تونس.. 16 عملية إرهابية شلت الاقتصاد

مافيات التهريب و«داعش» على أبواب قرطاج

رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
TT

تونس.. 16 عملية إرهابية شلت الاقتصاد

رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)

توقع التونسيون أن يؤدي إسقاط حكومة الائتلاف السابقة برئاسة حزب النهضة إلى القضاء على الإرهاب والعنف السياسي.
لكن عام 2015، وهو العام الخامس بعد الإطاحة بحكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، كان عام تصعيد الهجمات الإرهابية على مواقع استراتيجية تونس فكانت الحصيلة «شل» الاقتصاد، خصوصًا قطاعات السياحة والخدمات المرتبطة بها.. وبلغ الأمر بالإرهابيين حد تهديد مباشر لمؤسسة رئاسة الجمهورية وقصر قرطاج من خلال التفجير الذي استهدف لأول مرة في تاريخ تونس قوات الحرس الرئاسي.
ولئن قدرت عدد العمليات الإرهابية طوال 2015 بما لا يقل عن 16 فإن أكثرها خطورة وضررًا ثلاثة، استهدف اثنان منها السياح، وتسببت الثالثة في توجيه ضربة موجعة لقوات النخبة الأمنية في البلاد (الحرس الرئاسي).
لم يعط المورطون في الإرهاب الرئيس التونسي الجديد الباجي قائد السبسي وحكومة الحبيب الصيد مهلة طويلة، إذ بادروا بتنظيم سلسلة من الهجمات على العسكريين والأمنيين وأعوان «القمارق» في المناطق الجبلية المتاخمة للحدود مع الجزائر وليبيا. ثم توسعت تلك العمليات لتشمل العاصمة والمدن.
وكانت الحصيلة تعاقب سقوط «الشهداء» والجرحى بين العسكريين والأمنيين وأعوان «القمارق» في عمليات نسبت إلى «عصابات التهريب والإرهاب في بلدان المغرب الإسلامي التي تشابكت مصالحها»، على حد تعبير المدير العام السابق للمخابرات العسكرية التونسية وللديوانة الجنرال محمد المؤدب.

حرب استنزاف طويلة

وكشفت تصريحات وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي ونظيره وزير الدفاع فرحات الحرشاني أن قوات الأمن المدنية والعسكرية «نجحت في إحباط عشرات الهجمات الإرهابية الخطيرة»، التي برمجها مهربون وإرهابيون تونسيون ومغاربيون تلقى أغلبهم تدريبات على حمل السلاح وعلى حروب العصابات والاستنزاف طويلة المدى في ليبيا وسوريا والعراق.
وتضاعفت محاولات شن هجمات على مؤسسات سيادية في الدولة - من بينها مقرات وزارة الداخلية وقصرا الحكومة والبرلمان - بسبب سهولة جلب الأسلحة والمتفجرات من ليبيا «التي لم تعد فيها دولة منذ أعوام بل حكومات وميليشيات متصارعة»، على حد ما ورد في تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ووزير خارجيته الطيب البكوش.

نجاحات ولكن

لكن نجاحات قوات الأمن والجيش في توجيه ضربات «استباقية» للمشتبه بانتمائهم إلى عصابات الإرهاب والتهريب التونسيين وإلى شركائهم الليبيين والجزائريين والمغاربة لم تمنع تعاقب الهجمات الدامية التي تسببت في سقوط عشرات المدنيين والأمنيين والعسكريين التونسيين والسياح.
وحسب بلاغات وزير الداخلية، فقد شهد عام 2015 تكثيفًا للهجمات الإرهابية وتكديس الأسلحة ومحاولات الاغتيال في محافظات الساحل التونسي ذات الصبغة السياحية التي ينحدر منها غالبية حكام تونس منذ 60 عامًا، أي منذ عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
وكشفت التقارير الأمنية أن إحدى الخلايا الإرهابية التي وقع الكشف عنها تم إجهاض هجماتها في مدينة سوسة السياحية - التي ينحدر منها رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد وعدد من وزرائه والمقربين منه كانت هربت من ليبيا إلى تونس كميات هائلة من المتفجرات والأحزمة الناسفة والأسلحة الخطيرة والأموال.
ووصف وزير الداخلية ناجم الغرسلي ومدير عام الأمن الوطني السابق رفيق الشلي تلك «الخلية الإرهابية» بكونها «الأخطر في تاريخ تونس من حيث نوعية الأسلحة والمتفجرات والإرهابيين».

الهجوم على المتحف والبرلمان

وكانت الضربة الموجعة «النوعيّة» الأولى التي وجهها الإرهابيون إلى تونس وإلى حكومة الحبيب الصيد بعد شهرين فقط من تعيينها الهجوم الدامي على المتحف الوطني في باردو المجاور لمقر البرلمان.
وكانت حصيلة ذلك الهجوم - الذي وقع يوم 23 مارس (آذار) أي في ذروة موسم إجازات الربيع - أكثر من 20 قتيلا وعشرات الجرحى غالبيتهم من السياح.
وكان وقع تلك العملية الإرهابية كبيرا، لأنه استهدف سياحًا من العالم أجمع كانوا في «رحلة عبور بحرية» إلى تونس. لذلك كان بين الضحايا سياح من اليابان وروسيا وأوروبا وأميركا.
ولئن رد قادة العالم على ذلك الهجوم عبر تظاهرات ثقافية وسياسية بالجملة - شارك في بعضها رؤساء الدول والحكومات ومبعوثوهم - فقد كانت الحصيلة إلغاء أغلب الحجوزات لموسمي الربيع والصيف.

من «القاعدة» إلى «أنصار الشريعة»

رد رئيس الحكومة الحبيب الصيد على ذلك الهجوم بـ«قرارات بالجملة» من بينها إدخال تغييرات على رأس المؤسسات الأمنية وتنظيم حملات اعتقال واسعة على كل المشتبه بانتمائهم إلى تنظيمات مسلحة بينها «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«أنصار الشريعة» و«عقبة بن نافع» و«أسد بن الفرات».
وأعلن ووزير الداخلية ناجم الغرسلي بعد الهجوم أن الشابين المورطين في الهجوم كانا يستهدفان كذلك البرلمان بمن فيه من وزراء ونواب وموظفين وأمنيين، لذلك حاولوا استخدام متفجرات عسكرية ليبية تعود إلى عهد القذافي «يصل مداها لو نجحت عملية تفجيرها 8 آلاف متر مربع».
لكن اقتحام قوات النخبة التونسية للمتحف وقتلها للإرهابيين بعد بدئهما إطلاق النار على السياح وزوار المتحف خفف من عدد القتلى وحجم الكارثة.

مهربون جزائريون

وقد كانت من بين أبرز نتائج التحركات الأمنية المكثفة التي وقعت بعد جريمة الهجوم الإرهابي على متحف باردو إعلان قوات الأمن التونسية عن اعتقال مجموعة من أخطر الإرهابيين والمهربين الجزائريين والليبيين والمغاربيين الفارين من العدالة الجزائرية منذ العقد الماضي، بينهم لقمان أبو صخر (المكنى بـ«الأعور») الذي قتل في غارة نظمتها قوات مختصة من الأمن التونسي ضده و7 من رفاقه في محافظة قفصة الحدودية بالجنوب التونسي.
وحسب مصادر السلطات التونسية والليبية والجزائرية، فإن لقمان أبو صخر وعددا كبيرا من المهربين والإرهابيين الجزائريين والمغاربيين يتنقلون منذ انهيار النظام الليبي السابق في 2011 بين مواقع ليبية وأخرى في الصحارى والجبال التونسية والجزائرية.

