أزهريون لـ {الشرق الأوسط}: التحالف العسكري الإسلامي يبعث روح «لمّ شمل» الأمة

قالوا إنه يأتي من باب «ولاية المؤمنين بعضهم على بعض»

أزهريون لـ {الشرق الأوسط}: التحالف العسكري الإسلامي يبعث روح «لمّ شمل» الأمة
TT

أزهريون لـ {الشرق الأوسط}: التحالف العسكري الإسلامي يبعث روح «لمّ شمل» الأمة

أزهريون لـ {الشرق الأوسط}: التحالف العسكري الإسلامي يبعث روح «لمّ شمل» الأمة

قدم علماء فقه وحديث وتفسير بجامعة الأزهر في مصر، دليلا إسلاميا لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي فكريا، وحدد العلماء خطوطا عريضة لهذا الدليل يتضمن، تدخل الحكومات العربية والإسلامية بشكل مباشر لإفساح المجال للراسخين في العلم بوسائل الإعلام المحلية والدولية للرد على ضلال «الدواعش»، وعدم إذاعة أي أفكار منحرفة أو فتاوى هزلية، مؤكدين أن التحالف الإسلامي العسكري يبعث روح «لَمْ شمل» الأمة.. وجاء من باب ولاية المؤمنين على بعضهم البعض، وهو أمر مقرر في الشريعة الإسلامية.
كما تضمن دليل العلماء سن القوانين لتتبع صفحات «فيسبوك» و«توتير» التي تقوم بالتحريض على الدول والأشخاص، والتنوير بالأحكام الشرعية خاصة ما يتعلق بـ«الجهاد».
وأطلقت السعودية تحالفا إسلاميا عسكريا يضم 35 دولة عربية وإسلامية لمحاربة الإرهاب.. وأحد أهم بنود التحالف التصدي للتنظيمات الإرهابية فكريا. وأكد العلماء أن «التحالف الإسلامي دعوة للوقوف صفا واحدا لمناهضة الإرهاب الفاشي، ويدخل ضمن القواعد التي أقرها الإسلام بشأن تنظيم تعاملات المسلمين بعضهم البعض».
من جانبه، قال الدكتور عبد الحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إن مواجهة الفكر الداعشي لا بد أن تعتمد على مواجهة الفكر الداعشي نفسه، الذي ينظر للآخرين على أنهم كفار، ومن ثم استباحوا دماءهم سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، والنتيجة الحتمية لهذا التكفير هي ما نشهده اليوم من قتل للأبرياء، وبعد أن نصب هؤلاء التكفيريون أنفسهم حكماء وأوصياء على الدين لتنفيذ حدوده وإقامة حقوقه، وبالتالي يجب على علماء المسلمين والمؤسسات الدولية التي تحظى باحترام العالم وتتسم بالوسطية مقاومة هذا الفكر وبيان عواره وفساده وضلاله.
وأشار الدكتور منصور إلى أن هذه المواجهة تحتم على وسائل الإعلام أن تفسح المجال للراسخين في العلم للرد على ضلال «الدواعش المبين»؛ بل ويجب على الحكومات العربية والإسلامية التدخل المباشر لإفساح المجال لأهل العلم للرد على فكر «داعش» المنحرف محليا وإقليميا وعالميا.
وأضاف أنه في ذات الإطار يجب توفير برامج باللغات الأجنبية تخاطب العالم الغربي بمختلف انتماءاته لبيان وجه الإسلام السمح، وأن ما يظهر من بعض الممارسات من ذوي الفكر المنحرف ليس هو صحيح الدين وإنما الدين كله سلام وسماحة وتعايش مع الآخر، وكذا يجب على الحكومات والمؤسسات الدينية العالمية أن تنتدب بعضا من فقهائها الراسخين في العلم ليجوبوا العالم، لتوضيح رسالة الإسلام، فضلا عن تحديد الخطاب الذي يوجه للآخر وتحديد الرسائل التي نرغب في إيصالها إليه، ولا بد من تنقية كثير مما يظهر في وسائل الإعلام بحيث لا يتحدث في الدين؛ إلا من هو أهل له، حتى لا ينزلق الكثيرون متأثرين بهذا أو ذاك.
وتابع منصور بقوله: «داعش» يحمل وجها قبيحا وفكرا منكرا وسلوكا لا يمت للإسلام ولا للإنسانية بصلة.. يروج لفكرة استعادة الدولة الإسلامية لاستمالة الحمقى وضعاف النفوس والجهال من بني جلدتنا أو من غيرنا، ممن تم مسح أدمغتهم وعقولهم وإيقاعهم تحت السيطرة والتأثير المباشر لهذا الفكر الوحشي الذي هو بعيد كل البعد عن الآدمية أو الإنسانية، مضيفا: في سبيل استمالة الآخرين يرخص الدواعش لأنفسهم وأتباعم انتهاك حرمات الآخرين عن طريق سبيهم واسترقاقهم وجعل نساء الآخرين ملكا ليمينهم، وترويع الغير بشكل لا يمت للإسلام بصلة سواء بالقتل أو بغيره، عن طريق إظهار وحشيتهم من خلال الصور أو الفيديوهات التي يبثونها للعالم، وهم يرتكبون جرائمهم.
