رحيل المصمم اللبناني ويليام خوري «مهندس» أناقة صباح وسميرة توفيق

رحيل المصمم اللبناني ويليام خوري «مهندس» أناقة صباح وسميرة توفيق

لبست من ابتكاراته الإمبراطورة فرح ديبا.. ونسيته الدولة اللبنانية
السبت - 13 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 23 يناير 2016 مـ
المصمم اللبناني ويليام خوري صنع نجاحاته بنفسه - مع الفنانة سميرة توفيق التي صمم لها مئات العباءات الشرقية - ويليام خوري أثناء قيامه بتنفيذ فستان لصباح

رحل المصمم اللبناني العالمي ويليام خوري إثر إصابته بداء الرئتين عن عمر يناهز الـ76 عاما. وكان الراحل الكبير الذي لمع اسمه في عالم تصميم الأزياء في لبنان والعالم فلقب بـ«مهندس أناقة المشاهير»، يلازم منزله منذ أكثر من عام، جراء معاناته أيضا من مرض هشاشة العظام الذي كان يتسبب له بآلام موجعة.
وفي اتصال مع ابنة شقيقته منى أسمر فقد أكدت لنا أن خالها رحل من هذه الدنيا مطمئنا وبسلام، كون أفراد عائلته كانوا يحيطون به دائما، وهو الأمر الذي كان يسعده في أيامه الأخيرة.
عرف ويليام خوري في عالم تصاميم الأزياء منذ أكثر من خمسين عاما، عندما صمم للإمبراطورة فرح ديبا زيا رائعا، نال على أثره شهرة واسعة جعلته مقصد أهم النساء في العالم. وجرى ذلك إثر دعوته من قبل زوجة سفير إيران في لبنان يومها، التي طلبت منه تصميما لعرضه على الشهبانو لترتديه في حفل تتويجها إمبراطورة. ونفذ وليم خوري الزي المطلوب بعد أن رصعه بكميات من حبوب اللؤلؤ الطبيعي التي أرسلت إليه من إيران خصيصا لهذا الهدف. فأعجبت فرح ديبا بالزي، واختارته من بين فساتين عدة تقدم بها إليها مصممون معروفون في فرنسا وإيطاليا. ونال ويليام خوري مكافأة مالية على تصميمه هذا من قبل الإمبراطورة، إضافة إلى ساعة يد غالية الثمن وسجادة عجمية كان بقي يحتفظ بها في منزله في منطقة فرن الشباك حتى وافته المنية.
ورغم كل الشهرة التي حققها لاحقا في لبنان والدول العربية والأجنبية، وبينها السعودية وأميركا وأوروبا وأستراليا والمكسيك وأفريقيا، إضافة إلى الجائزة التي حاز عليها عام 92 في مهرجان «كان» السينمائي، إذ نال أوسكار الموضة متفوقا على 25 مصمم أزياء من بلدان مختلفة، كما جرى تدريس تقنيته في تصميم الأزياء في إحدى المدارس الإيطالية المتخصصة في تعليم تصميم الأزياء (Institut Maragoni)، فإنه رحل من هذه الدنيا عاتبا على الدولة اللبنانية، لعدم تقدير فنه من خلال تكريمها له بصورة أو بأخرى.
لم يكن يعتمد ويليام خوري في تصاميمه على الأفكار الأجنبية، إذ كانت تحمل دمغة واحدة وهي «صنع في لبنان»، فكان يستوحي تصاميمه من الطبيعة اللبنانية كما ردد أكثر من مرة، وكذلك من الأزياء اللبنانية التراثية الذي كان معجبا بتطريزاتها وقصاتها الأنيقة.
أما شهرته الواسعة في لبنان فقد صنعها بفضل الفنانة الراحلة صباح. فهي كانت تعتمد عليه وتوليه ثقة عمياء ليخيط لها ملابسها، مما جعله يصمم لها أكثر من 400 قطعة، أصر على الاحتفاظ ببعض منها بعد أن كانت صباح قد أهدت عددا منها لمعجبات وسيدات مجتمع معروفات في الوطن العربي والدول الأجنبية، حيث كانت تحيي على مسارحها الحفلات، فكانت تقدمها لهم خجلا وهي المعروفة بسخائها الكبير. «كانت تعرف كيف تتعامل مع فساتينها بحنان، وكانت لا تتردد عن التخلي عن لقاء الحبيب لتتسلم أحد فساتينها من عندي». قال الراحل في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، الذي أكد خلاله يومها، إنه كان يستوحي تصاميمه لها من شخصيتها الفرحة.
وكما صباح كذلك سميرة توفيق، فقد رافقها في مشوارها الفني وصمم لها مئات العباءات الشرقية المطرزة، التي كانت تتطلب أشهرا لتنفيذها، وأحيانا أقل حسب دقة تفاصيلها.
