بيوت الأزياء خلقت «فرانكشتاين» ولا تعرف كيف تتخلص منه

كلما زادوا من نسبة التنزيلات زاد الزبون طمعًا وانتظارًا لما هو أكثر

ازدحام وتدافع في الشوارع خلال موسم التنزيلات، متسوقون في محلات «سلفريدجز» بلندن
ازدحام وتدافع في الشوارع خلال موسم التنزيلات، متسوقون في محلات «سلفريدجز» بلندن
TT

بيوت الأزياء خلقت «فرانكشتاين» ولا تعرف كيف تتخلص منه

ازدحام وتدافع في الشوارع خلال موسم التنزيلات، متسوقون في محلات «سلفريدجز» بلندن
ازدحام وتدافع في الشوارع خلال موسم التنزيلات، متسوقون في محلات «سلفريدجز» بلندن

عندما اجتاحت الأزمة الاقتصادية العالم في عام 2008. لم تؤثر على الشركات وصناع الموضة فحسب، بل أثرت على ثقافة السوق والتسوق ككل. فمنذ ذلك الحين، والأسعار إما تزيد غلاء لتخاطب شريحة الأثرياء الذين باتوا يرفضون شراء منتجات تشاركهم فيها الطبقات الأقل منهم ثراء، أو تزيد رخصا لكي تخاطب الطبقات المتطلعة للموضة ولا تستطيع للمنتجات الغالية سبيلا، فيما أصبح يُشار إليه بالموضة السريعة حاليا. وإذا كانت الشريحة الأولى تضم فئة قليلة جدا، يمكن تشبيهها بالنادي النخبوي الذي لا يدخله أي كان، ما يجعل المنافسة فيه محصورة على بعض البيوت والشركات الكبيرة، فإن الفئة الثانية تشمل الغالبية وبالتالي هي الأكثر تأثيرا على طريقة التسوق والتعامل مع الموضة عموما. وغني عن القول: إنها الأكثر تأثيرا أيضا على بيوت الأزياء والشركات، لما تسبب لهم من أرق تشعر معه وكأنها خلقت «فرانكشتاين» أصبح من الصعب عليها كبح جماحه والتحكم فيه. فكلما رخصوا الأسعار وزادوا من نسبة الإغراءات لجذب الزبون، كلما زاد هذا الأخير طمعا في المزيد. يقول كيت يارو، وهو بروفسور في علم النفس من جامعة «غولدن غايت» أن «المستهلك تعود حاليا على التنزيلات الكبيرة وبات يتوقعها كتحصيل حاصل، إلى حد أن الكثير منهم يؤجلون شراء معطف شتوي هم في حاجة إليه، أو جهاز إلكتروني حتى آخر السنة، لأنهم يعرفون مسبقا أنهم سيحصلون على بُغيتهم بنصف السعر».
بدوره يؤكد طبيب علم النفس والأعصاب ديفيد لويس بأن التسوق في موسم التنزيلات له متعة تتعدى الناحية المادية إلى الناحية النفسية، شارحا أن معظم المتسوقين يشعرون بسعادة قصوى عندما يحصلون على «صيد أو غنيمة». في البداية يدفعهم شعور بالخوف من تفويت فرصة ثمينة، تليه فرحة عارمة عندما يقع بين أيديهم منتج بثمن مخفض. ويوافقه الرأي ديمتريوس تريفريكوس، وهو خبير نفسي في جامعة لندن قائلا: «لقد أصبح هؤلاء أشبه بصيادين وجامعين.. يتصارعون على الأشياء.. يجولون في كل الزوايا بحثا عنها». ولم ينس أن يشير إلى أن البعض يتصارعون بالأيادي ويتخاطفون على أشياء ربما هم ليسوا في حاجة ماسة إليها، لكن فكرة تفويت فرصة من هذا النوع تخيفهم وتوقظ الجانب الغريزي بداخلهم. ويقوى إحساسهم بالخوف عندما يعرفون أن الوقت المتاح أمامهم للحصول عليها محدد. وهذا تحديدا ما حاولت الشركات الكبيرة استغلاله في البداية وأوقعها في مأزق يكلفها الكثير الآن.
فقد وقعت في الشرك الذي نصبته من تلقاء نفسها، لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار السيكولوجية والغريزة البشرية.
بداية الأزمة، أو المأزق، بدأت في 2008 حين انتهجت الكثير من بيوت الأزياء والشركات سياسة تخفيض منتجاتها، وخلق مناسبات مثل «بلاك فرايداي»، «فوغ نايتس» وغيرها لتحريك السوق الراكدة. لم ترق الفكرة لذوي الدخل المحدود فحسب، بل أيضا للأغنياء، الذين يتسابقون على «غنائم»، من باب «زيادة الخير خيرين». ولا يستغرب خبراء علم النفس الأمر، بل يشرحونه بتأكيدهم بأنه بداخل كل واحد منا صياد يتلذذ بـ«غنيمة» فاخرة يحصل عليها وتُشعره بذكائه التجاري. فمن منا لا تتسارع دقاته قلبه وهو يمسك بقطعة تم تخفيضها بنسبة 75 في المائة مثلا؟ أو يمسك بإكسسوار لم يكن يحلم به وأصبح فجأة ضمن إمكانياته؟ لا يختلف اثنان أنه من الصعب مقاومة ذلك الإحساس الذي يغمر كل الحواس ويجعلها متوثبة للمزيد، أو ذلك الصوت الملح الذي يقول إن هذا هو يوم الحظ الذي لا يمكن أن يتكرر وبالتالي من الواجب الاستفادة منه بكل الإمكانيات. العلماء يردون هذا الإحساس إلى الناقلات العصبية التي تفرز مواد مثل السيروتونين والدوبامين، التي تثير مشاعر سعادة تشبه تلك التي يثيرها الأدرينالين في الجسم.
