اليوم منصب عمدة روتردام، ثاني كبرى مدن هولندا هو أحمد أبو طالب. وأبو طالب - وهو عمالي مثل عريب - من محيط مدينة الناظور، بشمال المغرب، وهي المنطقة نفسها التي تنتمي إليها نجاة بلقاسم.
نور الدين العمراني، الإعلامي والباحث المهتم بشؤون الأقليات، قال لـ«الشرق الأوسط» في تصريحات حول الموضوع «إن اختيار خديجة عريب رئيسة للمجلس النيابي انتصار للمهاجرين، خاصة، أن الظروف التي تمر بها الهجرة عسيرة أمام تزايد مظاهر الكراهية والحقد ضد الأجانب عامة، والمسلمين، خاصة. ولقد تساءل فيلدرز علانية في تغريدة له عقب فوز خديجة عريب بأنه لا يريد أن يصدّق أن تترأس البرلمان مغربية بيدها قرآن في مؤسسة تشريعية هولندية؟ إن تصريحات كهذه تجعل من المغاربة والمسلمين مواطنين معزولين مجتمعيًا. وهذا ما سيشجع على التطرّف وتبني الأفكار التي تدفع بهم إلى العزوف عن المشاركة السياسية والتمثيلية، وهو بالضبط ما يهدف إليه فيلدرز وأمثاله. لذا أكرّر أن ترؤس عريب مجلس النواب يعدّ انتصارًا للديمقراطية وهدية اعتراف بنضال وصمود الجمعيات الذاتية التي انتزعت حق المشاركة السياسية للأجانب في مطلع الثمانينات».
آراء كثيرة، مثل رأي العمراني، رحبت بإنجاز خديجة عريب السياسي الكبير، ومنها الترحيب الذي أورده موقع مجلس الجالية المغربية المهاجرة. إذ أشاد المجلس المذكور بهذا التتويج، مشيرًا إلى أنه «على الرغم من محاولات مرشحي حزب الحرية اليميني المتطرف عرقلة وصول المهاجرة المغربية إلى أعلى هرم السلطة التشريعية في هولندا، تمكنت ابنة الدار البيضاء من الفوز بالأصوات الكافية التي خوّلتها التربع على قمة البرلمان الهولندي». وأضاف الموقع الإلكتروني نفسه أن «خديجة عريب تعتبر من أقدم البرلمانيات في هولندا إذ نجحت في الوصول إلى قبة البرلمان، أربع مرات على التوالي، ضمن صفوف حزب العمل الهولندي. وهذه السياسية المغربية الهولندية تتمتع، وفق وسائل الإعلام الهولندية، باحترام واسع في الأوساط السياسية الهولندية بفضل الدور الذي لعبته في الحياة البرلمانية ومؤسستها التشريعية».
كذلك، بعد نجاح عريب، قال مارك روته، رئيس وزراء هولندا، في تعليق له على فوزها برئاسة مجلس النواب «أرسل إليها تهنئة قلبية للفوز بالمنصب وأتطلع للعمل المشترك وبشكل جيد معها»، وهذا مع العلم أنها عمالية يسارية وهو زعيم حزب الشعب اليميني المحافظ. والحقيقة، أن فيلدرز، رئيس حزب الحرية المتطرف، وحده وجه انتقادات لهذا الاختيار، بل وغادر البرلمان عقب التصويت من دون تقديم التهنئة للرئيسة الجديدة التي تلقت التهاني المألوفة والتقليدية في هذه المناسبات من رؤساء الكتل الحزبية وأيضا من المتنافسين معها على المنصب خلال الانتخابات التي أجريت مساء الأربعاء قبل الماضي.
كما سبقت الإشارة، فيلدرز آخذ على الرئيسة الجديدة أنها لا تزال تحتفظ بجنسيتها المغربية إلى جانب الهولندية، واعتبر أن يوم انتخابها «يوم أسود في تاريخ البرلمان». وتابع في تصريح تلفزيوني أن «الأمر لا يتعلق بها كشخص. ولكن لا يجوز أن يتولى من حمل جنسيتين رئاسة مجلس النواب الهولندي».