وقال الدكتور أحمد برج، رئيس قسم الفقه العام بكلية الشريعة والقانون فرع دمنهور جامعة الأزهر، إن تحالف السعودية يدخل ضمن القواعد التي أقرها الإسلام بشأن تنظيم تعاملات المسلمين بعضهم لبعض، والتي قال الله فيها «وتعاونوا على البر والتقوى»، موضحا أن علاقة المسلمين قائمة على التواصل والتآخي والتراحم ودفع الضر والأذى، لقوله تعالى «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان».. وكل الأزمات والمشكلات العالقة لن تحل إلا بالتوحد والاجتماع على قلب رجل واحد.
ولفت رئيس قسم الفقه إلى أن التحالف الإسلامي العسكري جاء من باب ولاية المؤمنين على بعضهم البعض، وقال تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، وبذلك فإن التحالف هو أمر مقرر في الشريعة الإسلامية، ومدعو إليه في كل لحظة من اللحظات.. وهذه الدعوى يغلب عليها أنها من باب الواجب وليس من باب المندوب.
وتابع بقوله: إذا أردنا أن نتخلص من هذا السلوك (أي الإرهاب) فلا بد أن نبحث عن الفكرة الأساسية التي تسببت في ظهور هذا السلوك السيئ الذي يؤرق الشعوب، موضحا أن الناظر في سلوكيات هؤلاء المنتمين للجماعات الإرهابية المتطرفة يجد أن أسباب انتشارهم هو الجهل بالأحكام الشرعية، وعدم وقوفهم على مقاصد الشريعة وفقه الواقع، وأن الفكرة قائمة على الاجتهاد.. وهذا يستوجب على أهل العلم أن يهتموا بالأحكام الشرعية التي تؤدي إلى انضباط الفكر، مشيرا إلى أن الإرهابيين قائمون على الفكرة الدينية في المقام الأول، والفكرة غالبا ما تكون مكونة من الفهم الخاطئ لمقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا ما يقتضي تنوير الناس بالأحكام الشرعية خاصة ما يتعلق بقضية «الجهاد» والنظرة إلى الحاكم.. وهما أسباب اللجوء إلى التطرف والإرهاب، وكل هذه الأمور، أبرز أسباب الانضمام إلى هذه الجماعات، كما أن هناك قضايا أخرى تسببت في ذلك، ومنها فساد أخلاق الأمة التي يتغاضى عنها المسؤولون، وهي أحد أسباب ظهور هذه الجماعات التي تنادي بإصلاح أخلاقيات الأمة، وهذا أيضا يستوجب على الدولة حماية الأمة من فساد الأخلاق عن طريق علمائها ومفكريها الوسطيين.
وأضاف الدكتور برج أن انتشار الظلم في المجتمعات وغياب العدالة الاجتماعية والتمييز العرقي يتسبب في انضمام الشباب للتنظيمات المتطرفة، لذلك لا بد من إزالة هذه الأسباب والقضاء على البطالة والفقر، والعمل على إتاحة الفرصة للشباب وتوفير عمل شريف مناسب لقطع الطريق على الشباب للانضمام لهذه الجماعات، بسبب وجود ما يطمحون إليه دون النظر إلى حلالها أو حرمتها، كما أن من بين الأسباب، عدم وجود إعلام نقي يقوم بالدور الذي ينبغي القيام به، وعدم اهتمامه بما ينفع الناس وتوعيتهم بما يبني المجتمعات ويحفظ الشباب من هؤلاء.
في ذات السياق، أوضح الدكتور محمد خضر أبو زيد المدرس المساعد في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالشرقية‏ جامعة الأزهر، أن مواجهة فكر «داعش» الإرهابي المتطرف يكون بالفكر الإسلامي من أجل القضاء عليه والعيش في أمن وأمان ورغد وسلام، عن طريق العمل على تطبيق شرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيام العلماء الربانيين أصحاب التقى والعفاف والغنى بنشر تعاليم الدين الإسلامي الوسطي المعتدل، وذلك من خلال قنوات إعلامية تبث داخل كل منزل، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» من أجل التوعية الصحيحة السليمة لأبنائنا وبناتنا، ومطالبة الإعلام المرئي والمسموع بعدم إذاعة أي أفكار ضالة منحرفة، أو فتاوى هزلية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولن تفيد المجتمع الإسلامي بشيء، غير إثارة البلبلة والفوضى.
وتابع أبو زيد: إلى جانب الرد على الشبهات والأكاذيب والافتراءات من هذا الفكر الضال المتطرف من قبل متخصصين في كل المجالات، والعمل على مراجعة المناهج الدراسية المقررة على الطلاب في مراحل التعليم المختلفة وتوضيحها وبيان المراد منها بما يتناسب مع الواقع المعاصر، حتى لا يقع الطلاب فريسة سهلة للمتطرفين والمتشددين وأصحاب الغلو، من خلال عناصر يفندونها حسب أفكارهم ويبثون بها في عقول الطلاب، وكذا العمل على عمل دورات تثقيفية من خلال مراكز الشباب الرياضية في جميع البلدان، حتى يشغل الشباب فكره بالمعلومات والأبحاث بعيدا عن وقوعه صيدا سهلا للأفكار الهدامة، فضلا عن الضرب بيد من حديد على من ينتهج الفكر الإرهابي المتطرف، وسن قوانين من التشريعات الإسلامية الحديثة، تعاقب مرتكبي هذه الأمور، وتتبع صفحات مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«توتير»، والتي تقوم بالتحريض على الدول والرؤساء والأشخاص.
وطالب أبو زيد كل المجتمعات بإعمال العقل وعدم تعطيل العقل والفكر وتسليمه لأشخاص لا يعرفون شيئا عن دين الله ولا عن سنة رسول الله. وقال أبو زيد إن التحالف الإسلامي العسكري يبعث على روح لم شمل الأمة الإسلامية ونبذ روح الفرقة والاختلاف لقول الله تعالى «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا»، لافتا إلى أن تحالف السعودية الآن ضرورة لمحاربة الإرهاب لما يترتب على التطرف من اعتداء على الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة، وقد نهى الله تعالى عن قتل النفس أيا كانت ديانتها بغير حق لقول الله تعالى «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا».
من جهته، أوضح الدكتور علي محمد الأزهــري عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أن الإرهاب أصبح شموليا في المجتمعات التي نعيش فيها، وأضحى واجبا على الدول أن تتكاتف من أجل ردع هذه الفئة التي تُفسد في الأرض، ولما كان الإرهاب يعمل على ترويع الآمنين ونشر الخوف وسلب الأمن من مجتمع غايته السلام، باتت محاربة الإرهاب مطلبا شرعيا؛ بل مُقدما على الطعام والشراب، لافتا إلى أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأهل الإرهاب لا يعتقدون في وطن ولا في معتقد سوى الهوى، والإسلام جاء ليقطع على كل معتد أثيم باب التخريب والتدمير واستحلال الدماء.
وقال الأزهري إن «التحالف الإسلامي دعوة للوقوف صفا واحدا لمناهضة الإرهاب الفاشي في أقاصي العالم العربي والإسلامي حفاظا على الهوية، وانطلاقا من رباط الأخوة المتماسك قدما بين جبال ووديان حضارتنا الإسلامية».
وتابع بقوله: لقد عالج الإسلام إرهاب «داعش» من خلال العقوبات التي تستحقها هذه الطائفة الخارجة على المجتمع المستحلة للدماء.. وهذه العقوبات تعمل على اجتثاث الإرهاب الأسود من جذوره، حتى تكون هذه الطائفة عبرة وعظة لمن تسول له نفسه أن يحذو حذو هؤلاء الخوارج، لافتا إلى أن هذه العقوبات تشمل كل من أفسد في الأرض، فروع آمنا ودمر منشأة وقتل بغير حق.. ولقد شرع ربنا – سبحانه وتعالى - حد الحرابة كما في الآية السابقة في سورة المائدة، فكانت جزاء لمن أراد في الأرض الفساد.
من جانبه، قال الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر بطنطا، لا بد من وضع خطة تعمل في إطار مؤسسي متكامل تشرف عليها الدول بكل مؤسساتها العلمية والدينية والإعلامية والثقافية والاجتماعية والدبلوماسية لمحاربة الإرهاب، وليس دينيا وأمنيا فقط، ولا بد من توافر حسن النية وصدق التوجه عند الجميع فهما أساس نجاح أي عمل، فضلا عن التخطيط المنظم بعيدا عن الارتجال والعشوائية اللذين هما قرينا الفشل والإخفاق.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.