إعلان بلفور الحلقة 2-3: بلفور ولويد جورج ووايزمن... «الثلاثي» الأسخى خدمة للقضية الصهيونية

اهتمامات وجهود حثيثة مشتركة على الرغم من الخلفيات المغايرة

حاييم وايزمن  ...هاري ساخر  ...ناحوم سوكولوف  ...ديفيد لويد جورج
حاييم وايزمن ...هاري ساخر ...ناحوم سوكولوف ...ديفيد لويد جورج
TT

إعلان بلفور الحلقة 2-3: بلفور ولويد جورج ووايزمن... «الثلاثي» الأسخى خدمة للقضية الصهيونية

حاييم وايزمن  ...هاري ساخر  ...ناحوم سوكولوف  ...ديفيد لويد جورج
حاييم وايزمن ...هاري ساخر ...ناحوم سوكولوف ...ديفيد لويد جورج

في الحلقة الثانية من هذه السلسلة الثلاثية التي تسلط الضوء على «إعلان بلفور» بعد مرور 100 سنة على إصداره، نستعرض في سياقنا السردي المراحل التي مرت قبيل فترة فكرة إعداد الإعلان لتكون الصورة أكثر وضوحًا. إذ كان أول اتصال رسمي قامت به الحركة الصهيونية الحديثة لأجل اقتراح وطن قومي لليهود، قد بدأ بزيارة زعيمها ثيودور هرتزل Herzl للندن صيف عام 1902 وحضوره للإدلاء بشهادته أمام اللجنة الملكية لتحديد أعداد المهاجرين اليهود، وقد تم ذلك في السابع من يوليو (تموز). عرضت من خلاله بعض الأقطار ومنها أوغندا والأرجنتين لتخفيف الضغوط على تزاحم النزوح إلى بريطانيا، وقد تبنى صرف التكاليف المالية للمشروع الثري اليهودي البارون موريس دي هيرش، بالإضافة إلى أفكار واختيارات أخرى كان مصير جميعها الفشل. ولكن النشاط الصهيوني لاحقًا، خصوصا في فرع مانشستر، كان الأكثر حراكًا وتتبعًا للمشهد السياسي البريطاني، وذلك لتغلغل أعضائه في الأحزاب السياسية، لا سيما حزب الأحرار، شكّل ثلاث حكومات ائتلافية متعاقبة بين أواخر 1905 وأواخر 1922. وواكب ذلك صعود نجم جريدة الـ«مانشستر غارديان»، المحسوبة على الحزب، وكانت تتبنى المشاريع الصهيونية وأفكارها المسنودة من مالكها ورئيس تحريرها سي بي سكوت. ومن ناحية أخرى، الاستفادة من انتخابات عام 1906، لتوطيد معرفة مسبقة بكبار الساسة المرشحين من حزب المحافظين أيضًا، مثل بلفور وونستون تشرتشل، لاعتزامهما خوضها من خلال دوائر في مانشستر. وأدت هذه الخطة إلى تعرف بلفور بوايزمن يوم 27 يناير (كانون الثاني) 1906 في فندق «كوينز هوتيل»، مقر حملة بلفور الانتخابية. وهذا، مع التذكير بأن وايزمن كان استقر بمانشستر قبل أقل من سنتين. وكان هذا اللقاء نواة علاقة قوية وطويلة بين الرجلين.
لم يكن جيمس آرثر بلفور غريبًا على ما كان يطلق عليه اسم «المسألة اليهودية» منذ كان رئيسًا للوزراء بين عامي 1902 - 1905، وكما سبقت الإشارة، عرض وزير المستعمرات في وزارته، جوزيف تشمبرلن على هرتزل العريش وأوغندا. في أثناء رئاسته أيضًا بلغت أزمة هجرة اليهود بريطانيا مداها مما أدى إلى سن «قانون الأجانب» عام 1905 وموقفه منه. ولكن شهوة الحكم وحاجته إلى أصوات اليهود ومساندتهم لم تخفف من غلوه فحسب، بل غيّرت من اتجاه أفكاره كليًا، ورسخ ما دار من حديث بذاكرة لا تنسى حسبما أفاض به شخصيًا أو ما سجلته كتب سيرته، بأن محور الحديث كان في موضوع واحد هو «مستقبل اليهود وتعلّقهم بفلسطين أرض ميعادهم»، فحين سأله بلفور: «لماذا رفضتهم أوغندا؟»، كان رد وايزمن: «هل ترضى بريطانيا أن تكون عاصمتها باريس عوضًا عن لندن؟»، فأجاب بلفور: «كيف يكون ذلك وعندنا لندن؟»، فرد وايزمن: «ونحن كذلك عندنا أورشليم يوم كانت لندن مستنقعًا». وعندها أبدى بلفور استغرابه متسائلاً: «.. وهل هناك كثيرون من اليهود من يحملوا نفس الفكرة؟ فأنا أستغرب لأن اليهود الذين أعرفهم لا يحملون هذا الشعور»، فأجابه وايزمن: «إنك تعرف اليهود الخطأ يا مستر بلفور».
بعد تلك المقابلة الأولى، غاب بلفور عن المشهد السياسي لخسارته في انتخابات عام 1906. ولم تجمع الرجلين الظروف إلا بعد 10 سنوات عندما التقيا في منزل بلفور بلندن في 12 ديسمبر (كانون الأول) 1914، قبل أن يصبح بلفور وزيرًا للبحرية، ثم وزيرًا للخارجية، في حكومة لويد جورج الائتلافية (ديسمبر 1916) إبان أشدّ أيام الحرب العالمية الأولى.
ويذكر وايزمن أن بلفور كان يتذكر كامل تفاصيل حديث لقاء يناير 1906، وحين انتقل الحديث عن فلسطين والذي أخذ معظم الوقت اختتم بلفور حديثه بأن أمنية وايزمن ستتحقق بعد انتهاء الحرب بقوله: «حينما تصمت المدافع ستحصل على أورشليمك يا دكتور وايزمن». ثم أضاف: «إنك تعمل لغاية نبيلة وعليك بزيارتي مرة بعد مرة دائمًا»، واستمر الاتصال الدائم بينهما - كما سنرى - إلى آخر حياة بلفور السياسية حين دُعي لافتتاح الجامعة العبرية في القدس أبريل (نيسان) 1925. وكان وايزمن آخر من زار بلفور من الأصدقاء قبيل موته بيومين في 19 مارس (آذار) 1930.

