جاسوس إيراني سابق: تفجير طائرة لوكربي كان عملا إيرانيا

مصادر ليبية تقول لـ («الشرق الأوسط») إن مسؤولية نظام القذافي عن تفجير الطائرة لم تثبت

جاسوس إيراني سابق: تفجير طائرة لوكربي كان عملا إيرانيا
TT

جاسوس إيراني سابق: تفجير طائرة لوكربي كان عملا إيرانيا

جاسوس إيراني سابق: تفجير طائرة لوكربي كان عملا إيرانيا

قال أبو القاسم مصباحي، وهو منشق عن النظام الإيراني يعيش في ألمانيا، إن الرحلة رقم 103 لطائرة «بان أميركان» التي سقطت فوق لوكيربي جاءت انتقاما لهجوم البحرية الأميركية على طائرة تجارية إيرانية قبل ستة أشهر من العام نفسه، والذي قتل فيه نحو 290 شخصا.
وزعم مصباحي أن آية الله الخميني، المرشد الأعلى لإيران آنذاك، هو الذي أصدر الأمر بالتفجير للرد على ما حدث لطائرة الـ«إيرباص» الإيرانية. وتدعم الأدلة التي لم يكشف عنها والتي أفرج بها عن ضابط المخابرات الليبي السابق، عبد الباسط المقرحي، والذي أدين بتفجير لوكيربي، مزاعم مصباحي بأن المفجرين ينتمون إلى مجموعة متطرفة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وتلقي الأدلة الجديدة الشكوك لا على إدانة المقرحي وفقط، بل تؤكد مزاعم سابقة بأن الولايات المتحدة وبريطانيا تسترتا على حقيقة تفجير الطائرة لأنهما لم تريدا استعداء سوريا.
كان المقرحي، الرجل الوحيد الذين أدين بأسوأ تفجير إرهابي شهدته بريطانيا، قد تخلى عن طلب الاستئناف عندما منح عفوا صحيا من السجن عام 2009، لمعاناته من السرطان، لكنه ظل مصرا على براءته حتى موته في عام 2012. ومنذ إدانته في عام 2001 كانت هناك مزاعم بأن المقرحي كان ضحية لسوء تطبيق العدالة، وكان الكثير من عائلات ضحايا التفجير الـ270 يعتقدون أن القصة الحقيقية لم يكشف عنها النقاب بعد.
وقال الدكتور جيم سواير، الذي توفيت ابنته فلورا البالغة من العمر 23 عاما في التفجير، إنه «مقتنع» بأن الإيرانيين جندوا القيادة العامة لتنفيذ التفجير وليس لديه أدنى شك في براءة المقرحي. وقال إن عائلات القتلى «معهم الحق في معرفة من قتل أحباءهم، وأنهم سيواصلون كفاحهم لكشف الحقيقة».
وقد منح المخرجان البريطانيان بيل كران وكريستوفر جينز، اللذين قضيا الأعوام الثلاثة الماضية في التحقيق في تفجير لوكيربي، الحق في الوصول إلى أوراق الدفاع التي قدمها المقرحي، الذي تولت الدفاع عنه شركة من «مانهاتن» لمراجعة قضيته وجمع الأدلة الجديدة. واستندت إدانة المقرحي على النظرية القائلة بأن العقيد القذافي هو من أعطى الأوامر بشن الهجوم الإرهابي انتقاما لقصف الولايات المتحدة عام 1986 مدينتي طرابلس وبنغازي، والذي قتلت خلاله ابنة القذافي.
لكن الفيلم الوثائقي يدعي أنه كان في واقع الأمر عملا انتقاميا لفقد الرحلة الجوية الإيرانية 655 في يوليو (تموز) عام 1988، التي أسقطتها بطريق الخطأ حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس فينسين» في الخليج العربي.
وقال مصباحي، الذي كان يقدم تقارير مباشرة في السابق إلى الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني ويعيش الآن تحت حماية برنامج الشهود بعد انشقاقه ولجوئه إلى ألمانيا في أواخر التسعينات «قررت إيران الرد في أسرع وقت ممكن. وتم اتخاذ القرار من قبل النظام ككل في إيران وصدق عليه آية الله الخميني». وأضاف مصباحي «كان هدف صانعي القرار الإيرانيين تقليد ما حدث بالضبط لطائرة الـ(إيرباص) الإيرانية. وقد جرى كل شيء كما كان مخططا له حيث قتل ما لا يقل عن 290 شخصا».
