* ليس هناك من موعد محدد لعرض فيلم محمد خان الجديد «قبل زحمة الصيف». ما هناك هو ترقب شديد على صعيدي السينمائيين والنقاد والمثقفين عمومًا. لقد سمعوا عن الفيلم وشاهدوا المقدّمات الإعلانية، من ناحية وواكبوا مسيرة أكبر معمّري السينما المصرية اليوم (بفارق سنوات قليلة عن أترابه من المخرجين الذين انطلقوا في السبعينات) وأكثرهم قربًا لكل فئات المشاهدين. وكان فيلمه السابق «فتاة المصنع» (2014) عرف الاهتمام ذاته وجال أسواقًا عربية وغير عربية، ولو أن فيلمه الجديد هذا يختلف عنه حتى النقيض.
* حكاية أجيال
بين «قبل زحمة الصيف» وغالبية الأفلام المصرية الحديثة المسافة ذاتها التي تفرق بين المخرج محمد خان وسواه. أفلامه بسيطة التكوين من الخارج، عميقة الدلالات من الداخل. كل فيلم مناط به أن يحكي عن موضوع واحد متجانس عوض التشتت في قضايا عدّة. هي حياة زوجة ضابط المخابرات الذي يحكم ديكتاتوريًا وليس عن حياتها وحياة أسرتها وحياة الشارع حولها. هي حياة أحلام وكاميليا الصعبة، وليس عن تلك الحياة وفوقها زحمة المواصلات أو التباعد بين الأثرياء والفقراء. ثم هو عن ذلك الموظف الذي راح القرية ليبيع أرضه فوجد نفسه في هوى الحياة الريفية ومآكلها وليس عن هموم المدينة أو أوضاع الريف. عن الفارس الذي يعيد حساباته ولو متأخرًا وليس عن الوضع السياسي الذي يحيط به.
ما كان خان دومًا بصدده الاعتناء بموضوع واحد ذي حبكة قوية التأليف يمارس معها غرام التفعيل الفني ويديرها ببساطة تلائم الموضوع ذاته. كل تلك الأفلام وسواها استفادت من خطّته الأسلوبية هذه. أكثرها تعددًا في الشخصيات، مثل أقلها تعددًا في الشخصيات: مُـدارة جيّداَ ومُسيّرة فنيًا لكي لا تتعقد وتتكاثر وتطوش ضرباتها فقط ليُقال أن الفيلم متعدد الاهتمامات والقضايا.
هذا أيضًا ما يقوم خان به في «قبل زحمة الصيف»: يبقي الأمور كلها بسيطة. يتحدّث عن الحب والهوى وسنوات العمر الكبير وتلك الشابة والرغبة المنزلقة في عواطف غير محسوبة وكل ذلك ببساطة المعالجة المتلائمة تمامًا مع بساطة الموضوع ومكوّناته الشخصية (خمس شخصيات تكاد تكون وحيدة) وبساطة المكان (شاطئ الإسكندرية قبل زحمة الصيف) وبالتالي بساطة الحدث ذاته.
فيلمه الجديد هذا يدور حول زوجين (ماجد الكدواني و- الرائعة - لانا مشتاق) تجاوزا سن الشباب. بينهما حب بحاجة لترميم وهما يسكنان فيلا على شاطئ البحر. لقد وصلا باكرًا لعلهما يجدان الراحة والرغبة في التواصل، لكن الزوج سريعًا ما يجد نفسه منشغلاً بمتابعة تلك الحسناء (هنا شيحة) التي وصلت وحدها قبل وصول حبيبها المخرج غير المعروف (يؤديه هاني المتناوي). في الوسط موظف تلك الفيلات (أحمد داود) الذي يجد نفسه مجذوبًا لا إلى جمال الحسناء بل حيال ما يدور بين الزوجين (غيرة، خلافات، فتور علاقات) وبين الزوج والحسناء ذاتها.
* الرجل المشكلة
تكوين فيلم يتعامل مع أسس الرغبات العاطفية من دون تعقيد الطروحات ووسائل التعبير عنها، لا يقل صعوبة - إن لم يكن أصعب - من مواجهة تلك الطروحات على نحو مباشر. «قبل زحمة الصيف» يمر مثل نسيم الربيع. خطواته محسوبة ومعالجته ذات ظاهر خفيف، لكنها من أعمق ما تناوله المخرج خان على صعيد الشخصيات التي عمد إليها في حياته المهنية. الكاميرا دائمًا في المكان المناسب لترصد شيئا. إنها عين المخرج وعين شخصياته معًا. حين يلتقط مشاهد للممثلة شيحا وهي مرتمية على الشاطئ بلباس البحر يعرف كيف لا يخجل من الجمال البادي أمامه أو يدينه. مشكلتها ليست في جمالها بل في رغبة الرجال (حبيبها الأناني ثم ذلك الجار المفتون والشاب العابق) في قطف ذلك الجمال بأنانية. الرجل، في هذا الفيلم، هو المشكلة وليس المرأة. بالتالي، ومع جرأة صورته، هو كمن يوجه أصبعه إلى المتزمّتين مدينًا أفكارهم مدافعًا عن حياة خالية من العقد المبتدعة في البال والأنفس.
على صعيد ما هو شامل، يتغلّب المخرج على حدود المكان والشخصيات مستخدمًا ذات الأدوات التي الثرية على بساطتها التي في أفلام الفرنسي إريك رومير. في الواقع موضوع الفيلم ومعالجته عالميان. «قبل زحمة الصيف» يمكن له أن يكون فيلما فرنسيا أو إيطاليًا أو أميركيًا أو يابانيًا. الشخصيات ليست مرتبطة بأصل منفرد، ولا المكان الذي تقع فيه الأحداث مصري الخصائص بالضرورة، أو أن ما يتفاعل في صدور الشخصيات لا مثيل له في شخصيات يونانية أو هندية أو نرويجية. ولولا هنات في الحوار الذي ينتمي، في بعض المواقف أكثر من مواقف أخرى، لتنميط مسموع في أفلام أخرى، لاجتاز الفيلم الحاجز الوحيد الباقي بينه وبين الفيلم الكامل على كل صعيد.
على ذلك، هذا محمد خان في أفضل حالاته. ومن بعد المدينة التي احتلت أحداثها معظم أفلامه، يعود إلى الراحة النفسية وإلى هدوء الإيقاع، مذكرًا، إلى حد، بفيلمه الآخر الذي يترك فيه بطله المدينة ويلجأ إلى الريف (ولو لأسباب مختلفة) وهو «خرج ولم يعد». أبطال هذا الفيلم سيعودون جميعًا، لكن ما سيحملونه معهم ذكرى أيام أحسوا فيها إنهم ما زالوا مراهقين.
«قبل زحمة الصيف» يعيد صياغة جمال وبساطة السينما بنجاح
https://aawsat.com/home/article/543811/%C2%AB%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%B2%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%81%C2%BB-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%BA%D8%A9-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A8%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%AD
«قبل زحمة الصيف» يعيد صياغة جمال وبساطة السينما بنجاح
هنا شيحة كما تبدو في «قبل زحمة الصيف»
«قبل زحمة الصيف» يعيد صياغة جمال وبساطة السينما بنجاح
هنا شيحة كما تبدو في «قبل زحمة الصيف»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








