بدأت الممثلة الأميركية المولد ماريزا بيرنسون مشروعا مع ابنتها الشابة ستارلايت، لكتابة تجربتها الحياتية الثرية بهدف نقل خبراتها «الروحية» إلى الجيل الجديد. إنها لا تخفي سعادتها لأن هناك من ما زال يذكر بصمتها الرقيقة في الوسط الفني. فقد استدعتها مجلة «فانيتي فير» إلى لندن، مؤخرا، لالتقاط مجموعة من الصور تنشر ضمن سلسلة عن الشخصيات الأكثر أناقة في العالم.
ومن لندن انتقلت إلى باريس، حيث بدأت في الصالات الفرنسية، هذا الأسبوع، عروض فيلمها الجديد «أفيون» الذي أخرجته صديقتها المغنية والممثلة آرييل دومبال، زوجة الفيلسوف الإشكال برنار هنري ليفي. إنه فيلم موسيقي يقوم على مقاطع من أشعار جان كوكتو، في جانب كبير منه. وكانت ماريزا قد حضرت، في الربيع الماضي، دورة مهرجان «كان» السينمائي الأخيرة وسارت على السجادة الحمراء بمناسبة اشتراكها في فيلم دومبال. إنهما تتشابهان في أنهما تنتميان إلى عائلة أرستقراطية ثرية ومع هذا فقد اتجهتا صوب الفن. كما تتمتعان بأناقة طبيعية وبجمال قادر على الصمود أمام آثار الزمن.
يجري في عروق هذه المرأة خليط من دماء روسية وإيطالية وسويسرية وفرنسية ومصرية. فأبوها الذي عمل دبلوماسيا أميركيا كان من أصل ليتواني، ووالدتها كونتيسة تدعى غوغو، وجدتها لوالدتها هي مصممة الأزياء الشهيرة، أوائل القرن الماضي، إلزا سكياباريللي، وجدها هو الكونت غليوم دو كيرلور، الذي كان متصوفا ووسيطا روحيا، وخالها الأكبر هو عالم الفلك الإيطالي جيوفاني سكياباريللي. أما عمها الأكبر فهو خبير الفنون برنار بيرنسون الذي كانت شقيقته سيندا بطلة رياضية وواحدة من أول امرأتين مارستا لعبة كرة السلة في الولايات المتحدة.
في طفولتها، كانت ماريزا تحلم بأن تصبح راهبة أو ممثلة.. فقد اغتسلت عيناها، منذ الصغر، بكل ما هو جميل وفاتن من أثاث وثياب ومنازل فخمة. لقد كانت جدتها تصمم الأزياء ويتردد عليها زوار من كبار فناني القرن الماضي، ومع هذا، لم تكن الصغيرة واثقة من أنها تملك الموهبة اللازمة لخوض ميدان الفن السابع، خصوصا أن والدها أراد لها أن تعمل في السلك الدبلوماسي، مثله، وأن تتلقى تعليما يتناسب مع محيطها الاجتماعي. وبناء عليه، تنقلت البنت مع شقيقتها الصغرى بين أرقى المدارس الداخلية في بريطانيا وسويسرا وفرنسا، في حين كان الوالدان يقيمان في نيويورك ولا يجتمع شمل الأسرة إلا في الإجازات. وفي تلك المناسبات، اعتادت ماريزا أن ترى سياسيين وأميرات وحتى ملوكا يلبون الدعوة لحفلات العشاء الباذخة التي كان أبوها يقيمها في المنزل.
عاشت حياتها في قفص ذهبي ولم تعرف لها وطنا محددا. كانت ماريزا مواطنة عالمية، تحتفظ لنفسها بشقة صغيرة في حي «سان جيرمان»، موطن الفنانين والشعراء التقليدي في باريس، وتلجأ إليها كلما مرت طائرتها فوق أوروبا.. وهي الشقة التي تستقبل فيها معارفها القدامى والصحافيين الذين ما زالوا يذكرون مرورها كنجم مضيء على منصات عروض الأزياء وفي السينما العالمية. وهي قد كشفت في مقابلة أجريت معها بمناسبة عرض فيلها الجديد أنها، عندما بلغت السادسة عشرة، أدركت أنها تعيش في وحدة كبيرة ويغمرها الحنين لحياة طبيعية مثل بنات جيلها، في بيت دافئ لا في مدرسة داخلية، ومع والدين حاضرين، وليسا مجرد صورتين على الرف وصوتين في الهاتف. وهي الفترة التي بدأت تطرح فيها على نفسها الأسئلة الكبيرة: من أنا؟ وما جدوى حياتي؟ هل لي مهمة أؤديها على هذه الأرض؟ وأين أتوجه لألتقي خالقي؟ وبفضل تلك الأفكار سلكت ماريزا طريقا روحانيا وتعمقت في التعرف على الأديان وقامت بأول رحلة استكشافية لها إلى الهند، وهي دون الثامنة عشرة، متأثرة بوفاة والدها الذي كانت تحبه بشكل كبير.
