طهران تفرج عن البحارة الأميركيين بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية الإيرانية

جدل حول مطالبة طهران باعتذار ونفي واشنطن تقديم اعتذارات

البحارة الأميركيون في مكان غير معروف داخل إيران بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية الإيرانية (رويترز)
البحارة الأميركيون في مكان غير معروف داخل إيران بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية الإيرانية (رويترز)
TT

طهران تفرج عن البحارة الأميركيين بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية الإيرانية

البحارة الأميركيون في مكان غير معروف داخل إيران بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية الإيرانية (رويترز)
البحارة الأميركيون في مكان غير معروف داخل إيران بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية الإيرانية (رويترز)

أعلنت إيران أمس الإفراج عن زورقين من زوارق البحرية الأميركية، وعن بحارة البحرية الأميركية العشرة الذين احتجزتهم منذ مساء أول من أمس الثلاثاء بعد أن اتهمتهم بالدخول في مياهها الإقليمية.
وجاء الإعلان عن الإفراج عن البحارة الأميركيين بعد اشتعال الجدل والغضب في الدوائر السياسية الأميركية، على خلفية الخلافات الحزبية حول تعامل الإدارة الأميركية مع إيران، وتباطؤ الإدارة في فرض عقوبات على طهران بعد إقدامها على تجربتين للصواريخ الباليستية في انتهاك للقوانين الدولية.
ويأتي حادث اعتقال وإطلاق سراح البحارة في توقيت يشكل لحظة حاسمة في العلاقة الأميركية - الإيرانية قبل أيام من بدء التنفيذ الرسمي للاتفاق النووي الإيراني الذي بموجبه تفرج الولايات المتحدة عن الأموال الإيرانية المجمدة، والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار، وفي الوقت الذي يسعى فيه الجمهوريون في الكونغرس إلى تمرير مشروع قرار في مجلس النواب لتعطيل تخفيف العقوبات ضد إيران حتى يشهد الرئيس بالتزام إيران بوقف كل الأنشطة النووية والتوقف عن زعزعة استقرار المنطقة.
وتزايد الجدل خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مع تصريحات متناقضة صادرة من إيران حول اعتذار الولايات المتحدة لطهران عن دخول الزوارق الأميركية إلى المياه الإقليمية الإيرانية، ونفي شديد من جانب البيت الأبيض والخارجية والبنتاغون لوجود أي اعتذار أميركي لإيران.
وفي المقابل، أشاد كلا البلدين بانتهاء الأزمة والإفراج عن البحارة الأميركية، ووُصف الأمر بأنه علامة على تطور العلاقات بين البلدين منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني. ووجه وزير الخارجية الأميركي جون كيري الشكر للحكومة الإيرانية على «تعاونها وسرعة الاستجابة»، مشيدا بما قدمته إيران من رعاية للبحارة وتوفير الغذاء والبطاطين لهم.
من جهته، أشار الجنرال المتقاعد رالف بيتر، في تصريحات لشبكة «فوكس» الإخبارية، إلى أن إيران احتفظت بأجهزة تحديد المواقع في الزوارق الأميركية، بما يجعل من الصعب نفي دخول الزوارق الأميركية إلى المياه الإقليمية الإيرانية. وأوضح الجنرال المتقاعد أن بداية أزمة احتجاز البحارة الأميركية، وحتى انتهائها، تثير الكثير من التساؤلات خاصة مع مقاطع الفيديو التي بثها الإعلام الإيراني وتظهر البحارة الأميركيين بصورة مهينة وهم راكعون على الأرض وأيديهم خلف رؤوسهم.
وتطورت الأزمة على مدى الساعات الأربع والعشرين الماضية، بدءا باعتقال قوات الحرس الثوري الإيراني، مساء الثلاثاء، أفراد طاقم البحارة وهم يستقلون اثنين من الزوارق الدورية التي كانت في طريقها من الكويت إلى البحرين. وقالت وسائل الإعلام الإيرانية إنه تم احتجاز الزورقين وطاقم البحارة الأميركي المكون من تسعة رجال وامرأة بتهمة دخول المياه الإقليمية. ولم تكشف إيران عن مكان احتجاز البحارة والزوارق.
في هذه الأثناء، أشارت تقارير وسائل الإعلام الأميركي، نقلا عن وكالة «رويترز»، إلى أن إيران تطلب اعتذارا من الولايات المتحدة بعد انتهاك مشاة البحرية الأميركية للمياه الإقليمية الإيرانية. في المقابل، قالت وزارة الدفاع الأميركية إن واحدا من زوارق الدورية للبحرية الأميركية واجه مشاكل ميكانيكية في طريقه من الكويت إلى البحرين في مهمة روتينية. وقدم البنتاغون هذا التفسير للجانب الإيراني، وقال مسؤول عسكري إن إيران تقبلت هذا التفسير ووعدت بمناقشة ومتابعة الأمر.
من جهته، أكّد بيتر كوك، المتحدث باسم البنتاغون: «نحن على اتصال مع إيران، ونتلقى تأكيدات بأنه سوف يتم الإفراج عن طاقم البحارة والزوارق فورا». وتوقع أن يتم ذلك صباح أمس الأربعاء. وأشار المسؤولون بالخارجية الأميركية إلى أن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أمضى عدة ساعات في اتصالات مباشرة مع نظيره الإيراني جواد ظريف لحل الأزمة، والإفراج عن البحارة بسرعة.
وقبل دقائق من خطاب أوباما أمام الكونغرس، مساء أول من أمس، حول حالة الاتحاد، اكتفى وزير الخارجية الأميركي بالقول إن أزمة البحرية ستحل قريبا جدا.
وصباح أمس، أصدرت القيادة البحرية المركزية الأميركية في البحرين بيانا أكدت فيه الإفراج عن البحارة الأميركيين، وقالت فيه إنه لا توجد مؤشرات على أن البحارة الأميركيين تعرضوا للأذى خلال فترة اعتقالهم، مؤكّدة أن البحرية الأميركية ستحقق في الظروف التي أدت إلى وجود البحارة قرب المياه الإيرانية.
من جهتها، بثت المواقع الإخبارية الإيرانية صورا أظهرت تعابير مرتبكة لوجوه البحارة الأميركيين، بدا البعض فيها مبتسما، والبعض الآخر مضجرا ومتعبا. وقالت وسائل الإعلام الإيرانية، نقلا عن الأميرال علي فدوي بالحرس الثوري الإيراني، إن «التحقيقات خلصت إلى أن قوات مشاة البحرية الأميركية لم يدخلوا المياه الإقليمية عمدا، وأن اعتداءهم على المياه الإقليمية لم يكن معاديا أو لأغراض التجسس، وبعد اعتذارهم تم الإفراج عنهم صباح الأربعاء بتوقيت واشنطن».
وأصدر وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر بيانا أثنى فيه على حلّ وضع البحارة الأميركيين والإفراج عنهم في الوقت المناسب، وأعقبه وزير الخارجية الأميركي جون كيري ببيان أشاد فيه بالتعاون الدبلوماسي مع إيران لتأمين العودة السريعة للبحارة الأميركيين، وأعلن أن البحارة الأميركيين غادروا إيران سالمين.
وجرى نقل البحارة بواسطة طائرات البحرية الأميركية إلى واشنطن، وفقا لما صرح به البنتاغون، بينما تواصل الزوارق البحرية طريقها نحو البحرين. وقال دينيس ماكدونو، رئيس موظفي البيت الأبيض، في لقاء مع الصحافيين صباح أمس، إن الإفراج عن البحارة الأميركية يعد نجاحا للدبلوماسية الأميركية ونجاحا لقناة الاتصالات المفتوحة بين وزير الخارجية جون كيري وجواد ظريف والتي تعد مهمة للغاية.
وفي مقابلة بثتها شبكة «سي بي إس» الأميركية مع نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، نفى هذا الأخير اعتذار الولايات المتحدة لإيران، فيما كتب جون كيربي، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تغريده نفى فيها ما تردد في الإعلام الإيراني عن اعتذار أميركا لطهران، قائلا: «ليس هناك ما نعتذر عنه».
في السياق ذاته، ألقى كيري خطابا حول السياسة الخارجية الأميركية أمام جامعة الأمن الوطني العسكرية، أبدى فيه سعادته بالإفراج عن البحارة، وقال «أشكر الإيرانيين لتعاونهم وسرعة الاستجابة، وأنا ممتن للاستجابة السريعة، وكل المؤشرات تدل على أنه تمت رعاية البحارة وإمدادهم بالغذاء والبطاطين». وشدد كيري على أن حل أزمة البحارة تم سلميا بما يعد شهادة لدور الدبلوماسية في حماية البلاد. وأشار إلى أنه لو تم هذا الحادث قبل أربع سنوات لكان الأمر مختلفا.
وبث التلفزيون الإيراني صورا مثيرة للحظات اعتقال قوات الحرس الثوري الإيراني للبحارة الأميركيين، وبثت وسائل الإعلام الأميركي الصور ومقاطع الفيديو التي تظهر البحارة في القاعدة الأميركية وأيديهم على رؤوسهم، بينما يقوم الجنود الإيرانيون بتفقدهم وهم يحملون المدافع الرشاشة.
وأشار المحللون إلى أن سرعة إفراج إيران عن البحارة تقف في تناقض حاد مع حادثة احتجاز مشابهة أقدمت عليها طهران مع مشاة البحرية البريطانية في عام 2007، وتطور الأمر إلى أزمة دولية بعد أن ألقى الحرس الثوري الإيراني القبض على 15 من مشاة البحرية البريطانية بعد اتهامهم بدخول المياه الإقليمية. وتم احتجازهم لمدة 13 يوما، ثم أطلقت حكومة الرئيس أحمدي نجاد سراحهم.
ولفت المسؤولون الأميركيون إلى أن الإجراءات الأخيرة من قبل الحرس الثوري الإيراني ضد قوات البحرية الأميركية في الخليج ربما تهدف إلى إحراج وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف والرئيس حسن روحاني قبل الانتخابات البرلمانية التي تجرى في شهر فبراير (شباط) المقبل.



وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
TT

وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إلى باكستان التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن، في زيارة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب التي أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على «الانتصار» فيها.

وحلّ عراقجي في إسلام آباد للمرة الثانية خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي، وهذه المرة غداة إلغاء ترمب زيارة كان يتوقع أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وذلك في ظل عدم تحقيق اختراق ينهي الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على طهران في 28 فبراير (شباط).

واستضافت إسلام آباد في وقت سابق من أبريل (نيسان) جولة مفاوضات أولى مباشرة في إطار اتفاق هدنة بين المتحاربين، من دون التوصل إلى اتفاق على إنهاء الحرب التي طالت تداعيتها الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.

وبعد محطته الأولى في إسلام آباد، انتقل عراقجي إلى مسقط ضمن الجولة التي من المقرر أن تشمل روسيا كذلك.

وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) أن عراقجي وصل إلى إسلام آباد بعد ظهر الأحد، آتيا من عُمان حيث التقى السلطان هيثم بن طارق.

وقالت وكالة الأنباء العمانية إن الطرفين بحثا «مستجدّات الأوضاع في المنطقة، وجهود الوساطة والمساعي الرّامية إلى إنهاء النّزاعات».

وكان الوزير الإيراني التقى في باكستان رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحق دار، وقائد الجيش عاصم منير. وقال عراقجي إن طهران تنتظر لتبيان «ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

وكان ترمب قد أعلن، السبت، أن ويتكوف وكوشنر لن يزورا باكستان. وأضاف: «لدينا كل الأوراق. يمكنهم (الإيرانيون) الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس والتحدث عن لا شيء». ورأى أن واشنطن أهدرت «الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل!».

لكن ترمب شدد على أن عدم سفرهما لا يعني استئناف الحرب، مضيفاً أن الإيرانيين «قدموا إلينا وثيقة كان يجب أن تكون أفضل مما هي عليه»، وأنه بعد إلغاء الزيارة «قدموا وثيقة جديدة أفضل»، دون أن يدلي بتفاصيل.


إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.