تعاطف لويد جورج وبلفور

يلعب اسم بلفور (1848 - 1930) دورًا محوريًا كبيرًا في تاريخ الصهيونية بإعلان حمل اسمه منذ يوم 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 وإلى يومنا هذا، أي بعد قرن من الزمن. ولكن غيّب ذكر ديفيد لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني 1915 - 1922، الذي كان له دور أكبر ولكن من وراء الكواليس. لقد كان لويد جورج المؤيد الأول والمدافع الأكبر والمخطط الأخطر للطموحات الصهيونية، ويظهر كل ذلك حديثه إلى صديق يهودي، واصفًا نوازعه الشخصية إبان اشتداد معارك الحرب العالمية الأولى في فرنسا، غير مكترث لسقوط أعداد ضخمة من قتلى الجيوش البريطانية في معارك السّوم وإيبر. إذ قال لويد جورج: «حينما يتكلم الدكتور وايزمن عن فلسطين فهو يردّد أسماء مدن ومواقع معروفة لدي وأعرفها جيدًا أكثر من أسماء مواقع الجبهة الغربية».
أصبح بلفور وزيرًا للخارجية في 10 ديسمبر 1916 لغاية 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1919 بعدما كان وزيرًا للبحرية 25 مايو (أيار) 1915 حتى تسنّم منصبه في وزارة لويد جورج الائتلافية. وهو سياسي ينتمي إلى حزب المحافظين، وسليل أسرة من كبار ملاكي الأراضي القدماء منذ القرن الحادي عشر في اسكوتلندا. ولقد ولد في 6 أكتوبر 1848 وأطلق عليه اسم آرثر تيمنًا بآرثر ويلينغتون (الدوق الحديدي قاهر نابليون 1852) الذي كان «عرّابه» (أبوه بالتعميد) GODFATHER. أما خاله فهو روبرت سيسيل (اللورد سولزبري) رئيس وزراء بريطانيا لثلاث مرات منذ عام 1885 لغاية 1902. وتخرج بلفور بامتياز من كلية ترينيتي أغنى كليات جامعة كمبريدج العريقة عام 1869 وكان قد أنهى قبلها دراسته الثانوية في كلية إيتون المرموقة. وتوفي أبوه مبكرًا وترك له ثروة كبيرة حتى إنه عندما بلغ سن 21 سنة كان أغنى شاب في بريطانيا، حيث ورث آنذاك أكثر من مليون جنيه إسترليني. ومن ثم دخل معترك العمل السياسي مبكرًا تحت رعاية خاله الذي كان وزيرًا للخارجية وأصبح سكرتيرًا خاصًا له. وبعد تولّي سولزبري رئاسة الوزراء عام 1886 عهد إليه بكرسي وزارة شؤون آيرلندا التي كانت من أشق المناصب، إذ انتابت البلاد اضطرابات عنيفة نتيجة صدور قانون الحكم المحلي الذي أدى إلى سقوط حكومة ويليام غلادستون، ألمع زعماء حزب الأحرار التاريخيين، عام 1885. وهي فترة حرجة ظن كثيرون أنها ستكون نهايته السياسية، بيد أنه استطاع اجتياز ذلك الامتحان الصعب بحزم وقوة حتى أطلق عليه الآيرلنديون لقب «بلفور الدموي» BLOODY BALFOUR. ويُعزى إلى تلك الفترة نجاح تجربته السياسية في الحكم التي أعطت ثمارها ليصبح رئيسًا للوزراء خلفًا لخاله بين عام 1902حتى 1905، ليعود بعدها إلى الساحة السياسية بعد احتجاب عشر سنوات وزيرًا في وزارة لويد جورج.