هذه الحملة المغرضة المركزة حاولت عريب مرارًا مواجهتها عبر تشديدها في وسائل الإعلام المحلية أنها تشعر أنها هولندية الانتماء وأن السبب الوحيد وراء احتفاظها بالجنسية المغربية هو أن المملكة لا تسمح لرعاياها بالتخلي عن هويتهم. وردت على انتقادات فيلدرز قائلة لوكالة «إيه إن بي» للإعلام «أنا بكل بساطة أقوم بعملي، ويمكن أن أتولى أيضا رئاسة الحزب من أجل الحرية فنحن نعيش في ديمقراطية». وفي هذا السياق، فيما يتعلق بمسألة الجنسية المزدوجة، يعيش في هولندا نحو 1.3 مليون نسمة يحملون جنسيتين أو أكثر حسب أرقام المكتب الوطني للإحصائيات نشرت أخيرًا. وتغطي أرقام المكتب الفترة السابقة لأول يناير 2014. وهو تاريخ تعليق السلطات الهولندية تسجيل الجنسيات الأجنبية لحاملي الجنسيات المزدوجة في السجل الهولندي. وحسب المصدر ذاته فإنه من أصل 1.3 مليون مقيم مزدوج الجنسية، فإن الربع يحمل جواز سفر مغربيا ويحمل كثيرون الجنسية التركية. وأضاف المصدر أن 50 في المائة المتبقية تغطي عددًا كبيرًا من الجنسيات، مضيفا أنه يعيش في هولندا ما لا يقل عن 170 جنسية. وكانت هولندا قد أصدرت عام 2013 قانونًا جديدًا ينظم تسجيل حاملي الجنسيات المزدوجة في السجل البلدي للسكان. ويمنع هذا القانون ذكر جنسية أخرى غير الجنسية الهولندية في هذا السجل الذي يضم جميع المعطيات الشخصية للمقيمين.
عندما دخلت عريب البرلمان لأول مرة عام 1988 ممثلة حزب العمل الهولندي قالت: «لم أكن أفكر قط في الدخول إلى البرلمان». وحقًا وضعت جلّ قدراتها وإمكانياتها طيلة 17 سنة. ولقد صرحت غير مرة، أنها كفتاة من عائلة مهاجرة «بدأت تجربتها السياسية عضوًا عاديا في صفوف الحزب الذي اجتذبها سياسيا لتعاطفه مع قضايا الدول النامية والفئات المهمّشة في المجتمع الهولندي». وأضافت أن نشاطها في ميادين الصحة والهجرة والمرأة، كان دافعا لها للترشح باسم حزب العمل لانتخابات 1998. وهي تعتز كثيرًا بأنها ما زالت تمارس مهامها تحت قبة البرلمان لحد الآن بفضل تجديد الثقة فيها من قبل ناخبي دائرتها والاحترام الذي تلقاه من زملائها.
والواقع أن خديجة عريب التي استقرت بعد هجرتها إلى هولندا في العاصمة أمستردام، وكانت من مؤسسات اتحاد النساء المغربيات في هولندا، وتولت مسؤوليات ووظائف مختلفة قبل أن تصبح برلمانية في العام 1998، وذلك بهدف مبدئي تصفه كما يلي «لقد دخلت عالم السياسة لأن أمورًا كثيرة لم تكن تعجبني، بل قل كانت تضايقني، وأرى أنها يجب أن تتغير. الآن كبرلمانية، ما زلت أحتفظ دائما بالملفات نفسها التي أردتها للتغيير من الوضع». ولذا ما زالت اهتمامات عريب السياسية تتمحور حول قطاعات الخدمات الاجتماعية، وبالأخص، بقطاع الصحة، وتحديدًا الرعاية الصحية للنساء المغربيات والتركيات. وهنا تقول شارحة «من الإحصائيات يتبين أن نسبة الوفيات أثناء الولادة مرتفعة بنسبة تفوق الضعف لدى الأطفال المغاربة مقارنة بالأطفال الهولنديين. ولكنني، بالتعاون مع وزير الصحة نجحت في تحقيق أن تحظى المرأة الحامل بزيارة طبية إلى بيتها وأيضا بحث الظروف التي تلد فيها، وأن تخصص القابلات وقتا أطول مما كان متاحًا لتقديم المساعدة اللازمة».
أخيرًا، وفق أحدث الإحصائيات الرسمية في هولندا، فإن 380 ألف هولندي أصولهم مغربية يعيشون داخل البلاد، البالغ تعداد سكانها 17 مليون نسمة. ويقدر البعض أن حجم الجالية المسلمة الهولندية إجمالاً بأكثر من مليون نسمة. وكان الجيل الأول من المغاربة قد وصل إلى هولندا منذ خمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي وجاء هؤلاء للعمل في إصلاح ما دمرته الحرب العالمية الثانية. واليوم هناك أجيال متعاقبة من المغاربة، السواد الأعظم منهم نجحوا في الاندماج في المجتمع واحتلوا مناصب مرموقة.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.