«غزوة» ضد السياح البريطانيين؟

وعلى غرار حملات التضامن الدولي مع فرنسا بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف باريس وصحيفة «شارلي إيبدو» كثف أحباء تونس في عواصم الدول الغربية حملات التضامن مع تونس ومع سياحتها معتبرين أن «أفضل رد على الإرهاب تشجيع مزيد من السياح على زيارة تونس».
لكن «المافيات» التي تحرك الإرهابيين والمهربين وتراهن على مزيد إضعاف الحكومات المركزية نظمت جريمة إرهابية أكثر بشاعة في منتجع سوسة السياحي، 130 كلم جنوبي العاصمة تونس وعلى بعد عشرات الكيلومترات فقط عن المنتجعات السياحية في الحمامات والمنستير والمهدية.
كان الصيف في أيامه الأولى عندما هاجم مسلح شاب من أبناء المناطق المهمشة في محافظة القيروان - اشتغل سابقًا مدربًا للسياح في السهرات الراقصة - أحد أكبر فنادق سوسة واستهدف بدقة عشرات السياح البريطانيين فقتل منهم 30 ومن رفاقهم الأوروبيين 10 آخرين وأصاب عشرات بجراح.
لكن الجرح الأكبر الذي خلفته «الغزوة» ضد السياح البريطانيين كان قرار سلطات لندن وواشنطن ثم غالبية العواصم الأوروبية «ترحيل» كل سياحها من تونس وتصنيف تونس «بلدا غيرا آمن» مع تشبيه «الثغرات الأمنية فيه بتلك التي تسجل في أفغانستان والصومال»(؟) وهو ما اعتبره المسؤولون التونسيون «مبالغة» و«خدمة لأهداف الإرهابيين الذين أرادوا شل قطاع السياحة واقتصاد البلاد».

ذبح المتعاونين مع الأمن التونسي؟

ولئن تميزت تونس طوال الأعوام الماضية بغياب جهة تتبنى العمليات الإرهابية فإن «القاعدة في المغرب الإسلامي» وحلفاءها المسلحون في ليبيا وبينهم «أنصار الشريعة» و«داعش» أصبحوا يتبنون الهجمات الجديدة ومن بينها مذبحة السياح في منتجع سوسة.
وتعفنت الأوضاع مجددًا بعد تعاقب حالات قتل المدنيين المتعاونين مع الجيش والأمن التونسيين في الجبال الحدودية مع الجزائر. وكانت العملية الأبشع ذبح شاب كان يرعى الأغنام وإرسال رأسه مع ابن عمه إلى عائلته في كيس. وقد نشر في المواقع الاجتماعية شريط مصور يتضمن اعترافات القتيل بالتعاون مع الجيش والأمن التونسيين ضد الإرهابيين في الجبال بمقابل مادي. وتنبت «داعش» العملية.

«داعش» في تونس

وعلى الرغم من إغلاق عدد من الشوارع الرئيسية في العاصمة تونس منذ أشهر أمام السيارات والدراجات النارية فقد نجح إرهابي يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) في أن ينغص احتفالات تونس بمهرجان السينما الدولي من خلال تفجير نفسه داخل حافلة لنقل 30 من قوات حرس رئاسة الجمهورية.. على بعد عشرات الأمتار من المقر المركزي لوزارة الداخلية. فكانت الحصيلة 12 «شهيدًا» من بين الأمنيين وعشرات الجرحى.
وتبين مرة أخرى أن المتفجرات ليبية كانت تستخدم في المؤسسات العسكرية الحربية لجيش القذافي. ردت السلطات التونسية الفعل بإعلان حالة الطوارئ وحظر الجولان وبإغلاق الحدود مع ليبيا لمدة أسبوعين وبإجراءات وقائية جديدة.
لكن كل الإجراءات الوقتية والحلول الأمنية في تونس سوف تبقى محدودة التأثير إذا لم تنجح جهود القضاء على الأسباب العميقة للعنف والإرهاب، وبينها غياب سلطة مركزية قوية في طرابلس تعيد توحيد ليبيا وتجميع ملايين قطع السلاح وأكياس المتفجرات وتقضي على كل الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون.



«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».


تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended