قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة

مسؤولون ومحللون يرون أن بوتين تصرف تحت شعور عميق بالخيانة والظلم من قبل أميركا وأوروبا

قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة
TT

قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة

قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة

بعد عودته من الألعاب الأولمبية الشتوية، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماع أزمة مع أعضاء مجلس الأمن القومي الـ12 لإدارة المأزق السياسي في أوكرانيا، الذي أثار دهشة النخبة العسكرية والسياسية، وفق كل الروايات، وأثار، علاوة على ذلك، غضب بوتين ذاته.
عقب الاجتماع أعلنت فالنتينا ماتفينكو، أبرز أعضاء المجلس ورئيسة مجلس الدوما الروسي، استحالة إقدام روسيا على غزو شبه جزيرة القرم، بيد أنه لم تمضِ سوى بضعة أيام حتى كانت القوات الروسية تتدفق على شبه الجزيرة.
وعندما أدلى بوتين بأول تصريح علني له حول الأزمة، يوم الثلاثاء، قال إن روسيا لن تدعم مساعي شبه جزيرة القرم في الانفصال. لكن الكرملين سمح يوم الجمعة للجبهة المؤيدة للانفصال بالتظاهر في الساحة الحمراء، في الوقت الذي استقبل فيه كبار أعضاء مجلس الدوما الموالون لبوتين وفدا من شبه جزيرة القرم، وتعهدوا بتقديم الدعم لجعلها إقليما جديدا ضمن الاتحاد الروسي.
النظر عن كثب للأحداث الزلزالية التي تسببت في اندلاع المواجهة الأكثر تهديدا بين الشرق والغرب، منذ عهد الحرب الباردة، استنادا إلى تصريحات ومقابلات مع مسؤولين دبلوماسيين ومحللين هنا، تشير إلى أن استراتيجية الكرملين بدت عشوائية، بعد أسبوع متوتر ومصيري، كان تصرف بوتين فيه بدافع مما وصفه مسؤولون ردا على شعور عميق بالخيانة والظلم، وخاصة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا.
وأشار محللون إلى أن بعض تلك القرارات، لا سيما الخاص بغزو شبه جزيرة القرم، جاء عفويا، وأطلق موجة من الحماسة القومية لإعادة توحيد شبه الجزيرة مع روسيا إلى حد أن الكرملين بدا حتى الآن غير راغب، أو ربما غير قادر، على إخماد هذه الحماسة.
وقال مسؤولون ومحللون إن قرار غزو شبه جزيرة القرم، لم يُتخذ من قبل مجلس الأمن القومي، لكنه اتخذ في الخفاء من دائرة أصغر حجما من المساعدين المقربين والأكثر ثقة لدى بوتين، بينما استبعدت المجموعة كبار المسؤولين من وزارة الشؤون الخارجية، أو عددا من المستشارين الليبراليين نسبيا الذين قد يتحدثون عن الأثر الاقتصادي والعواقب المحتملة للعقوبات الأميركية والأوروبية.
وقال فيودور لوكيانوف المحلل الروسي ورئيس تحرير مجلة «العلاقات الدولية الفصلية»، التي تصدر باللغة الروسية: «يبدو المنطق الكلي هنا ناتجا عن عقلية واحدة».
وكانت بعض خطط روسيا في طور الإعداد منذ سنوات، بما في ذلك الخطط الخاصة بفصل شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا، من خلال دعم موسكو السياسي لسيادتها الوطنية، بل وحتى إعادة ضمها إلى روسيا. لكن استراتيجية بوتين في الأسبوعين الأخيرين بدت مرتجلة، وتأثرت بالأحداث التي لا تقع في الأغلب تحت سيطرته.
وقال مارك غاليوتي الخبير في شؤون القوات الأمنية الروسية بجامعة نيويورك الذي يوجد في موسكو ويجري لقاءات منتظمة مع مسؤولي الأمن: «ينبغي أن لا نعتقد بوجود خطة كبيرة، الواضح أنهم يتصرفون حسب مجريات الأحداث».