خلفية وايزمن المتواضعة

أما الطرف الأخر من المعادلة، أي وايزمن، فإن خلفيته الاجتماعية والسياسية نقيض لبلفور شكلاً وموضوعًا وكأنه قد جاء من عالم آخر. فقد ولد عام 17 نوفمبر 1874 في قرية فلاحية صغيرة قرب موتول بأراض إقطاعية شاسعة يطلق عليها PALE (في جمهورية بيلاروس، أو روسيا البيضاء، حاليًا). وهي حدود إثنية خلقت في القرن الثامن عشر إبان حكم الإمبراطورة كاثرين لإسكان اليهود وفصلهم عن السكان الروس، محاطة بإدارة حكومية شبه عسكرية يتكلم أهلها لغة اليهود اليديش ودراستهم بالعبرية، حيث كانوا يجهلون اللغة الروسية ويتفاهمون مع جيرانهم بلهجة سلافية بسيطة. معظم سكان المنطقة كانوا من الفلاحين والبقية صناع نسيج وحرفيون حالتهم المعيشية العامة فقر وبؤس. أما والد وايزمن فكان يهوديًا متشدّدًا اسمه أوزير كان يعمل قاطعًا للأخشاب ويعيل أسرة من 15 صبيًا مات منهم ثلاثة. وتزوّج أوزير وعمره 16 سنة فتاة اسمها راشيل عمرها 14 سنة، وكان كثير الغياب لمدد طويلة يجمع خلالها الأخشاب في فصل الشتاء يدفعها إلى نهر قريب، وعند حلول الربيع يربطها مسافرًا بها حتى يصل إلى ميناء دانزيغ على البلطيق لبيعها، وكان عمله السنوي محكومًا بالتقويم اليهودي والاحتفالات الدينية يحضر في غيابه لأداء طقوسه كمنشد ديني مع جماعته المتزمتين.
درس حاييم وايزمن في مدرسة دينية مكتظة بالأطفال اليهود وعمره أربع سنوات، لكنه شبّ على الاعتقاد بأنه لن يستطيع العيش بالاعتماد على التلمود، واعتنق منذ بلوغه الحادية عشرة مبادئ حركة قومية يهودية يطلق عليها «حوفيفي زيون» (محبّو صهيون). والتحق بمدرسة ثانوية روسية عام 1886 في مدينة بيسنك عندما كانت حكومة روسيا القيصرية تسمح لأعداد قليلة من اليهود المتفوقين بعد مذابح عام 1881، وبعد انتهائه من الدراسة الثانوية لم يجد بدًّا من المغادرة إلى ألمانيا للالتحاق في معهد برلين التكنولوجي (جامعة تقنية مرموقة) ويعمل في مدرسة لتعليم العبرية لتغطية مصاريفه. وبعد تخرجه انتقل إلى سويسرا حيث نال الدكتوراه من جامعة برن عام 1899 ثم عمل محاضرًا في جامعة جنيف وتعرّف على زوجته فيها. وكان وايزمن عضوًا نشطًا في محافل الحركة الصهيونية، وحضر المؤتمر الثاني للحركة عام 1897 ثم أصبح مديرًا لفرعها في جنيف. وبعد موت زعيم الحركة الصهيونية هرتزل في فيينا 4 يوليو 1904 هاجر إلى بريطانيا حيث التحق بجامعة مانشستر أستاذا للكيمياء، وصار مواطنًا بريطانيًا عام 1910. وحتى يتقبله المجتمع الجديد دون تمييز غيّر اسمه الأول من حاييم إلى تشارلز وايزمن.

اليهود في بريطانيا

ترجع إقامة اليهود في بريطانيا إلى قبل القرن الـ12 حتى طردهم منها عام 1290، ثم عودتهم مره أخرى إبان سقوط الملكية وفترة حكم أوليفر كرومويل بعدما وافق مجلس الدولة في 25 يونيو (حزيران) 1656 إثر التماس قدمه منشي بن إسرائيل، حاخام أمستردام بهولندا، عام 1651. وكان معظمهم من يهود إسبانيا الذين طردوا منها بعد سقوط حكم العرب عام 1492، لتتجه موجات منهم إلى شمال أوروبا بعد تنكيل «محاكم التفتيش» بهم، وهم ما كان يطلق عليهم «المورانو» (اليهود الإسبان).
صاحبت تلك الإقامة، وجلّهم من صغار التجار والحرفيين، صفة الانكباب على العمل والمعيشة وفي مكان واحد (الغيتو)، فعاشوا تقليدًا ساروا عليه من الابتعاد عن نطاق العمل السياسي، وهو ديدنهم منذ القرون الوسطى. ولم تكن لهم حقوق مدنية كالانتخاب في البرلمان أو المجالس البلدية، كما ولم يكن بمقدورهم الالتحاق بالدراسات الجامعية إلا بعد تأسيس «الكلية الجامعية بلندن» التي غدت نواة جامعة لندن عام 1827، أو المتاجرة في «الحي المالي» إلى عام 1830، أو العمل بالمحاماة إلى عام 1833. وعلى الرغم من ثراء بعضهم فإن الحقوق العامة التي تنادي بالمساواة لم تكن في متناولهم. وقد زامن ذلك أيضًا الصراع العنيف بين البروتستانت والكاثوليك الذي كان طاغيًا مدة 300 سنة، حتى صدور قانون تحرير الروم الكاثوليك عام 1829، فابتدأت إثره بعض الاستثناءات، وبقيت معضلة الحلف القانوني الذي يستلزم صاحبه القول: «بالعمل كما تفرضه الشريعة المسيحية»، أدى إلى إقصاء اليهود وحرمانهم من امتيازات المشاركة العامة كالكاثوليك.
لكن مطالبة اليهود بحقوقهم المدنية والسياسية بدأت منذ عام 1830، وبلغت أعدادهم آنذاك بين 30 – 40 ألف نسمة، واستمرت لمدة عشر سنوات بلا طائل. ومع أن مجلس العموم منحهم حق الانتخاب فإن مجلس اللوردات عارض ذلك، وأصر على رفض منحهم أيًا من تلك الحقوق، معتبرًا أن «اليهود هم أمة أجنبية لا تثق إلا بديانتها وتتشوق للعودة إلى فلسطين وأن تعاليمهم من صلبها كره المسيحيين، وتهمتهم باقية على قتل المسيح، وعقابهم بعدم منحهم حقوق التجنيس». وللعلم، فإن القوانين في بريطانيا لا تصدر إلا بموافقة المجلسين (العموم واللوردات).