بعد عودتها من السفر، خطت أولى خطواتها على طريق تحقيق شيء من أحلام الطفولة.. فقد تمكنت ديانا فريلاند، رئيسة تحرير الطبعة الأميركية من مجلة «فوغ»، في فترة سابقة، من إقناع والدي ماريزا بأن ابنتهما تمتلك مواصفات معينة تسمح لها بأن تجرب حظها في عرض الأزياء. لكن موت الأب كان قاسيا عليها ودفع بها إلى الهند حيث جربت التأملات الروحية لدى معلم ذي شهرة في أوساط النجوم. لقد وجدت نفسها تبتهل في صف واحد مع بول مكارتني، عضو فريق «البيتلز»، ومع زميله جورج هاريسون، ومع الممثلة ميا فارو. وكان من تأثيرات تلك الرحلة أنها صارت وما زالت نباتية، تميل إلى قضاء أيام من السنة في الخلوة والتأمل، وتعالج بالأعشاب آلام الروح والجسد. وهي وصفة ما زالت تواظب عليها إلى اليوم، لا سيما بعد أن فقدت شقيقتها الوحيدة.. كانت بيري بيرنسون ممثلة ومصورة فوتوغرافية وزوجة للممثل أنطوني هوبكنز، وقد قضت في تفجيرات نيويورك، عام 2001، حيث كانت على متن إحدى الطائرتين اللتين اصطدمتا ببرجي مركز التجارة العالمي.
تمسكت ماريزا بالروحانيات لكي تتجاوز محنة موت والدها. وهي تقول إنها تريد أن تعيش 100 عام، وإن والدتها ما زالت تحافظ على صحتها بالأسلوب المتقشف ذاته، رغم أنها في الثالثة والتسعين من العمر. لقد خرجت من المنطقة القاتمة وفترة الحداد وتقدمت للعمل عارضة ظهرت صورها على عدة أعداد من «فوغ»، في السبعينات اللذيذة، العصر الذهبي لثورة الموضة. ومن الأغلفة انتقلت إلى الشاشة الكبيرة وظهرت في عشرات الأفلام السينمائية والتلفزيونية، بأكثر من لغة من اللغات التي تجيدها. ولأنها من وسط يتمتع بامتيازات خاصة، فإن بدايتها لم تكن من السفح؛ بل من القمة، ومع المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي في فيلم «موت في البندقية». وما زال محبو السينما يذكرون دورها في فيلم «باري ليندون»، مع المخرج الشهير ستانلي كوبريك، عام 1975. لكن حادث سيارة مؤلما أقعدها عن مواصلة العمل لفترة من الزمن فتحولت إلى العمل التجاري وأطلقت مجموعة من مستحضرات التجميل المصنوعة من مواد طبيعية.
ورغم تقاعدها منذ سنوات طوال عن عرض الأزياء، فإنها ما زالت ذات أسلوب مميز في الأناقة، يجعلها تبدو كأنها خارجة للتو من لوحة فنية.. وكانت والدتها تقول لها إنها تشبه النساء الرقيقات اللاتي رسمهن مودغلياني. وقد وجد فيها المصمم إيف سان لوران المرأة التي تجسد «فتاة السبعينات» في القرن الماضي. لكنها لا تنسى أن جدتها إلزا سكياباريللي كانت تقرصها، خفية، كلما وجدتها مرتدية ثوبا لا يناسب الذوق الراقي.
نالت ماريزا بيرنسون جائزة «هنري لاغلوا» السينمائية المرموقة في فرنسا، عام 2010، كما اختارتها اليونيسكو سفيرة للنوايا الحسنة بفضل تعدد مجالات نشاطها الثقافي.
ماريزا بيرنسون تستعيد جلسة ابتهالات مع بول مكارتني في الهند
الممثلة الأميركية تتمنى أن تعيش 100 عام
ماريزا بيرنسون كما تبدو اليوم
ماريزا بيرنسون تستعيد جلسة ابتهالات مع بول مكارتني في الهند
ماريزا بيرنسون كما تبدو اليوم
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

