مثل عاصفة خريفية، تهدأ لميا صفي الدين هنيهة من الزمن لكي تعاود الإطلالة على جمهورها بمفاجأة جديدة. وهذه المرة، تعود الراقصة التعبيرية اللبنانية لتقدم مع فرقتها حفلتين تقامان على مسرح معهد العالم العربي في باريس مساء اليوم (السبت) وبعد ظهر غد (الأحد) بعنوان «صراخ الجسد».
إنه في الحقيقة نداء روحي يجمع تحت خيمته كل أولئك المسافرين والمهاجرين والمنفيين والجوالين في بلاد الله الواسعة والمقتلعين من أرضهم الأولى والراغبين في اكتشاف ذواتهم من خلال الاقتراب من الآخر. الجديد في هذه العودة أن العرض يقدم لصالح «النجدة الشعبية»، وهي منظمة فرنسية شهيرة في ميدان العمل الإنساني، تمد أيدي العون إلى الآلاف ممن يحتاجون سقفا أو لقمة أو كسوة أو أذنا صاغية تستمع إلى معاناتهم في عالم شديد في قسوته ومجتمع لا يملك سوى نوافذ أمل قليلة.
وبرعاية جوليان لوبريتر، رئيس «النجدة الشعبية» الفرنسية، شاركت في دعم المشروع أكثر من جهة، منها اليونيسكو في لبنان ووزارة الثقافة اللبنانية، بالإضافة إلى معهد العالم العربي الذي بات يرأسه مثقف بارز هو جاك لانغ، وزير ثقافة ميتران الأسبق. يشير دليل العرض إلى أن لميا صفي الدين تعبر في رقصها عن الأسفار والترحال والاختلاط المثمر والسخي بين الثقافات. لهذا يمكن النظر إلى حقائب السفر المختلفة الأشكال والأحجام باعتبارها شريكا أساسيا في المشهد الفني وليست مجرد ديكور مسرحي. وفي شريط مصور تم توزيعه أثناء المؤتمر الصحافي الذي مهد للمناسبة، يتجلى للمشاهد عمل تعبيري كوريغرافي من تجارب الرقص المعاصر، يتداخل فيه الإيقاع العربي بـ«الجاز» و«الهيب هوب» و«البريك». وتضم الفرقة راقصين من أصول مختلفة، هم بالإضافة إلى صاحبة الفرقة، فاني كولم وأوتكو بال وطونيو. ويمكن اعتبار العرض دعوة لاكتشاف ومواكبة المسار الشخصي وأسلوب التعبير الإيمائي المتميز لرجال ونساء ينتمون إلى آفاق وثقافات مختلفة، من أفريقيا والشرق والغرب، يلتقون في فضاء رمزي حضري ومعاصر بامتياز هو المدينة - الأم التي تستقبل في رحابها المهاجرين من أنحاء شتى وتتيح لهم فرص اكتشاف القاسم المشترك الذي يجمعهم، أي عمق إنسانيتهم وروعتها.
على وقع أنغام وأغاني أم كلثوم وميكائيل أسكيل وأحمد دياب وتوفيق فروخ وأنجاليك يوناتوس وجانيس جوبلين وناغويا ماريمباس وستيف ريش وعمر الفاروق تكبيلك وتوكسيديمون، يتناوب الراقصون فوق خشبة المسرح، تارة أفرادا، وطورا في ثنائيات أو ثلاثيات أو جميعهم سوية. إنهم يتلاقون ويتصادمون أو يتفادون بعضهم البعض حتى يصلوا، في النهاية، إلى تنسيق حركاتهم ورقصهم ويبلغوا الانسجام الكلي بفضل اللغة المشتركة التي تجمعهم، أي لغة الرقص العالمية. إنه عرض إبداعي جريء ونشيد فرح يمجد الحياة والغنى الناتج عن التنوع والاختلاف، دون التخلي عن الخصوصيات الفردية.
لميا صفي الدين، اللبنانية المولودة في أفريقيا والتي درست وأقامت في عواصم شرقية وغربية، كانت مهمومة منذ بداياتها، قبل أكثر من 20 عاما، بالتقاء الثقافات. وهي اليوم مصممة رقص عربي معاصر وتعتبر من بين أشهر فناني جيلها في مجال الرقص التعبيري والحركية الإبداعية. وطوال مسيرتها على المسارح الأوروبية عرفت كيف تبرز الرقص العربي المعاصر وتعطيه مكانته العالية وتحرر الجسم مما هو جامد ومقولب لكي يلتحق بالروح الشفافة في تحليقها. وبهذا فقد ربحت الفنانة الرهان الصعب في التوفيق ما بين ماضي الرقص الشرقي وحاضره، لتجعل منه رقصا عربيا موطنه العالم بأسره. وبهذا الصدد كتبت صحيفة «لوموند» أن مفهوم السفر لدى لميا صفي الدين هو عبارة عن غوص في صميم تعددية ثقافات رقص الشرق.
9:41 دقيقه
لميا صفي الدين تفتح الحقائب الفنية للمهاجرين من بقاع الأرض
https://aawsat.com/home/article/5259
لميا صفي الدين تفتح الحقائب الفنية للمهاجرين من بقاع الأرض
الراقصة التعبيرية اللبنانية تقدم مع فرقتها عرضين في باريس
الحقائب هي كل ديكور العرض
لميا صفي الدين تفتح الحقائب الفنية للمهاجرين من بقاع الأرض
الحقائب هي كل ديكور العرض
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