لم يكن ويليام خوري معجبا بأسلوب العمل السائد مؤخرا على ساحة تصميم الأزياء في لبنان. وتقول منى أسمر التي رافقته في عمله ولازمته حتى لحظاته الأخيرة: «لقد كان ينتقدها بسبب استسهال بعض أشخاصها العمل في تصميم الأزياء، فبرأيه أنه صار أي واحد يرسم رسمتين أو ثلاثة لتصاميم معينة، يطلق على نفسه اسم مصمم، وهو أمر لا يمكن القبول به».
أما المصمم اللبناني الذي لطالما استحوذ على إعجابه وتابع أعماله في استمرار فهو العالمي إيلي صعب، إذ كان يصفه بالذكي وصاحب الأفكار الخارجة عن المألوف.
والمعروف أن ويليام خوري كان أول من وضع «كروكي» (رسم) تصميم الأزياء على الورق، فتربع على عرش عالم الأزياء لأكثر من ربع قرن.
ولد ويليام خوري في فبراير (شباط) 14 من عام 1946، وكانت هذه المناسبة (عيد ميلاده)، تتزامن مع عيد العشاق، فكان يطلب من أصدقائه والمحيطين به أن لا يحملوا له الهدايا بل فقط باقات الورود الحمراء. تابع دروسه الابتدائية في مدرسة سيدة المعونات في فرن الشباك، وكان يجد متعة في قص الورق على شكل فساتين. وفي إحدى المرات طلبت منه تصاميم أزياء لأبطال مسرحية تعتزم المدرسة تقديمها، فنفذ 35 زيا مرة واحدة، مما أثار دهشة المسؤولين في المدرسة، فتوقعوا له مستقبلا زاهرا في عالم الموضة والأزياء.
ورث ويليام خوري حبه للرسم من والده، وقد لعبت والدته ماري عطية دورا مهما في تنمية موهبته، فكانت تشجعه دائما وتحثه على تفصيل الأزياء، وكانت عمته آديل الزهار خياطة ماهرة ومعروفة في مدينة صيدا، وكذلك شقيقتها ملكة خوري المعروفة بوصفها خياطة مفضلة لدى نساء الملك فاروق، فورث عنهما حب التصميم والخياطة.
بقي ويليام خوري عزبا طيلة عمره فلم يتزوج، رغم أنه تعرف إلى أجمل نساء العالم كما ذكر في أحد أحاديثه، وكان يقول: «لم أجد المرأة التي يمكنها أن تتفهم ظروف عملي وغيابي الدائم عن البيت، كما كانت غالبيتهن تصيبهن الغيرة كلما شاهدوا لي صورة في إحدى الصحف، تجمعني مع فنانة أو وجه نسائي معروف، فقررت التفرغ لمهنتي فقط».
أما ما كان يعتز به دائما فهو بناء نفسه بنفسه، فلم يضطر كما يقول إلى شراء الأضواء والشهرة من أحد، وأن فنانات أمثال صباح وسميرة توفيق ونجاح سلام ساهمن دون شك في صناعة شهرته هذه.
وتصفه ابنة أخته منى أسمر قائلة: «كان لديه حس الفكاهة ومتفائل دائما وصاحب قلب طيب، كما كان لا يحب افتعال المشكلات. وكان عصبيا في العمل وجميع موظفيه في مشغله يهابونه، كان متطلبا أبدا وساعيا إلى الأفضل دائما بحيث يشرف على أدق التفاصيل ولا يقبل بالغلط».
من أكثر اللحظات التي حزن فيها هي عندما رحلت الفنانة صباح عندها ردد أمام أقربائه، إثر ذلك: «لقد رحلت الصخرة». وفي أيامه الأخيرة كان يعاني من آلام كبيرة في منطقة الظهر، فلم يعد قادرا على الاستيقاظ باكرا وارتشاف فنجان قهوته مع سيجارة يتيمة لا يحق له تدخينها أصلا. وقبل ليلتين على رحيله سمعته ابنة أخته الراحلة أنطوانيت ينادي باسمها ويقول «أنطوانيت أنطوانيت وينك»، فعرفت أن خالها على أهبة الرحيل عن هذه الدنيا. «لطالما كان متعلقا بوالدتي أنطوانيت، فهو كان الأصغر سنا بين إخوته الأربعة: أنطوان وديب وفيكتوريا وأنطوانيت، التي كانت تحن عليه وتطل عليه دائما، فورثت عنها مهمتها هذه، وبقيت مرافقته لسنين طويلة إن في عمله أو في منزله». اليوم يودع لبنان واحدا من فنانيه العمالقة أسوة بالراحلين وديع الصافي وصباح. وستقام مراسم الجنازة في بيروت وبالتحديد في مطرانية الروم الكاثوليك في منطقة المتحف. وبذلك يطوي ويليام خوري برحيله صفحة مضيئة من صفحات الفن اللبناني العريق، والذي كان يشكل، ومن خلال أعماله المبتكرة، عمودا من أعمدته الأساسية في عالم الأزياء.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة