تونس.. 16 عملية إرهابية شلت الاقتصاد

مافيات التهريب و«داعش» على أبواب قرطاج

رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
TT

تونس.. 16 عملية إرهابية شلت الاقتصاد

رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)

توقع التونسيون أن يؤدي إسقاط حكومة الائتلاف السابقة برئاسة حزب النهضة إلى القضاء على الإرهاب والعنف السياسي.
لكن عام 2015، وهو العام الخامس بعد الإطاحة بحكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، كان عام تصعيد الهجمات الإرهابية على مواقع استراتيجية تونس فكانت الحصيلة «شل» الاقتصاد، خصوصًا قطاعات السياحة والخدمات المرتبطة بها.. وبلغ الأمر بالإرهابيين حد تهديد مباشر لمؤسسة رئاسة الجمهورية وقصر قرطاج من خلال التفجير الذي استهدف لأول مرة في تاريخ تونس قوات الحرس الرئاسي.
ولئن قدرت عدد العمليات الإرهابية طوال 2015 بما لا يقل عن 16 فإن أكثرها خطورة وضررًا ثلاثة، استهدف اثنان منها السياح، وتسببت الثالثة في توجيه ضربة موجعة لقوات النخبة الأمنية في البلاد (الحرس الرئاسي).
لم يعط المورطون في الإرهاب الرئيس التونسي الجديد الباجي قائد السبسي وحكومة الحبيب الصيد مهلة طويلة، إذ بادروا بتنظيم سلسلة من الهجمات على العسكريين والأمنيين وأعوان «القمارق» في المناطق الجبلية المتاخمة للحدود مع الجزائر وليبيا. ثم توسعت تلك العمليات لتشمل العاصمة والمدن.
وكانت الحصيلة تعاقب سقوط «الشهداء» والجرحى بين العسكريين والأمنيين وأعوان «القمارق» في عمليات نسبت إلى «عصابات التهريب والإرهاب في بلدان المغرب الإسلامي التي تشابكت مصالحها»، على حد تعبير المدير العام السابق للمخابرات العسكرية التونسية وللديوانة الجنرال محمد المؤدب.

حرب استنزاف طويلة

وكشفت تصريحات وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي ونظيره وزير الدفاع فرحات الحرشاني أن قوات الأمن المدنية والعسكرية «نجحت في إحباط عشرات الهجمات الإرهابية الخطيرة»، التي برمجها مهربون وإرهابيون تونسيون ومغاربيون تلقى أغلبهم تدريبات على حمل السلاح وعلى حروب العصابات والاستنزاف طويلة المدى في ليبيا وسوريا والعراق.
وتضاعفت محاولات شن هجمات على مؤسسات سيادية في الدولة - من بينها مقرات وزارة الداخلية وقصرا الحكومة والبرلمان - بسبب سهولة جلب الأسلحة والمتفجرات من ليبيا «التي لم تعد فيها دولة منذ أعوام بل حكومات وميليشيات متصارعة»، على حد ما ورد في تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ووزير خارجيته الطيب البكوش.

نجاحات ولكن

لكن نجاحات قوات الأمن والجيش في توجيه ضربات «استباقية» للمشتبه بانتمائهم إلى عصابات الإرهاب والتهريب التونسيين وإلى شركائهم الليبيين والجزائريين والمغاربة لم تمنع تعاقب الهجمات الدامية التي تسببت في سقوط عشرات المدنيين والأمنيين والعسكريين التونسيين والسياح.
وحسب بلاغات وزير الداخلية، فقد شهد عام 2015 تكثيفًا للهجمات الإرهابية وتكديس الأسلحة ومحاولات الاغتيال في محافظات الساحل التونسي ذات الصبغة السياحية التي ينحدر منها غالبية حكام تونس منذ 60 عامًا، أي منذ عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
وكشفت التقارير الأمنية أن إحدى الخلايا الإرهابية التي وقع الكشف عنها تم إجهاض هجماتها في مدينة سوسة السياحية - التي ينحدر منها رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد وعدد من وزرائه والمقربين منه كانت هربت من ليبيا إلى تونس كميات هائلة من المتفجرات والأحزمة الناسفة والأسلحة الخطيرة والأموال.
ووصف وزير الداخلية ناجم الغرسلي ومدير عام الأمن الوطني السابق رفيق الشلي تلك «الخلية الإرهابية» بكونها «الأخطر في تاريخ تونس من حيث نوعية الأسلحة والمتفجرات والإرهابيين».

الهجوم على المتحف والبرلمان

وكانت الضربة الموجعة «النوعيّة» الأولى التي وجهها الإرهابيون إلى تونس وإلى حكومة الحبيب الصيد بعد شهرين فقط من تعيينها الهجوم الدامي على المتحف الوطني في باردو المجاور لمقر البرلمان.
وكانت حصيلة ذلك الهجوم - الذي وقع يوم 23 مارس (آذار) أي في ذروة موسم إجازات الربيع - أكثر من 20 قتيلا وعشرات الجرحى غالبيتهم من السياح.
وكان وقع تلك العملية الإرهابية كبيرا، لأنه استهدف سياحًا من العالم أجمع كانوا في «رحلة عبور بحرية» إلى تونس. لذلك كان بين الضحايا سياح من اليابان وروسيا وأوروبا وأميركا.
ولئن رد قادة العالم على ذلك الهجوم عبر تظاهرات ثقافية وسياسية بالجملة - شارك في بعضها رؤساء الدول والحكومات ومبعوثوهم - فقد كانت الحصيلة إلغاء أغلب الحجوزات لموسمي الربيع والصيف.

من «القاعدة» إلى «أنصار الشريعة»

رد رئيس الحكومة الحبيب الصيد على ذلك الهجوم بـ«قرارات بالجملة» من بينها إدخال تغييرات على رأس المؤسسات الأمنية وتنظيم حملات اعتقال واسعة على كل المشتبه بانتمائهم إلى تنظيمات مسلحة بينها «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«أنصار الشريعة» و«عقبة بن نافع» و«أسد بن الفرات».
وأعلن ووزير الداخلية ناجم الغرسلي بعد الهجوم أن الشابين المورطين في الهجوم كانا يستهدفان كذلك البرلمان بمن فيه من وزراء ونواب وموظفين وأمنيين، لذلك حاولوا استخدام متفجرات عسكرية ليبية تعود إلى عهد القذافي «يصل مداها لو نجحت عملية تفجيرها 8 آلاف متر مربع».
لكن اقتحام قوات النخبة التونسية للمتحف وقتلها للإرهابيين بعد بدئهما إطلاق النار على السياح وزوار المتحف خفف من عدد القتلى وحجم الكارثة.

مهربون جزائريون

وقد كانت من بين أبرز نتائج التحركات الأمنية المكثفة التي وقعت بعد جريمة الهجوم الإرهابي على متحف باردو إعلان قوات الأمن التونسية عن اعتقال مجموعة من أخطر الإرهابيين والمهربين الجزائريين والليبيين والمغاربيين الفارين من العدالة الجزائرية منذ العقد الماضي، بينهم لقمان أبو صخر (المكنى بـ«الأعور») الذي قتل في غارة نظمتها قوات مختصة من الأمن التونسي ضده و7 من رفاقه في محافظة قفصة الحدودية بالجنوب التونسي.
وحسب مصادر السلطات التونسية والليبية والجزائرية، فإن لقمان أبو صخر وعددا كبيرا من المهربين والإرهابيين الجزائريين والمغاربيين يتنقلون منذ انهيار النظام الليبي السابق في 2011 بين مواقع ليبية وأخرى في الصحارى والجبال التونسية والجزائرية.

«غزوة» ضد السياح البريطانيين؟

وعلى غرار حملات التضامن الدولي مع فرنسا بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف باريس وصحيفة «شارلي إيبدو» كثف أحباء تونس في عواصم الدول الغربية حملات التضامن مع تونس ومع سياحتها معتبرين أن «أفضل رد على الإرهاب تشجيع مزيد من السياح على زيارة تونس».
لكن «المافيات» التي تحرك الإرهابيين والمهربين وتراهن على مزيد إضعاف الحكومات المركزية نظمت جريمة إرهابية أكثر بشاعة في منتجع سوسة السياحي، 130 كلم جنوبي العاصمة تونس وعلى بعد عشرات الكيلومترات فقط عن المنتجعات السياحية في الحمامات والمنستير والمهدية.
كان الصيف في أيامه الأولى عندما هاجم مسلح شاب من أبناء المناطق المهمشة في محافظة القيروان - اشتغل سابقًا مدربًا للسياح في السهرات الراقصة - أحد أكبر فنادق سوسة واستهدف بدقة عشرات السياح البريطانيين فقتل منهم 30 ومن رفاقهم الأوروبيين 10 آخرين وأصاب عشرات بجراح.
لكن الجرح الأكبر الذي خلفته «الغزوة» ضد السياح البريطانيين كان قرار سلطات لندن وواشنطن ثم غالبية العواصم الأوروبية «ترحيل» كل سياحها من تونس وتصنيف تونس «بلدا غيرا آمن» مع تشبيه «الثغرات الأمنية فيه بتلك التي تسجل في أفغانستان والصومال»(؟) وهو ما اعتبره المسؤولون التونسيون «مبالغة» و«خدمة لأهداف الإرهابيين الذين أرادوا شل قطاع السياحة واقتصاد البلاد».

ذبح المتعاونين مع الأمن التونسي؟

ولئن تميزت تونس طوال الأعوام الماضية بغياب جهة تتبنى العمليات الإرهابية فإن «القاعدة في المغرب الإسلامي» وحلفاءها المسلحون في ليبيا وبينهم «أنصار الشريعة» و«داعش» أصبحوا يتبنون الهجمات الجديدة ومن بينها مذبحة السياح في منتجع سوسة.
وتعفنت الأوضاع مجددًا بعد تعاقب حالات قتل المدنيين المتعاونين مع الجيش والأمن التونسيين في الجبال الحدودية مع الجزائر. وكانت العملية الأبشع ذبح شاب كان يرعى الأغنام وإرسال رأسه مع ابن عمه إلى عائلته في كيس. وقد نشر في المواقع الاجتماعية شريط مصور يتضمن اعترافات القتيل بالتعاون مع الجيش والأمن التونسيين ضد الإرهابيين في الجبال بمقابل مادي. وتنبت «داعش» العملية.

«داعش» في تونس

وعلى الرغم من إغلاق عدد من الشوارع الرئيسية في العاصمة تونس منذ أشهر أمام السيارات والدراجات النارية فقد نجح إرهابي يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) في أن ينغص احتفالات تونس بمهرجان السينما الدولي من خلال تفجير نفسه داخل حافلة لنقل 30 من قوات حرس رئاسة الجمهورية.. على بعد عشرات الأمتار من المقر المركزي لوزارة الداخلية. فكانت الحصيلة 12 «شهيدًا» من بين الأمنيين وعشرات الجرحى.
وتبين مرة أخرى أن المتفجرات ليبية كانت تستخدم في المؤسسات العسكرية الحربية لجيش القذافي. ردت السلطات التونسية الفعل بإعلان حالة الطوارئ وحظر الجولان وبإغلاق الحدود مع ليبيا لمدة أسبوعين وبإجراءات وقائية جديدة.
لكن كل الإجراءات الوقتية والحلول الأمنية في تونس سوف تبقى محدودة التأثير إذا لم تنجح جهود القضاء على الأسباب العميقة للعنف والإرهاب، وبينها غياب سلطة مركزية قوية في طرابلس تعيد توحيد ليبيا وتجميع ملايين قطع السلاح وأكياس المتفجرات وتقضي على كل الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون.



تعزيزات أمنية في عدن... وتحركات خدمية لتثبيت الاستقرار

منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
TT

تعزيزات أمنية في عدن... وتحركات خدمية لتثبيت الاستقرار

منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، خلال الأيام الماضية، تحركات متزامنة على المستويين الأمني والخدمي، تمثَّلت في تكثيف اللقاءات التي يجريها مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية، اللواء ركن فلاح الشهراني، مع القيادات المجتمعية ورجال الأعمال في عدد من المحافظات المُحرَّرة، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط المجمع الرئاسي عقب أحداث الشغب الأخيرة التي شهدتها المدينة.

وجاءت هذه التحركات في إطار مساعٍ تستهدف تثبيت الاستقرار ومنع تكرار الاضطرابات، إلى جانب الدفع بجهود تحسين الخدمات وإشراك الفاعلين المحليين في دعم مشروعات التنمية، خصوصاً في محافظات عدن وأبين ولحج التي تشهد حراكاً سياسياً وأمنياً متسارعاً.

في هذا السياق، عزَّزت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدي إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية، بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

قوات «درع الوطن» تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وامتد الانتشار الأمني من جولة العاقل، في أطراف مديرية خور مكسر وصولاً إلى مديرية صيرة، حيث فرضت القوات طوقاً أمنياً واسعاً مدعوماً بمركبات مدرعة وعربات عسكرية، مع استحداث نقاط تفتيش إضافية؛ بهدف منع أي محاولات لإثارة الفوضى أو زعزعة الاستقرار.

وجاءت هذه الإجراءات عقب أحداث شهدتها المدينة قبل أيام، عندما حاول مؤيدون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل اقتحام أحد مداخل المجمع الرئاسي، قبل أن تتصدَّى لهم القوات المكلفة بالحراسة، وتتمكَّن من احتواء الموقف.

تعزيز حماية عدن

ضمن هذه الجهود، عزَّزت وحدات من قوات «درع الوطن» وألوية «العمالقة» انتشارها في مداخل مدينة عدن إلى جانب قوات «الأمن الوطني»، في خطوة تهدف إلى تأمين المدينة ومنع تسلل أي عناصر قد تسعى لإعادة التوترات الأمنية، خصوصاً مع عودة النشاط الحكومي وانتظام عمل المؤسسات الرسمية.

وفي هذا السياق، جدَّد محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، تأكيده أن قرار إخراج المعسكرات من داخل المدينة لا رجعة عنه، مشيراً إلى أن التنفيذ سيتم بصورة تدريجية لتجنب حدوث أي فراغ أمني. كما منح مديري المديريات ومسؤولي الخدمات مهلة 3 أشهر لتقييم الأداء، مع التلويح بتغيير غير الأكفاء منهم.

وأوضح المحافظ، خلال اجتماع مع الإعلاميين، أن التوقعات عقب تحرير عدن من الحوثيين كانت تشير إلى تحسُّن الأوضاع الخدمية والأمنية والاقتصادية، إلا أن الواقع سار بعكس ذلك خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن السلطة المحلية تعمل حالياً على معالجة الاختلالات القائمة.

وأشار إلى استعداد السلطات لتشغيل الكهرباء على مدار الساعة، غير أن الاعتبارات الفنية المرتبطة بالطقس دفعت إلى منح بعض التوربينات فترة صيانة قبل حلول فصل الصيف، معلناً خطة لإضافة 100 ميغاواط خلال 4 أشهر بالتعاون مع «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

هيكلة الوحدات الأمنية

بالتوازي مع التعزيزات الميدانية، صدرت قرارات جديدة ضمن مسار إعادة هيكلة الوحدات العسكرية والأمنية في المحافظات المُحرَّرة، حيث أصدر عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي قراراً بتكليف العميد عبد الله الميسري قائداً لـ«اللواء الثاني دعم وإسناد»، والعقيد أحمد الفداء رئيساً لأركان اللواء، إضافة إلى تكليف المقدم فواز جمال برئاسة أركان العمليات.

ويتمركز اللواء في محافظة أبين (شرق عدن)، ويأتي القرار بعد يوم واحد من تعيين قيادة جديدة لقوات الأمن الوطني في المحافظة، في إطار خطوات تهدف إلى تطبيع الأوضاع الأمنية ودمج التشكيلات المختلفة ضمن بنية مؤسسية موحدة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي (إكس)

وتشير مصادر محلية إلى أن هذه القرارات تأتي استجابة للحاجة إلى تعزيز الانضباط ورفع كفاءة الأداء الميداني، خصوصاً في المناطق التي شهدت خلال الفترة الماضية توترات أمنية متقطعة، ما استدعى إعادة تنظيم القيادات بما يضمن سرعة الاستجابة والتنسيق بين الوحدات المختلفة.

ويرى مراقبون أن عملية إعادة الهيكلة تمثل جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس مهنية، بما يسهم في تعزيز سلطة الدولة وتقليص مظاهر التعدد في التشكيلات المسلحة داخل المناطق المُحرَّرة.

لقاءات «التحالف»

ترافقت التطورات الأمنية مع نشاط مكثف للواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية، الذي واصل لقاءاته مع قيادات اجتماعية ووجهاء ورجال أعمال في محافظات عدة؛ بهدف مناقشة احتياجات المناطق المُحرَّرة ودعم جهود تحسين الخدمات.

