رقية حسن.. المرأة الكردية التي دفعت حياتها ثمنًا للحقيقة في عقر «داعش»

عاشت وترعرعت في الرقة.. يقول أصدقاؤها إنها كانت خجولة لكنها لم تخش شيئًا بصفحتها في «فيسبوك»

رقية حسن
رقية حسن
TT

رقية حسن.. المرأة الكردية التي دفعت حياتها ثمنًا للحقيقة في عقر «داعش»

رقية حسن
رقية حسن

خاطرت المرأة الكردية، من مدينة الرقة، والبالغة من العمر (30 عاما) بحياتها من أجل الانتقادات العلنية التي وجهتها لنظام «داعش» الحاكم على صفحتها على «فيسبوك». ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية قصتها نقلا عن أفراد عائلتها، وأصدقائها، والنشطاء الذين أكدوا تصميمها وجرأتها على قول الحقيقة أمام العالم عن الصورة القاتمة للحياة في سوريا.
نشرت رقية حسن، في يوليو (تموز) عام 2015، رسالة على صفحتها على فيسبوك تقول فيها «تحياتي إلى كل فتاة تحتفل بالعيد بملابس البيت»، كان ذلك هو نوع السخرية التي يحبها متابعوها، أي الاعتراف الساخر أن المتع الصغيرة - مثل ارتداء الملابس الجديدة يوم العيد - صارت من المستحيلات منذ انسحاب الرقة، المدينة الصغيرة الواقعة على ضفاف نهر الفرات، إلى غياهب الظلام والقلوب السوداء المتحجرة لتنظيم داعش وأتباعه. وهو أيضا ذلك النوع من التعليقات التي نقلت الخوف إلى قلوب عائلة رقية، حيث إنها كانت تجذب إليها النوع الخاطئ من الاهتمام. ولقد كانوا على حق: فبعد بضعة أسابيع، ألقي القبض عليها وسجنت، ثم توفيت في سجنها بعد شهرين.
يقول أفراد العائلة إن رقية البالغة من العمر (30 عاما) كانت خجولة وهادئة. غير أنها لم تكن تخشى شيئا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانت توثق بمنتهى الأمانة شكل الحياة في ظل حكم «داعش»، ولم تكن تُخفي سخطها وحنقها عليهم أبدا. كانت تنشر مدوناتها تحت اسم نيسان إبراهيم، وتحولت صفحتها على «فيسبوك» إلى شكل من أشكال المقاومة التي سمحت لها بالكشف عن الظروف الحياتية المريعة والبائسة التي تعيشها المدينة وأهلها، والتي يتعرض سكانها للهجمات من جميع الجهات، وهم محاصرون من قبل نظام حكم «داعش» المتوحش على الأرض، وتنالهم الهجمات من نظام بشار الأسد، والضربات الجوية من القوات الروسية وقوات التحالف.
وتنفيسا عن غضبها إثر الغارات الجوية كتبت تنتقد أولئك الذين يطلقون العنان للعنف في كل مكان حولها. «الطائرات من دون طيار في السماء - ثم نسمع صوت انفجار. فليرع الله المدنيين - وليأخذ الباقين أجمعين». ومع ذلك، كانت إشاراتها الصريحة ضد «داعش» هي أكثر ما كان يقلق أصدقاءها. «شنت شرطة «داعش» اليوم حملة اعتقالات عشوائية.. يا إلهي، إنني أتضرع إليك.. خلصنا من هذا الظلام.. دمر أولئك القوم الأشرار».
ولدت رقية حسن، خريجة قسم الفلسفة في جامعة حلب، ونشأت في الرقة. وقبل اندلاع الانتفاضات في سوريا، كانت تجوب هذه المدينة المتواضعة المزدهرة أجواء الصداقة والمحبة، مع السكان المرتبطين ارتباطا وثيقا بالزراعة. كانت التقاليد، بدلا من الدين، هي صاحبة السطوة بين جموع السكان. وعلى النقيض من ذلك، كانت عائلة رقية، وهم من الأكراد السوريين من إحدى القرى القريبة من مدينة كوباني، عائلة ثرية ومتدينة.
كانت رحاب علواني (27 عاما)، على شاكلة رقية، طبيبة قد فرت إلى المملكة المتحدة قبل عام، قد نشأت في الرقة، وتقول: «لم أكن أعرف رقية من قبل، ولكن ما كانت تصنعه كان أمرا شجاعا للغاية، وخطيرا جدا كذلك. في الرقة، في أيامنا الأولى، كنا نرتدي ما نشاء، وكان الناس هناك يحبون الاستمتاع بالحياة - كانوا يحبون الخروج برفقة الأصدقاء، أو يصطادون السمك أو السباحة فينهر. وكنت أحب الذهاب مع صديقاتي إلى المطاعم، والمقاهي، أو نتمشى في الحدائق».