كانت قرارات بوتين منذ اندلاع الأزمة تعكس الغرائز، والمهارات السياسية والعواطف التي ميزته خلال الـ14 عاما التي قاد فيها روسيا، بما في ذلك حبه للسرية، والولاء والاحترام، له ولروسيا. كما أنها تشير إلى إحباط عميق تجاه قادة العالم الذين تركوه عرضه للتهديد بالعقوبات أو العزلة الدولية، حتى إنه لم يبالِ بتهديدات مجموعة دول الثماني بمقاطعة اجتماع القمة هذا العام الذي كان من المفترض عقده في سوتشي.
ونتيجة لسلطة بوتين المركزية، تبدو سياسات وتصرفات روسيا في أوقات الأزمة مشوشة أو مرتبكة حتى يقرر بوتين نفسه مسار العمل. كان هذا الحال خلال الأيام التي اندلعت فيها أعمال العنف في كييف، مما دفع الأوروبيين إلى بذل جهود محمومة للتوسط من أجل التوصل إلى تسوية. فلم يرسل بوتين، الذي كان منشغلا بدورة الألعاب الأولمبية، ممثلا إلى تلك المحادثات، إلا بعد أن جرى توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى.
وقال ديمتري ترينين مدير مركز كارنيغي في موسكو، إن دور روسيا في اضطرابات أوكرانيا كان «سلبيا للغاية»، حتى اللحظة التي انهارت فيها حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش. كان هذا صحيحا، على الرغم من قلق الكرملين بشأن اتفاق التجارة الأوكرانية الجديدة مع الاتحاد الأوروبي، وتعهدها في ديسمبر (كانون الأول) بتقديم حزمة مساعدات لدعم المالية تقدر بنحو 15 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني المتعثر. وأشار ترينين إلى أن ارتباك الكرملين نتيجة سقوط الحكومة في أوكرانيا دفع الكرملين إلى «التحرك على الفور».
وقال هو وغيره من المسؤولين والمحللين إن رد فعل بوتين جاء ردا على انهيار الاتفاق الذي عقده في ليلة الـ21 من فبراير (شباط). وقد حذر بوتين، بحسب تصريحاته في المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم الثلاثاء، يانوكوفيتش من سحب قوات الأمن والحكومة من كييف، التي كانت أحد مطالب الاتفاق الذي جري التفاوض بشأنه.
وقال بوتين: «قلت له: ستعم البلاد الفوضى. وستكون هناك حالة من الفوضى في العاصمة. أشفق على شعبك. لكنه فعل ذلك على أي حال، وبمجرد أن فعل ذلك، استولى الثوار على القصر الرئاسي، ومقر رئاسة الوزراء، واندلعت الفوضى التي حذرت منها، والتي لا تزال حتى يومنا هذا».
بيد أن يانوكوفيتش كان قد فقد في ذلك الوقت دعم حزبه، الذي انضم أعضاؤه إلى آخرين في البرلمان في توجيه أمر إلى الأجهزة الأمنية برفع المتاريس التي كانت قد وضعتها حول المباني الحكومية في كييف. وجمع يانوكوفيتش (الذي كان يخشي من التقارير بتوجه محتجين مسلحين إلى كييف من غرب أوكرانيا) الوثائق من مقر إقامته، وفرّ في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي.
في تلك الليلة، كان بوتين لا يزال يطمئن الرئيس أوباما في مكالمة هاتفية على أنه سيعمل على حل الأزمة.
وفي اليوم التالي، جرد البرلمان الأوكراني يانوكوفيتش من صلاحياته، وصوّت لإطلاق سراح زعيمة المعارضة يوليا تيموشينكو من السجن، وتقرر إجراء انتخابات رئاسية جديدة. في البداية، صمتت روسيا، لكن مسؤولين قالوا إن بوتين بدا غاضبا بشدة من القادة الأوروبيين الذين توسطوا في الاتفاق، ولم يفعلوا شيئا لتنفيذه. وبدأ بوتين وغيره من المسؤولين في وصف القادة الجدد في أوكرانيا بالرجعيين والفاشيين، وأن روسيا لا يمكن أن تقبل بهم في السلطة.
