لم تكن ليلة الجمعة 15 يناير (كانون الثاني) كبقية الليالي في دار سوذبيز بوسط لندن، فالأجواء احتفالية وهناك جمع كبير من الحاضرين يتبادلون الحديث أمام بعض اللوحات والمنحوتات التي ستعرض للبيع في المزادات القادمة. هناك من يشغل الوقت باحتساء المشروبات أو بشراء بعض الكتب الموضوعة في أحد الجوانب. كان عنوان الليلة مستمدا من عنوان مزادها «من سلالة الملوك والنبلاء» الذي يقام يوم بعد غد الثلاثاء. المزاد يضم مجموعة من لوحات «الأساتذة القدماء» وهي لوحات تعود للقرنين الـ17 والـ18. هناك أيضا مجموعة منتقاة من المفروشات الفاخرة التي زينت غرف وقصور الطبقات الحاكمة في أزمان مضت، إلى جانب التماثيل والموائد والكراسي الوثيرة والمصابيح والثريات.
* ياقات عالية منشاة والحذاء ذو الكعب الأحمر
قد يكون في رؤية تلك القطع اللافتة في الواقع ما يكفي لإرضاء الحضور من المهتمين بالمزادات ومن الراغبين في الاقتناء أو من الباحثين عن الجمال والإبداع في كل صوره، ولكن الدار في لفتة ذكية جدا أضافت للجرعة الفنية والثقافية عبر محاضرة ألقتها خبيرة الدار جونكيل أورايلي حول تاريخ الأزياء الموجودة في اللوحات المعروضة. المحاضرة كانت شيقة وازدحمت القاعة بالجمهور الذي اضطر عدد كبير منه للوقوف للاستماع لمعلومات طريفة وشيقة. ومن التغييرات التي طرأت على فساتين النساء في القرن السادس عشر والسادس عشر، تضرب مثلا بالفساتين ذات الطبقات المتعددة والتي تزدان بالكسرات والثنيات المتتالية في الظهر، إلى الخصر النحيل جدا الذي نراه في اللوحات المعلقة حولنا وتشير إلى «المشد» الذي كانت النساء يرتدينه تحت الملابس لضمان ظهور الجسم بأكمل شكل. من المعلومات الطريفة هي أن أحدث الصرعات في فساتين النساء كانت تثير الكثير من الجدل، فمثلا ظهر نوع من الفساتين المنفوشة ذات الجوانب الضخمة المحشوة والقماش المزخرف، وقيل بأن الملك الإسباني فيليب الرابع أصدر قرارا بمنع النساء من ارتداء تلك الفساتين، ولكن في لوحة فالسكويز الشهيرة «لاس مانيناس» (1656) نرى ابنة الملك الصغيرة ووصيفاتها كلهن يرتدين نفس الموديل. من الأشياء الأخرى التي تشير لها أورايلي هي الياقات البيضاء العالية والتي تتراوح من الكتان الملبس بالدانتيل إلى الياقات التي تنقع في النشاء لتحافظ على تماسكها، وتشرح كيف تطورت تلك الياقات عبر العصور مستعينة في شرحها باللوحات المعروضة أمامنا. تنتقل أورايلي في حديثها من الفساتين للمجوهرات للأحذية، وتشير إلى أن الكعب العالي لم يكن حكرا على النساء بل إن الرجال كانوا يرتدون تلك الأحذية، تشير لأن بعض الأحذية المرسومة لها كعب أحمر اللون وتشرح أن البريطانيين في بداية القرن الـ16 بدأوا في ارتداء الأحذية المزخرفة الموشاة بالحرير وخيوط الذهب والأحجار الثمينة والورق المذهب، وأصبح الكعب الأحمر موضة رائجة في أوروبا حتى أن الملك لويس الرابع عشر أعلن أن ارتداء الكعب الأحمر سيكون قصرا على رجال البلاط خاصة أن اللون الأحمر كان يعكس الثراء والمكانة الأرستقراطية، فالصبغة الحمراء كانت غالية الثمن، هناك سبب آخر لارتداء الملك وحاشيته الأحذية ذات الكعوب الحمراء، وهو أن أحذية الملوك والنبلاء لا تتسخ بالطين مثل أحذية العامة.