دخولهم عالم السياسة

ولم يقتصر الأمر على مجلسين العموم واللوردات، بل رفضت الملكة فيكتوريا بعد ذلك تماس رئيس وزرائها غلادستون عام 1869 تعيين ليونيل ناثان روتشيلد (1808 - 1879) عضوًا في مجلس اللوردات، إذ قالت غاضبة: «إني أرفض أن أجعل من يهودي لوردًا»، لكن على إثر صدور قانون إبداء الرأي الديني عام 1846 سمح للكاثوليك، ثم اليهود من بعدهم، بالترشّح لعضوية مجلس العموم، فرشح ليونيل ناثان روتشيلد (زعيم الطائفة اليهودية) عام 1847 وفاز بالانتخاب، إلا أنه لم يسمح له احتلال مقعده في مجلس العموم، لأن القَسَم لا ينطبق عليه لعدم انتمائه إلى الدين المسيحي، فرفضت عضويته واستمر إلى عام 1858 حينما سمح له بتغطية رأسه بكيس وحلف دون أن يمكن أحد سماع صوته. واستمر عضوًا لمدة عشر سنوات دون أن ينطق بحرف واحد خلال مدة عضويته.
ارتفع عدد النواب اليهود إلى 3 نواب عام 1859. وفي انتخابات 1865 أصبح العدد 6 نواب كلهم من حزب الأحرار، وفي عام 1880 نقص العدد إلى 5 نواب واحد منهم عن المحافظين. وبعد 10 سنوات أصبح العدد 10 نواب عام 1900، سبعة منهم من المحافظين. وارتفع العدد عام 1910 إلى 16 نائبًا، سبعة منهم محافظون والباقون من الأحرار، وفي بداية الحرب 1918 انخفض العدد إلى 11 نائبًا، سبعة منهم من المحافظين.
وبلغ تعداد الطائفة اليهودية قبل هجرة اليهود الروس والبولنديين في نهاية القرن الـ19 نحو 50 ألف نسمة، يقفون صفًا واحدًا أمام النشاط الصهيوني الذي بدأ بقوة إثر دخولهم. فظهرت معارضة شديدة، في المقابل، خصوصا من العوائل اليهودية البريطانية الرأسمالية الكبيرة المتنفذة والمستقرة منذ أمد بعيد، لنشاط لا يحمل الولاء الكامل لبريطانيا، بل يشكك في إخلاص اليهود نحوها بما يؤثر على مراكزهم الاقتصادية والاجتماعية. وكان أبناء هذه العوائل يؤمنون بأن ولاءهم كيهود يجب أن يكون للوطن حيث يقيمون، ويحمل مبادئه وجنسيته. وهذا يتناقض مع ما حمله المهاجرون الجُدد ومن يؤيدهم من أفكار معاكسة، منها الاشتراكية، فأبدوا امتعاضهم وغضبهم تجاهها. وهذا ما واجههه منهم ثيودور هرتزل، زعيم الحركة الصهيونية الحديثة، عند زيارته الأولى عام 1896 للدعوة إلى افتتاح «المؤتمر الصهيوني الأول» في بازل بسويسرا عام 1897، إذ رجع خالي الوفاض بعدما دعا الحاخام الأكبر ليهود بريطانيا هرمان آدلر، فوصف الصهيونية بأنها «ضد المبادئ والتعاليم اليهودية».

الجالية.. والصهيونية

إلا أن تدفق موجات الهجرة خلال الربع الأخير من القرن الـ19 وبداية الـ20 رفع عدد السكان اليهود إجمالاً لأكثر من ربع مليون نسمة –كثيرون منهم يحملون الأفكار الصهيونية - ما دفع الحكومة البريطانية إلى أن تفكر في حلول أخرى تجهض ما ستخلقه هذه الحالة من مشكلات اجتماعية ونشوء «غيتوهات» إثنية، كتركز سكن اليهود في «الحي الشرقي» من لندن. وهو ما حدا بهرتزل القول «الحي الشرقي لنا».
وما إن حل عام 1899 حتى تأسس «الاتحاد الإنجليزي الصهيوني» الذي حاول أعضاؤه دخول المعترك السياسي بترشيح نواب عنهم في مجلس العموم عام 1900 بتشجيع من هرتزل. وعندما لم تفلح المحاولة غيروا الاتجاه بانتخاب نواب غير يهود مؤيدين للمطالب الصهيونية، وكان معظمهم من حزب المحافظين، أحدهم بلفور، لخوض الانتخابات والاستعانة بأصوات الناخبين اليهود عام 1906، كما اتجه تأييد اليهود أيضًا بقوة لحزب الأحرار.