وادعى الفيلم الوثائقي أنه جرى ترتيب تفجير لوكيربي خلال لقاءات سرية في مالطا حضرها أعضاء من الأنظمة الإيرانية والسورية والليبية، وترك الباب مفتوحا أمام إمكانية لعب ليبيا دورا في التفجير. وعلى الرغم من ذلك، فقد ذكر الفيلم الوثائقي أن السوري أحمد جبريل كان هو العقل المدبر لهذا الهجوم، حيث كان يترأس القيادة العامة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان مجندا حسبما هو مزعوم من قبل الإيرانيين بسبب خبرته السابقة في تفجير الطائرات. ومن المزعوم أيضا أنه جعل الفلسطيني حافظ دالكاموني يتولى المسؤولية عن الخلية الإرهابية، والذي قام بدوره بتجنيد الأردني مروان خريسات، صانع القنبلة.
وألقت الشرطة الألمانية القبض على دالكاموني وخريسات قبل شهور من وقوع هجوم لوكيربي، وجرى استرداد أربع قنابل - كانت واحدة منها مطابقة تقريبا للقنبلة المستخدمة في انفجار لوكيربي - في ذلك التوقيت. ومع ذلك، كان اللافت للانتباه أن الشرطة كانت مقتنعة بأنهم صنعوا قنبلة خامسة ادعت «الجزيرة» أنها كانت مستخدمة من أجل تفجير «بان ام» الرحلة 103.
وكشف الفيلم الوثائقي أيضا عن متهم رابع يسمى أبو طالب تربطه علاقة بمحل ملابس في مالطا وُجدت فيه الملابس في الحقيبة الخاصة بالقنبلة والتي يُقال إنها جرى شراؤها، وربما يكون ذلك الشخص هو مندوب التوصيل الذي وضع القنبلة على متن «بوينغ 747».
وقال روبرت باير، العميل السابق بوكالة الاستخبارات الأميركية، للعاملين بالبرنامج إن وكالة الاستخبارات الأميركية ووكالة الأمن القومي اعتقدتا بشكل سريع أن القيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفذت التفجير الذي أشرفت عليه إيران. ويشير الفيلم الوثائقي إلى أن مسار التحقيقات قد تغير فجأة ليركز على ليبيا بعد المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس جورج دبليو بوش ومارغريت ثاتشر، حيث من المحتمل أن هذا الأمر يرجع إلى عدم رغبة الولايات المتحدة الأميركية في معاداة سوريا، التي انضمت إلى قوات الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لمحاربة صدام حسين في حرب الخليج الأولى.
وزعم باير أنه بعد مرور ستة أيام على رحلة «إيران إير» الرحلة رقم 655، قامت إيران بالتقارب مع القيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واتفقت على سداد ملايين الدولارات لتنفيذ هجوم إرهابي على إحدى طائرات الركاب الأميركية.
وعاد الحديث مجددا عن حادث تفجير طائرة «بان أميركان» فوق لوكيربي عام 1988 بعدما قال ضابط استخبارات إيراني منشق إن إيران هي من أعطت الأوامر لجماعة إرهابية مقرها سوريا، بتفجير الطائرة، فيما قال مسؤول ليبي سابق لـ«الشرق الأوسط» إن هذه التصريحات ليست جديدة على الإطلاق. وقال المسؤول، وهو أحد المقربين من سيف الإسلام النجل الثاني للعقيد الراحل معمر القذافي وكان مكلفا بمتابعة الملف الفضائي لعبد الباسط المقرحي الليبي المتهم الرئيس في هذه القضية، إن «سبب دفع ليبيا تعويضات في هذه القضية لضحايا الطائرة هو قرار مجلس الأمن الذي كان ينص وقتها على ضرورة دفع تعويضات».
وكان نظام القذافي قد اعترف رسميا في 2003 بمسؤوليته عن الاعتداء، مما كلفه دفع 2.7 مليار دولار كتعويضات لعائلات الضحايا. وأضاف المسؤول الليبي لـ«الشرق الأوسط»: «في حالة عدم الدفع كانت سترفع ضد الدولة الليبية قضايا مدنية من أهالي الضحايا، ولو لم نتوصل لتسوية خارج المحاكم لكنا دفعنا أضعاف هذا المبلغ».