وفي محافظة لحج (شمال عدن) عقد الشهراني لقاءً مع مشايخ وأعيان مديريات ردفان، خُصِّص لمناقشة أبرز التحديات الخدمية والتنموية، وفي مقدمتها احتياجات البنية التحتية والخدمات الأساسية، إضافة إلى بحث آليات تعزيز التعاون بين القيادات المجتمعية والجهات المعنية لتحقيق التنمية المحلية.

وخلال اللقاء جرى استعراض الأوضاع العامة في المنطقة والتحديات التي تواجه المواطنين، حيث شدَّد الشهراني على حرص قيادة التحالف على الاستماع المباشر لمطالب السكان ونقلها إلى الجهات المختصة، مؤكداً أهمية الشراكة مع القيادات الاجتماعية في دعم الاستقرار وتعزيز التنمية.

الشهراني يلتقي وجهاء منطقة ردفان ويناقش الاحتياجات التنموية (إعلام حكومي)

من جانبهم، عبّر مشايخ وأعيان ردفان عن تقديرهم لهذه اللقاءات، مؤكدين أنها تسهم في إيصال صوت المواطنين وتدعم التنسيق لمعالجة القضايا الخدمية وتخفيف معاناة الأهالي، بما يعزِّز الاستقرار في المنطقة.

وسبقت ذلك لقاءات مماثلة عقدها الشهراني في محافظة أبين مع مسؤولي المحافظة ورجال أعمال ورئيس الغرفة التجارية، حيث اطّلع على مبادرات استثمارية تضمَّنت وضع حجر الأساس لمدينة اقتصادية جديدة في منطقة العلم على مساحة تتجاوز 23 ألف فدان، بوصفه مشروع استثمارياً كبيراً تقوده شركة «سرمد».

كما شهدت المحافظة مبادرات اجتماعية واقتصادية، من بينها تبرع شركة «مدينة أحلام الشرق» بأرض مساحتها 50 فداناً مخصصة لأسر الشهداء، إلى جانب بدء شركات استثمارية أعمال إزالة الكثبان الرملية والعوائق على الطريق الدولي الرابط بين منطقة العلم ومدينة زنجبار.

مبنى السلطة المحلية في محافظة أبين شرق عدن (إكس)

وأُعلن كذلك عن منح خصم بنسبة 30 في المائة للمعلمين في المحافظة عند شراء الوحدات السكنية ضمن مشروعات «مدينة أحلام الشرق» و«مدينة سماء الخليج العربي»، في خطوة تهدف إلى دعم الفئات التعليمية وتحسين ظروفها المعيشية، بالتوازي مع تحفيز النشاط الاستثماري والتنمية العمرانية.

وتعكس هذه التحركات المتزامنة، الأمنية والخدمية، توجهاً نحو تثبيت الاستقرار في المحافظات اليمنية المُحرَّرة عبر الجمع بين ضبط الوضع الأمني وتوسيع الشراكة المجتمعية وتحفيز المشروعات الاقتصادية، في محاولة لمعالجة التحديات المتراكمة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.


كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
TT

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية، قادمة من مناطق سيطرة الحوثيين.

وأكد العقيد الركن أسامة الأسد، قائد «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» الحدودي، أن عملية الضبط تمت أثناء إجراءات التفتيش الروتينية في المنفذ؛ حيث اشتبه أفراد الأمن بإحدى المركبات القادمة، وبعد إخضاعها لتفتيش دقيق، عُثر على الكمية مخبأة بطريقة احترافية بهدف التمويه وتجاوز النقاط الأمنية.

العقيد ركن أسامة الأسد قائد «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» (الشرق الأوسط)

وأوضح الأسد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الكتيبة قاموا بتحريز الكمية المضبوطة وفقاً للإجراءات القانونية المعتمدة، وإحالة المتورطين إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

ولفت العقيد ركن إلى أن التنسيق والتعاون مع الجانب السعودي مستمر وبوتيرة قوية وفي أعلى درجاته، معرباً عن شكره وتقديره للمملكة العربية السعودية على دعمها المتواصل لليمن عموماً، وللكتيبة على وجه الخصوص، بما يُسهم في تعزيز أمن الحدود بين البلدين.