أصبح الجو خانقا تحت حكم «داعش». حيث تقول علواني «تغير كل شيء. صار مستحيلا على النساء الخروج من دون العباءة السوداء والنقاب الذي يغطي الوجوه والأيدي كذلك. وإذا خالفت القواعد، كانت العقوبات خطيرة - يمكن أن تكون بالجلد، أو الاعتقال، أو الغرامات. كنت المرأة الوحيدة التي تعمل بدوام كامل في المستشفى، ولكنهم جعلوا الأمر مستحيلا بالنسبة لي».
نُفذت عمليات الإعدام السادية والصلب العلني في الأماكن العامة بالمدينة. وحُظرت السجائر والموسيقى، كما أغلقت المدارس، وطليت جدرانها بالسواد. تقول الدكتورة علواني: «بات الأمر سيئا للغاية الآن، حيث لا يمكن لأحد مغادرة المدينة من دون تصريح. وهناك خياران اثنان فقط للناس الذين يعيشون هناك: محاولة تجنب الاحتكاك بداعش تماما، مما يجعل الحياة مستحيلة، أو إعلان الولاء لهم تماما - من أجل مجرد البقاء على قيد الحياة».
والآن، اتخذ المقاتلون الأجانب موطئ قدم لهم في المدينة. ومن ثم تحولت حياة المدنيين إلى ما يشبه الكابوس المتواصل، ولكن «داعش» بدأ في بث دعاية كاذبة تصور المدينة بأنها «جنة الجهاد». حيث شرع المقاتلون الأجانب، والنساء والفتيات اللاتي انضممن إلى التنظيم الإرهابي من بلدان الغرب، في تصوير أنفسهم وهم يحتسون مختلف أنواع الحليب المخفوق، ويأكلون مختلف أنواع الحلوى وهم يشاهدون الغروب الساحر على ضفاف الفرات!
لم تكن تلك الزاوية التي رأت من خلالها رقية حسن مدينتها. حيث كتبت تقول: «اليوم، أوقفتني إحدى نساء المقاتلين من تونس بسبب طريقة ارتدائي لملابسي. فتجاهلتها ومضيت في طريقي، ولكنني تمنيت لو أن معي سلاحا أقتلها به. أردت لهذا الذل أن ينتهي، إن أولئك القوم يفرضون سلطانهم علينا. إنني ساخطة عليهم جميعا وعلى سلطانهم الكاذب. إنني ساخطة لأن أكون مواطنة من الدرجة الثانية في بلدي. يا إلهي، أتوسل إليك ساعدني».
إن معارضة آراء التنظيم الإرهابي هناك لها عواقب خطيرة. ففي مايو (أيار) عام 2014، تعرض أحد الصحافيين من مجموعة «الرقة تّذبح في هدوء» للقتل في إحدى الساحات العامة في المدينة. وتتابعت عمليات الإعدام بحق المشتبه في انضمامهم لتلك المجموعة، وكانت عمليات الإعدام تُصور وتُنشر في محاولة لتحذير الآخرين. وليس لدى «داعش» مانع من قتل النساء كذلك، حيث يقول أبو محمد - وهو أحد النشطاء في المجموعة - إن الناشطة إيمان الحلبي تعرضت للإعدام في عام 2013 لذات السبب. ورغم ذلك، لم تكن رقية حسن لتصمت أبدا.
كتبت رقية تقول: «الشيء الوحيد الذي يتذكره الرجل العلماني من القرآن هو أن الله هو الرحمن الرحيم، وأن كل شيء ينبع من ذلك. وكل ما يعرفه الإسلامويون المتطرفون من القرآن آية واحدة (أشداء على الكفار رحماء بينهم)، ولكن من زاوية الإسلامويين المتطرفين الجميع من الكفار، سواء كانوا مسلمين أم لا».
يقول أبو محمد إنه لا يتصور نهاية طيبة للوضع في الرقة: «نخشى أن دمار المدينة بات حتميا. ليس لسكان الرقة مكان يذهبون إليه. إنهم محاصرون بالمدن الأخرى لموالية لداعش، أو نظام بشار، أو الأكراد». في بعض الأحيان، بدأت رقية نفسها تشعر بالضيق والضجر من التعقيدات التي تزداد هناك. «إذا كنا لا نريد (داعش)، أو قوات التحالف للهجوم على (داعش)، ولا نريد من الجيش السوري الحر أن يأتي لحرب (داعش)، فما الذي نريده فعلا؟»، ومع بدء الغارات الجوية على المدينة، فرض «داعش» المزيد من الرقابة على الإنترنت في المدينة - وأجبر كل السكان، بمن فيهم المقاتلون التابعون له، باستخدام مقاهي الإنترنت حتى يسهل على التنظيم الرقابة. ومن ثم ازدادت عزلة المدينة، مع عجز السكان عن السؤال عن أحوال أقاربهم وأصدقائهم في أي مكان آخر. حاولت رقية أن تبقى متفائلة: «إننا نصرخ بسبب الإنترنت، ولكنهم يصرخون بسبب انعدام المياه في حلب»، كما كتبت تقول قبل أن تمضي في سخريتها قائلة: «هيا، اقطعوا عنا الإنترنت هي الأخرى، لا تقلقوا، فلن يشكو حمامنا الزاجل لأحد قط».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».