وقال ألكسي تشسناكوف الاستراتيجي السياسي والمساعد السابق في الكرملين، عن تحرك بوتين في شبه جزيرة القرم: «ربما لم يكن الأمر وليد اليوم، ولكنه جاء عندما اتضح (بما لا يدع مجالا للشك) أن السلطات في أوكرانيا لم تعد قادرة على العودة إلى الاتفاق الذي وُقّع».
بعد يومين، حضر بوتين الحفل الختامي لدورة الألعاب الأولمبية التي كان يأمل في أن تصبح نموذجا لعودة روسيا كأمة قوية حديثة. ثم أمر بغزو سريع وخلسة لمنطقة تبدو مؤثرة في تاريخ روسيا منذ غزو كاترين العظمى. ويبدو أن قرار أمر القوات الروسية قد وقع في وقت متأخر من مساء يوم الثلاثاء أو فجر الأربعاء، بين دائرة صغيرة من مستشاري بوتين.
شملت المجموعة التي اتخذت القرار، حسب مسؤولين ومحللين، سيرجي إيفانوف مدير ديوان الرئيس بوتين، ونيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن القومي، وألكسندر بورتنيكوف مدير جهاز الأمن الاتحادي. وجميعهم من قدامى المحاربين في الـ«كي جي بي»، وتحديدا زملاء بوتين خلال عمله في المنظمة في لينينغراد، والآن في سانت بطرسبورغ، خلال السبعينات والثمانينات. وقال محللون ومسؤولون إن استثناء مستشارين آخرين يؤكد أن تشدده المتزايد منذ عودته للرئاسة في عام 2012، بعد أن قضى فترة كرئيس للوزراء ولم يواجه احتجاجات شعبية فحسب، بل واجه أيضا انتقادات متزايدة من الولايات المتحدة وأوروبا لسجل البلاد في شؤون الحقوق السياسية وحقوق الإنسان. وأضاف غاليوتي: «إنه يحاول شيئا فشيئا التخلص من الأفراد الذين عارضوا نظرته للعالم». ولم يعترف بوتين أو أي مسؤول آخر بإصدار أمر بغزو عسكري للقرم، على الرغم من تصريح بوتين في مؤتمره الصحافي، حيث قال إنه عزز الأمن في قواعد الأسطول في البحر الأسود، التي توجد مقراتها في سيفاستوبول.
وأشار مسؤولون ومحللون إلى أن نشر القوات الروسية (التي قالت الحكومة الأوكرانية إنها تتراوح ما بين ستة آلاف إلى 15 ألف جندي) لا يزال عملية سرية، لتجنب القانون الدولي، والحاجة للحصول على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو أمر أصر بوتين مرارا على أنه كان ضروريا لأي عمليات عسكرية ضد دولة أخرى.
وقال أندري سولداتوف الذي شارك مع إيرينا بوروغان في تأليف كتاب عن الاستخبارات الروسية تحت عنوان «ذا نيو نوبيليتي»: «إنه أمر تقليدي أن تنكر الحقيقة الساطعة». كان بوتين قد حذر خلال لقاء قادة حلف شمال الأطلسي في بوخارست عام 2008، لدراسة دعوة أوكرانيا للانضمام إلى الحلف، من أن هذه العضوية لن تكون مقبولة لروسيا، وأنذر بالاستراتيجية التي بدأت تتكشف الآن وفقا لبرقية دبلوماسية نشرها موقع «ويكيليكس»، شكك بوتين حتى في شرعية نقل الاتحاد السوفياتي من المنطقة لسلطة ما كان يعرف آنذاك بجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، في عام 1954. فقال بوتين بحسب البرقية التي كتبها كيرت فولكر، السفير الأميركي لدى «الناتو» في ذلك الوقت: «إذا أضفنا شكوك (الناتو) والمشكلات الأخرى، فستجد الدولة نفسها عرضة للتهديد».
والسؤال الآن هو إلى أي مدى ينوي بوتين المضي قدما؟ يرى سيرغي ماركوف، مستشار الكرملين، إن ذلك لم يتضح بعد، لأن بوتين يرتجل حسب مجريات الأحداث.
* خدمة «نيويورك تايمز»



أول ظهور للمشتبه به في هجوم بونداي نافيد أكرم أمام المحكمة

صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)
صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)
TT

أول ظهور للمشتبه به في هجوم بونداي نافيد أكرم أمام المحكمة

صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)
صورة نشرتها وسائل إعلام أسترالية لنافيد أكرم خلال الهجوم على شاطئ بونداي (أرشيفية)

مثل المشتبه به في هجوم شاطئ بونداي في سيدني نافيد أكرم، أمام محكمة أسترالية عبر رابط فيديو للمرة الأولى الاثنين، وفق ما ذكرت هيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي».

وأطلق نافيد أكرم ووالده ساجد النار على حشد كان يحتفل بعيد «حانوكا» اليهودي على شاطئ بونداي الشهير في سيدني في ديسمبر (كانون الأول)، في أسوأ حادثة إطلاق نار جماعي تشهدها البلاد منذ ثلاثة عقود.

وقُتل الأب برصاص الشرطة بينما اتُهم نافيد بالإرهاب والقتل.


رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

 رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)
TT

رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

 رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

سيسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى الحصول على صلاحيات أوسع لتنظيم الوصول إلى ​الإنترنت، وهو ما قال اليوم الأحد إنه ضروري لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية سريعة التغير.

وقالت الحكومة البريطانية الشهر الماضي إنها ستجري مشاورات حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي على غرار النموذج الأسترالي للأطفال دون سن ‌16 عاما. ‌ومنذ ذلك الحين، ​أعلنت ‌إسبانيا ⁠واليونان ​وسلوفينيا عزمها فرض ⁠حظر مماثل.

وقال ستارمر في بيان «التكنولوجيا تتطور بسرعة كبيرة، ويتعين أن تواكبها القوانين».

من المرجح أن تؤدي الصلاحيات الجديدة إلى تقليل الرقابة البرلمانية على القيود المستقبلية. وقال مكتب ستارمر ⁠إن هذا ضروري حتى «نتمكن بعد ‌المراجعة من ‌التحرك بسرعة بناء على ​نتائجها في غضون أشهر، ‌بدلا من الانتظار لسنوات حتى ‌صدور تشريع أساسي جديد كلما تطورت التكنولوجيا».

وقالت الحكومة إن المزيد من روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي ستخضع أيضا لحظر إنشاء ‌صور جنسية دون موافقة الشخص المعني، بعد اتخاذ إجراءات ضد ⁠روبوت ⁠الدردشة جروك التابع لإيلون ماسك.

وسيتم إدخال هذه الإجراءات كتعديل على التشريعات الحالية المتعلقة بالجريمة وحماية الأطفال التي ينظر فيها البرلمان.

على الرغم من أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الأطفال، إلا أنها غالبا ما يكون لها آثار غير مباشرة على خصوصية البالغين وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات، وأدت ​إلى توتر ​مع الولايات المتحدة بشأن القيود على حرية التعبير ونطاق التنظيم.


أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
TT

أربع خلاصات من «مؤتمر ميونيخ للأمن»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)

سلّط «مؤتمر ميونيخ للأمن» في نسخته الأخيرة الضوء على قضايا أساسية عدة، أبرزها ظهور أميركا على أنّها أكثر حرصاً من دون أن تبدّد شكوك حلفائها بشأن مدى التزامها تجاههم، وإبداء أوروبا ميلاً أكبر للاعتماد على نفسها، وخصوصاً على المستوى الدفاعي.

وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، فصّلت راشيل إليهوس المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) هاتين النقطتين، مشيرة أيضاً إلى بروز السعي الصيني للتقرّب من الأوروبيين و«شغل المقعد الذي تخليه واشنطن»، وعدم اقتناع الأوروبيين بإمكان التوصل إلى نهاية وشيكة للحرب في أوكرانيا.

تطمينات أميركية قصيرة الأجل

وفق إليهوس، بعد عام من الخطاب الناري لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أرسلت الولايات المتحدة «الناضجين في إدارة (الرئيس) دونالد ترمب؛ أي وزير الخارجية ماركو روبيو، ومساعد الوزير لشؤون الدفاع إلدريج كولبي» لإلقاء خطابات مدروسة بشكل أكبر أمام مؤتمر ميونيخ.

وقالت إنّ الأميركيين «أوضحوا أنّهم يعتبرون أوروبا بمنزلة شريك، وأنّ الولايات المتحدة تعتبر أنّ (حلف شمال الأطلسي/ ناتو) مفيد بالنسبة إليها، وأنّها تريد إنجاح هذه الشراكة»، في حال أخذ الأوروبيون زمام الأمور بأيديهم.

وأشارت إلى أنّ كولبي أدلى بتصريحات «صريحة للغاية، أكد فيها أنّ الولايات المتحدة لديها الكثير من المسؤوليات، وأن الأوروبيين يتمتعون بثروة كبيرة، وحان الوقت كي تتولى أوروبا زمام المبادرة في عمليات الدفاع التقليدية ضمن (حلف شمال الأطلسي)»، مضيفة أنّه «من المهم التأكيد على أنّهم لم يقولوا إنّ الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن مظلّتها النووية».

مع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات كبيرة لدى العديد من الأوروبيين بشأن مستوى الثقة التي يمكن منحها لواشنطن.