وكان العقيد أسامة، قد كشف في حوار حديث مع «الشرق الأوسط» أن غالبية شبكات تهريب المخدرات القادمة من اليمن باتجاه الأراضي السعودية ترتبط بشكل مباشر بجهاز الأمن الوقائي التابع لجماعة الحوثي الإرهابية. وأوضح حينها أن الكتيبة تمكنت من إلقاء القبض على قيادي حوثي في أثناء محاولته دخول المملكة العربية السعودية بجواز وتأشيرة عمرة مزورين، مرجحاً أن تكون دوافع دخوله ذات طابع أمني، وليس لأداء الشعائر كما يدّعي.

كميات من حبوب الكبتاجون التي تم ضبطها آتية من مناطق سيطرة الحوثيين (كتيبة منفذ الوديعة)

وفي حديثه عن العملية الأخيرة، أشار العقيد ركن أسامة الأسد أن التحقيقات الأولية تُفيد بأن معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي، مبيناً أن الميليشيات الحوثية تعتمد على الاتجار بالمخدرات بوصفه أحد مصادر التمويل لأنشطتها، بما يُشكل تهديداً للأمن القومي اليمني ودول الجوار واستقرار المنطقة، مشدداً على استمرار يقظة الكتيبة وجهودها في مكافحة تهريب المخدرات، وتعزيز الإجراءات الأمنية بما يُسهم في حماية المجتمع وصون أمن المنافذ البرية.

ووفقاً للعقيد أسامة الأسد، فإن مهمة «كتيبة حماية منفذ الوديعة» الحدودي مع المملكة العربية السعودية تتركز في تأمين وحماية المنفذ، ومكافحة مختلف أشكال التهريب، سواء أكانت الممنوعات أم تهريب البشر أم المزورين ومجهولي الهوية، مشيراً إلى أن الكتيبة تضبط يومياً نحو 10 أشخاص بحوزتهم تأشيرات عمرة مزورة.

ولفت إلى أن نطاق تأمين الكتيبة يشمل «المنفذ ومحيطه لمسافة 30 كيلومتراً غرباً حتى حدود الريان التابعة لمحافظة الجوف، و50 كيلومتراً باتجاه (اللواء 11 حرس الحدود)، و40 كيلومتراً باتجاه منطقة العبر».

وأضاف العقيد الأسد أن من بين مهام الكتيبة أيضاً ضبط المطلوبين أمنياً من عناصر تنظيم «القاعدة»، إضافةً إلى الأشخاص الفارين من تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحقهم.


اصطدام الحوثيين مع القبائل يتوسع من المحويت إلى البيضاء

ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
TT

اصطدام الحوثيين مع القبائل يتوسع من المحويت إلى البيضاء

ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)

في ظل غليان شعبي متصاعد في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة اتساع رقعة الفقر وزحف المجاعة، تمددت المواجهات بين الجماعة التي تسيطر على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والقبائل من محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) إلى محافظة المحويت (شمال غرب)، حيث سقط عدد من القتلى، بينهم قائد الأمن المركزي الحوثي في المحافظة.

وذكرت مصادر قبلية أن داخلية الحوثيين، التي يقودها علي حسين الحوثي نجل مؤسس الجماعة منذ اختفاء عمه عبد الكريم عقب الغارة الإسرائيلية التي استهدفت اجتماعاً سرياً للحكومة غير المعترف بها، أرسلت تعزيزات عسكرية وُصفت بـ«الضخمة» إلى منطقة بني الجلبي بمديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت غرب صنعاء، وفرضت حصاراً محكماً على المنطقة على خلفية نزاع بين القبائل وأحد المقاولين المكلّف بحفر بئر مياه.

وبحسب المصادر، جاءت الحملة العسكرية عقب مقتل قائد الأمن المركزي التابع لداخلية الحوثيين في المحويت، مجلي فخر الدين، وإصابة اثنين من مرافقيه خلال اشتباكات مع مسلحين قبليين بعد رفضهم تسليم معدات حفر بئر ارتوازية للمقاول الذي تسلّم مستحقاته ولم يُكمل عمله في المنطقة. كما قُتل خلال المواجهة أحد أفراد العشيرة ويدعى ياسر الحمري، إضافة إلى عدد من الجرحى.