* باحث كويتي

مذكرة عن أهداف الحركة الصهيونية والمسألة اليهودية

* لنرجع قليلاً إلى خريف 1916 حين أعد وايزمن وسوكولوف مذكرة عن أهداف الحركة الصهيونية والمسألة اليهودية، كان البعض يعتقد أنها صعبة التحقيق، ولم تعرض على أحد حتى تبلغ عنها أحد كبار مستشاري مجلس الحرب مارك سايكس، وبعد عدة اتصالات تمت مع أطراف أخرى، من ضمنها ليوبولد غرينبرغ، رئيس تحرير جريدة «الجويش كرونيكل»، الذي يسر الاتصال فتم لقاؤه بوايزمن في 28 يناير، فاطّلع عليها وعرضها على مرؤوسيه في المجلس الذين طلبوا منه مزيدا من المعلومات، وفي 7 فبراير (شباط) 1917 اجتمع سايكس مع مجموعة من زعماء الحركة الصهيونية لنقاش إمكانية تحقيق ما حوته المذكرة. ومن جملة الحضور كان هربرت صموئيل أول وزير يهودي في تاريخ بريطانيا، وجيمس وولتر روتشيلد وناحوم سوكولوف وجوزيف غاوين وهاري ساخر بالإضافة إلى وايزمن، وكان التركيز على ضرورة إقامة وطن قومي في فلسطين، بالإضافة إلى الطلب من الحكومة البريطانية السماح للحركة الصهيونية استخدام وسائل الاتصالات الرسمية الخارجية لتسهيل مهماتها عبر قنوات لا يمكن التعرض لها، وكذلك تسهيل حركة انتقال مسؤوليها لأداء مهماتهم.
لقد كان رئيس الوزراء لويد جورج يردّد «وايزمن أكثر زعماء اليهود تأثيرا خلال فترة الحرب، فهو متمكن علميًا في حقل الكيمياء، وكانت اختراعاته متفجرات CORDITE ACETONE محط إعجاب المسؤولين في وزارة الأسطول، بالإضافة إلى حرفية التخطيط والتأمل». وكانت الآراء متفقة بين رئيس الوزراء ووزير خارجيته بلفور على تحقيق الطموحات الصهيونية في ما يتعلق بالوطن القومي الذي كما قال فيه بلفور: «ليس من الضرورة تأسيس دولة يهودية مستقلة حاليًا، ولكنها يجب أن تأخذ تقدمًا متأنيا يناسب القوانين العادية للتقدم السياسي لتحقيقها».
غدت المطالب الصهيونية تنصب على «ألا تكون متساوية مع سكان فلسطين (العرب) لأنها بلاد متخلفة والحقوق المتساوية تكون في البلاد المتقدمة، وفلسطين تحتاج إلى من يطوّرها، وذلك موجود عند اليهود (الأوروبيين) فقط ويستطيعون تقديمه».
ويظهر أن هذه الأفكار وجدت قبولاً لدى أصحاب القرار في بريطانيا، فما إن حل أبريل عام 1917 حتى كانت الصحافة البريطانية تتكلم عن فلسطين يهودية تحت الحماية البريطانية، كما استطاع الصهاينة الحصول على وضع سياسي رسمي يمكن من خلاله استخدام وسائط الاتصال والانتقال خلال التمثيل الدبلوماسي البريطاني بالخارج وتوصيل احتياجاتهم، وغدت الدوائر الرسمية تعاملهم كممثلين رسميين. ويهمنا من الظاهر والمتحقق والمدرك أن مشاعر الصهاينة قاسية ومتحجرة، مثل من يحارب ويعتقد أنه وحده من يملك الحقيقة المطلقة.
ومما قاله بلفور في معرض كلامه للورد هاردينغ، نائب الملك في الهند، عام 1922: «إن أصدقاءنا اليهود يصعب التعامل معهم، فهم يلجأون إلى التشويش المفزع من أجل الاستحواذ على أمور في غاية التفاهة». ويكمل: «ولكن مسألة الحدود، في الحقيقة، مهمة لأنها تؤثر على الإمكانات الاقتصادية لتطوير فلسطين، وعليها يعتمد فشل أو نجاح الصهيونية، فهي تجربة جريئة محفوفة بالمخاطر، إلا أنها بنظري تستحق المخاطرة ويجب أن تحصل على فرصة».
إن هذا الإصرار الواضح الذي يدفعه رسوخ إنجيلي متأصل أدرجه بلفور في مذكرة عن فلسطين وسوريا والعراق في أغسطس (آب) 1919، يقول فيها بصراحة فظة: «إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. والصهيونية سواءً كانت على حق أو خطأ، أو كانت حسنة أو سيئة، فإنها متجذرة في تقاليد قديمة. وفي ظروف الحاجة الراهنة والآمال المستقبلية فإنها (الصهيونية) أهم بكثير من رغبات أو ميول 700 ألف عربي يقيمون حاليًا فوق هذه الأرض العتيقة. وهذا، في رأيي، هو الصواب»*.

(* المصدر: كتاب «بلفور» لمؤلفه ماكس إيغرمونت.
كولينز للنشر – 1980)
إعلان  بلفور الحلقة 1-3: «إعلان بلفور» وليس «وعده».. مشروع طبخه طهاة صهاينة



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.