والنتيجة أن المستهلك أدمن على التخفيضات، إلى حد أنه مستعد أن يصبر وينتظر أشهرا إلى حين موسم التنزيلات لشراء قطعة أعجبته عوض شرائها مباشرة. والطريف أن الأمر قد يشمل المحلات الشعبية أيضا، مثل «زارا» و«توب شوب» مثلا رغم أن أسعارها ليست غالية أساسا. وهكذا تحول ما ولد كمضاد للأزمة الاقتصادية إلى أزمة تحتاج إلى عملية فطام ذكية.
من جهتها، لا تنكر الكثير من الشركات والمحلات بأنها في أزمة لا تعرف كيف تخرج منها بعد أن شهدت قيمة أسهمها انخفاضا بسبب تراجع مبيعاتها. ما زاد في الطين بلة أن الإقبال الذي تشهده في «بلاك فرايداي» أو خلال موسم التنزيلات لا يعوضها عما تخسره. فمهما زادت عملية البيع في هذه الأوقات، فإن الأرباح لا تزيد لا سيما أن المنافسة كبيرة بين المحلات. فعندما يُخفض محلا منافسا منتجاته بنسبة 20 في المائة أو 30 في المائة، في الأيام العادية مثلا، فإن المحل المجاور أو المقابل له، لا يجد بدا من أن يحذو حذوه. وهذا تحديدا ما يزعج الشركات، التي تعرف بأنه في حال طالت العملية فإن الفرق بين سعر الإنتاج وسعر الشراء سيؤثر على استمراريتها. البعض الآخر يحاول حل هذه المعضلة بأساليب أخرى، مثل تقديم محفزات تتمثل في توقيع اسم الزبون على المنتج أو طرح منتجات محدودة بنقشات وألوان فنية يمكن شراؤها للاقتناء، للزيادة من قيمتها ومن ثم رغبته فيها. وينطبق الأمر هنا على مستحضرات التجميل والعطور كما على الإكسسوارات مثل الأوشحة أو الساعات. بيد أن الزبون أصبح ذكيا ومتمرسا في لعبة أصبح هو المستفيد منها. فهو يحفظ الآن تاريخ «بلاك فرايد» عن ظهر قلب، ويترقب موسم التنزيلات وكأنه حقه الشرعي، غير عابئ بتبعات كل هذا على حركة البيع في الأيام الأخرى.
مواقع التسوق الإلكترونية لعبت دورا مهما في منح هذه الثقافة الاستهلاكية الجديدة دفعة غير مسبوقة، إذ أن بعضها يقدم تنزيلات طوال الوقت، مثل موقع «أمازون» بالإضافة إلى أسواق التجزئة المترامية خارج المدن الكبيرة. فهذه تقدم منتجات مخفضة طوال السنة، ما يجعل المحلات الأخرى في سباق دائم معها لجذب الزبائن، من خلال تقديم تنازلات إضافية. البيوت التي نجت من هذه الأزمة قليلة، نذكر منها «هيرميس» و«لويس فويتون»، لأنها اتبعت استراتيجيات مختلفة تماما. «لويس فويتون» ترفض فكرة التنزيلات رفضا باتا منذ البداية، ولا تعتبرها عادلة أو مربحة. صاحبها الملياردير الفرنسي، برنار أرنو شرح وجهة نظره في إحدى المقابلات قائلا بأنه من الظلم أن يشتري زبون حقيبة بسعر كامل، فقط ليحصل عليها زبون آخر بعد بضعة أشهر أو أسابيع، بنصف الثمن. الأمر بالنسبة له ليس في صالح أي أحد، وكان على حق. مؤخرا أعلنت «غوتشي» أنها هي الأخرى ستتبع نفس الاستراتيجية بعد أن صرح رئيسها التنفيذي، ماركو بيزاري أن التشكيلتين اللتين صممهما مديرها الفني الجديد أليساندرو ميكيل هذا العام لن يخضعا للتخفيض للمحافظة على قيمتهما من جهة، ولأنهما يستحقان ثمنهما الأصلي من جهة ثانية.
لكن إذا كانت المجموعات المالكة لبيوت مثل «هيرميس»، «غوتشي»، «لويس فويتون» وغيرها قادرة على هذه المجازفة، فإن بيوتا أخرى لا تملك هذا الترف، لأنه ليس لديها ما يُسندها ويُعوضها عن الخسارة التي يمكن أن يسببها رفضها تنزيل منتجاتها والتخلص منها بأي ثمن حتى لا تبور، ليبقى التفكير في حل يرضي كل الأطراف مفتوحا، رغم أن الأمل ضعيف في الوقت الحالي بالنظر إلى أن شهية المستهلك مفتوحة على كل ما هو مخفض وفاخر.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.