في المقابل، كشف مسؤول في الحكومة الليبية مشترطا عدم تعريفه، لـ«الشرق الأوسط»، أنه وعقب سقوط نظام القذافي ومقتله في عام 2011، طلب مكتب المدعي العام الاسكوتلندي رسميا من السلطات الليبية الجديدة المساعدة في التحقيق، والولايات المتحدة الاطلاع على عناصر الملف، لكن لم يتم تحريك هذه الاتصالات بسبب الوضع السياسي الراهن في ليبيا. وزار مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي وكبير المدعين الاسكوتلنديين طرابلس في شهر أبريل (نيسان) عام 2012، لمناقشة التحقيق مع السلطات الليبية. لكن المسؤول الحكومي أضاف «لم نحصل على معلومات محددة في هذا الشأن. سألناهم: هل فعلا قام النظام السابق بهذه العملية، أم لا؟ قدموا إلينا إجابات غامضة».
وكان نجل القذافي المعتقل حاليا في مدينة الزنتان الجبلية بعد سقوط نظام والده العقيد الراحل قد أكد أكثر من مرة في تصريحات رسمية على أن ليبيا قبلت الاعتراف بالمسؤولية عن الحادث لمجرد رفع العقوبات عنها. وقال سيف الإسلام، في حوارات سابقة قبل اعتقاله «نعم. لقد كتبنا إلى مجلس الأمن الدولي رسالة عام 2003 تقول إننا مسؤولون عن تصرفات موظفينا ومواطنينا، لكن هذا لا يعني بالطبع أننا نفذنا التفجير في الحقيقة».
ونقلت أمس صحيفة «ذا ديلي تليغراف» البريطانية عن تلفزيون «الجزيرة» في الفيلم الوثائق تحت عنوان «لوكيربي: ماذا حدث حقا؟»، أن أبو القاسم مصباحي، وهو منشق عن النظام الإيراني، وهو مدرج ضمن برنامج حماية الشهود في ألمانيا، قال إن سقوط الرحلة رقم 103 لطائرة «بان أميركان» جاء انتقامًا لهجوم البحرية الأميركية على طائرة تجارية إيرانية في العام نفسه، والذي قتل فيه نحو 290 شخصا.
وكشفت الوثائق التي حصل عليها الفيلم أسماء أشخاص يقال إنهم متورطون في التفجير من بينهم صانع القنبلة المزعوم، الذي يعتقد أنه العقل المدبر والرجل الذي ربما يكون قد وضع القنبلة على الطائرة المشؤومة «بوينغ 747». وزعم مصباحي أن آية الله الخميني، المرشد الأعلى لإيران آنذاك، أمر بالتفجير «لتقليد» ما حدث بالضبط لطائرة «إيرباص» الإيرانية. وقالت الصحيفة إن الحقيقة حول المسؤول عن تفجير الطائرة لا تزال أمرا يخفيه غموض الأجندات السياسية ونظريات المؤامرة والأدلة غير الكافية، مشيرة إلى أن الحقيقة الوحيدة الثابتة في ما يتعلق بالتفجير الإرهابي الذي أودى بحياة 270 شخصا، معظمهم من ركاب الطائرة الأميركية، أن القنبلة كانت في حقيبة على متن الطائرة، وأنها انفجرت الساعة 7.02 مساء 21 ديسمبر (كانون الأول) عام 1988.
وأشارت إلى أن المعلومات التي أدلى بها المقرحي تدعم مزاعم مصباحي بأن المفجرين ينتمون إلى مجموعة متطرفة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة. وذكرت إحدى البرقيات الخاصة بوكالة المخابرات في وزارة الدفاع الأميركية أن إيران تعاقدت مع رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة أحمد جبريل، الذي تلقى الأموال في دمشق لتفجير الطائرة.
وكان المقرحي قد أعلن قبل وفاته في مايو (أيار) عام 2012 أنه سيقدم أدلة جديدة بشأن براءته من التهم المنسوبة إليه بواسطة محاميه في اسكوتلندا، مطالبا الشعب البريطاني والاسكوتلندي بأن يكون بمثابة هيئة محلفين. كما أعلنت عائلة المقرحي أنها تريد الطعن في الحكم الصادر عليه، بعدما توفي بنحو عام، حيث أمضى ثلاث سنوات من الإفراج عنه من قبل اسكوتلندا لأسباب صحية، وحكم عليه في 2001 بالسجن مدى الحياة. وقال شقيقه عبد الحكيم «يجب أن نعرف من ارتكب هذه الجريمة الرهيبة، لكن عائلتنا ليست قادرة على دفع تكاليف محاكمة استئنافية». وشدد على أن العائلة تريد إعادة فتح ملف لوكيربي لتحديد المسؤول عن الاعتداء، مؤكدا أن شقيقه عبد الباسط لا يمكن أن يكون ارتكب ما وصفه بهذه «الجريمة المقيتة».



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.