تطور آخر في ملبس الطبقات الثرية تمثل في ارتداء الشعر المستعار «الباروكة»، وتشير أورايلي أن الحصول على «باروكة» مصنوعة من الشعر الطبيعي كان أمرا مكلفا جدا، ولكن الحل أمام من لا يستطيع توفير الثمن الباذخ لإحدى تلك القطع هو أن يتفق مع حلاق الشعر ليبيعه قطعا من الشعر المقصوص. الباروكات التي ترتديها النساء في اللوحات حولنا ضخمة الحجم وعالية، منفوشة تنثر عليها البودرة وقد توضع داخلها قطع من القماش لإعطاء منظر منفوش، بعض النساء كن يستخدمن دهن الحيوانات لتثبيتها، نساء أخريات كن يتنافسن على الحصول على أكثر الباروكات زينة. الطريف أن تلك الباروكات فرضت على النساء أن يكن حذرات عند الرقص على سبيل المثال، وتروي أورايلي عن بعض القصص التي يرويها تاريخ الأزياء عن الشعور المستعارة وهي تطير من على رؤوس مرتديها بسبب الحركات الراقصة السريعة. تشير أيضا إلى أن حجم الباروكة قد يفرض على السيدة أن تجلس على مقعد منخفض داخل العربة حتى لا يصطدم رأسها بالسقف.
* عرض المقتنيات
بعد المحاضرة الشيقة التي تحكي عبر الملابس والزينة تاريخ الطبقات الاجتماعية الثرية في القرون 17 - 18، أتوجه إلى المعرض الموجود في الطابق الثاني لأتأمل تلك اللوحات وفي ذهني كل تلك القصص الطريفة والمعلومات. المعرض ضخم جدا ويتوزع على عدة قاعات، وتتناثر حولنا قطع الأثاث الفاخر واللوحات والمنحوتات وغيرها من المجموعات التي كانت ملكا لمقتنين أو لعائلات رفيعة.
اللافت خلال المعرض هو المجسمات الورقية الأخاذة التي نفذتها الفنانة زوي برادلي لتصوير أهم العناصر الموجودة وهي نفس العناصر التي تناولتها أورايلي في حديثها. فعلى سبيل المثال صنعت برادلي تاجا أخاذا من الورق المذهب، ليعكس الإطار العام الذي يدور حوله المعرض وهو «الطبقة الحاكمة والنبيلة»، ورغم أن التاج حديث الصنع فإنه يضفي الكثير على المعروضات حوله ويحول اهتمامنا لبعض التفاصيل الصغيرة في اللوحات والتماثيل المعروضة. في قاعة مجاورة يحتل فستان أحمر ذو ثنيات متتابعة وذيل طويل، مركز الصدارة، الفستان بديع التصميم والصنع، وهو في حد ذاته قطعة فنية، كما يضم كل العناصر التي تنعكس في اللوحات المعروضة، فهو مصمم على نفس نسق فساتين النساء في القصور الملكية خلال تلك العصور، وهو باللون الأحمر، وهو لون ارتبط بالطبقة الحاكمة والثرية في القرنين الـ17 - 18. وفي نفس الحجرة نرى أيضا نموذجا ورقيا لحذاء باذخ له كعب أحمر اللون.
في الحجرة المجاورة تعرض برادلي ياقة ضخمة من الورق الأبيض تماثل الياقات العالية المنشاة التي يرتديها النساء والرجال في اللوحات المجاورة.
المعروضات أمامنا جاء بعضها من قصر «بالازو ساكيتي» في روما وآخر من مؤسسات عالمية ويضم أيضا بعض الهدايا التي قدمت للمستشار الألماني بيسمارك.
المقتنيات المعروضة من بالازو ساكيتي بروما يصل عددها لـ164 قطعة وسيخصص الريع لصالح مؤسسة جوليو وجيوفانا ساكيتي. من القطع تماثيل من مدرسة النحات الأشهر برنيني، وطاقم البورسلين فارنيزي الذي صنع في مصنع «فابريكا فيردينانديا» عام 1784 - 88 وكانت أولى القطع المنتجة من المصنع وعليها رسومات لمناظر طبيعية. ولم يتبق من المجموعة الضخمة سوى عدد محدود ضمن مجموعات خاصة. وتعود ملكية القطع المعروضة هنا لعائلة أميرية من مملكة سيسيلي.