الحوثيون لجأوا لاستخدام القوة المفرطة لإخضاع المناطق القبلية (إعلام محلي)

وأظهرت رسالة وُجهت باسم القبيلة إلى مكتب عبد الملك الحوثي، واطلعت «الشرق الأوسط» عليها، شكوى السكان من تعسفات واعتداءات متكررة تنفذها قوات الأمن، كان آخرها القتل والحصار المطبق والاختطافات والسجن خلال اليوم الأول من رمضان، عبر حملة عسكرية قوامها 200 آلية بين عربات دفع رباعي ومدرعات.

حصار مطبق

في حين أكدت الرسالة أن الجانب الأمني مستمر في حصار البيوت والممتلكات والسكان، بمن فيهم كبار السن والأطفال والنساء، بيّنت أن العشيرة، بعد أن تقطعت بها السبل ومُنعت من قبل السلطة المحلية من استكمال حفر بئر ارتوازية للشرب وسقي مواشيهم ومزارعهم، رغم أنهم كانوا على وشك إكمال المشروع، لجأت إلى إصلاح بئر سابقة كانت محفورة منذ خمس عشرة سنة، إلا أن المقاول الذي تسلّم المبلغ لم يفِ بالتزاماته وحاول سحب المعدات، فقاموا بمنعه وحجزها مطالبين إياه بإكمال عمله أو إعادة المبالغ المالية التي تسلمها، لكنه رفض واستعان بالقيادة الأمنية للحوثيين التي قامت بحبس وجهاء العشيرة ومطاردة الآخرين والضغط عليهم لتسليم المعدات أو سجنهم.

رقعة الغضب الشعبي ضد الحوثيين اتسعت جراء الفقر وقطع الرواتب (إعلام محلي)

وأكد السكان في شكواهم أن نجل مؤسس الجماعة تحول إلى خصم، وطلبوا من زعيمها عبد الملك الحوثي - وهو عمه أيضاً - التدخل ووضع حد لمثل هذه الأعمال قبل أن تتوسع رقعة المواجهة.

وأشاروا إلى أن قادة الحملة الأمنية يهددون بتفجير المنازل، وقالوا إنهم إذا لم يجدوا إنصافاً أو تجاوباً فسوف يستدعون القبائل للتدخل ومساندتهم.

حملة اعتقالات

في محافظة البيضاء، التي تشهد مواجهات متقطعة بين القبائل والجماعة الحوثية، عبرت الحكومة اليمنية عن بالغ القلق من الحملة المسلحة التي ينفذها الحوثيون في قرية المنقطع بمديرية الشرية على خلفية حادثة قتل عرضي، وقالت إنها تحولت إلى عملية انتقام جماعي استهدفت المدنيين وممتلكاتهم، في سلوك يكشف مجدداً عن طبيعة هذه «الميليشيا الإجرامية» التي تتخذ من القوة وسيلة لمحاولة إخضاع اليمنيين.

ورأى وزير الإعلام معمر الإرياني أن قيام الحوثيين باعتقال ما لا يقل عن 30 مدنياً، وفرض حصار مستمر على القرية منذ نحو أسبوعين، ومداهمة المنازل، والاستعانة بما يسمى بـ«الزينبيات» لاقتحام البيوت وترويع الأسر، يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وتصعيداً خطيراً يهدف إلى إخضاع المجتمع بالقوة، وتحويل حادثة عرضية إلى ذريعة لتصفية الحسابات وبسط النفوذ وترسيخ سياسة العقاب الجماعي.

وحمّل المسؤول اليمني الجماعة الحوثية المسؤولية الكاملة عن سلامة المدنيين في المديرية، وعن كافة الانتهاكات التي طالت الأهالي وممتلكاتهم، مطالباً المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بالتحرك العاجل لإدانة هذه الممارسات، والضغط من أجل الإفراج الفوري عن جميع المختطفين، ورفع الحصار عن القرية، ووقف الاعتداءات على الممتلكات.

وجدد الإرياني دعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى رصد هذه الانتهاكات وتوثيقها، وممارسة ضغط جاد لوقف سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الحوثيون بحق المدنيين في مناطق سيطرتهم، معتبراً أنها تعكس استخفافاً متكرراً بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتؤكد أن استمرار هذا الانقلاب المسلح هو السبب الجوهري في إطالة أمد الأزمة وتفاقم معاناة اليمنيين.