وفي هذا السياق، قالت راشيل إليهوس: «شاركتُ في اجتماعات مع دول الشمال، لا تزال هذه الدول قلقة للغاية بشأن خطر عودة رغبة ترمب في شراء جزيرة غرينلاند، واحتمال حدوث مفاجآت أخرى».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال كلمته في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (أ.ب)

من جهة أخرى، قالت إنّ كولبي «استخدم مصطلح (الواقعية المرنة)»، مضيفة: «لا أفهم تماماً كيف يمكن أن تكون الواقعية مرنة»، ومتسائلة: «هل يعني هذا أنّه يمكننا اختيار متى نريد احترام مبادئ الواقعية؟».

وأعربت عن قلقها من أنّ الولايات المتحدة تميّز «أعضاء (الناتو) الجيدين، الذين بذلوا جهوداً مثل ألمانيا والنرويج، على أنّهم يستحقون الدفاع عنهم أكثر من غيرهم» ممن بذلوا جهداً أقل في إطار زيادة الإنفاق الدفاعي، مثل إسبانيا.

وأشارت المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى «سبب آخر يدعو للقلق، يتمثّل في إشارات روبيو العديدة إلى القيَم المسيحية، والروابط الحضارية بين الولايات المتحدة وأوروبا»، معتبرة أنّ هذه الإشارات تثير مخاوف من تدخل أميركي في الانتخابات الأوروبية لصالح حركات اليمين المتطرّف.

الأوروبيون حسموا أمرهم ظاهرياً

بحسب إليهوس، فقد قدم المستشار الألماني فريدريش ميرتس في خطابه «دفعاً قوياً للغاية باتجاه (ناتو) أكثر أوروبية»، مضيفة أنّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر «أبدى رغبته في علاقات أوثق مع أوروبا القارية والاتحاد الأوروبي، وهو ما وجدته جريئاً للغاية على المستوى السياسي». وأشارت إلى أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن «دفاع أوروبي، وليس عن مجرد دفاع للاتحاد الأوروبي، بل دفاع أكثر شمولاً يضم دولاً مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة».

وأكدت أنّ «كل هذا يشكّل خطوات جيدة إلى الأمام، بحيث تتقارب الدول الأوروبية الكبرى بشكل أوثق لصالح الدفاع الأوروبي، بما في ذلك على الجبهة النووية». ولكنها لفتت النظر إلى عقبات يجب التغلّب عليها، تتمثل في أنّ فرنسا والمملكة المتحدة تواجهان أوضاعاً مالية سيئة تحدّ من قدرتهما الاستثمارية، في حين تستغرق زيادة الإنفاق الدفاعي التي تقرّرت في إطار «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) وقتاً أكبر، إضافة إلى صعوبة تنفيذ مشاريع التعاون الدفاعي، وغيرها من المسائل.

الصين بالمرصاد

اقترح وزير الخارجية الصيني وانغ يي تعزيز العلاقات مع ألمانيا، و«استئناف» العلاقات مع كندا، كما أبدى استعداداً لتقديم «مساعدات إنسانية جديدة» لأوكرانيا، في ظل مواصلة الغزو الروسي.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال كلمته في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

واعتبرت إليهوس أنّ بكين «ستكون سعيدة بشغل المقعد الذي تعمل الولايات المتحدة على إخلائه، وبتقديم نفسها على أنّها حارس للتعددية». وقالت: «لا أحد يصدق ذلك، ولكنّهم (الصينيين) أظهروا وجهاً ودوداً للغاية قد يكون مغرياً للبعض».

وأوردت أنّ الأوروبيين «يدركون المخاطر، ولكنّهم قد ينجذبون إلى الفوائد الاقتصادية لعلاقة أوثق مع الصين، وربما يعتقدون أنّهم قادرون على إدارة الآثار السلبية، ليرتكبوا بذلك الخطأ نفسه الذي ارتكبته الولايات المتحدة قبل سنوات».

مفاوضات بشأن أوكرانيا

لا يعتقد الأوروبيون أنّ وقف إطلاق النار أمر وشيك في أوكرانيا. ورأت إليهوس أنّ «الشعور السائد هو أنّ روسيا لم تكن صادقة بشأن إنهاء الحرب، وأنّ المفاوضات الحالية ليست سوى محاولة من جانبها لكسب الوقت ومواصلة القتال».

غير أنّها لفتت النظر إلى أنّ كثراً منهم «حاولوا دحض السردية القائلة إنّ الروس ينتصرون»، عبر الإشارة إلى الخسائر الفادحة التي تكبّدوها مقابل مكاسب ميدانية ضئيلة وتدهور اقتصادي وضغوط على المجتمع الروسي. وقالت: «هذا ليس انتصاراً بالمعنى الحرفي للكلمة».