عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

وزير الثقافة الجزائري يتحدث عن برنامج الوزارة الثقافي ولايرى ان هناك تراجعا

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي

يبدو أن وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي لم يكن يتوقع منا أن نطرح عليه أسئلة تعكس «سوداوية غير مبررة»، على حد تعبيره، فهو يجد أن الحديث عن تراجع الحياة الثقافية تعبير غير دقيق «ما دامت العشرات من الأسماء الأدبية قد أحدثت نقلة نوعية في شتى أشكال الإبداع الأدبي وأوصلت صوت الجزائر إلى كثير من المحافل العربية»، وأن «المثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز».
هنا لقاء مع وزير الثقافة الجزائري، يتحدث فيه عن برنامج الوزارة الثقافي، وما تحقق منه، وكذلك عن البرامج والخطة الثقافية المستقبلية:

* بداية، ألا تشكل معرفتكم الدقيقة بحكم ماضيكم ككاتب وإعلامي ومسؤول مسؤولية كبيرة في ظل النقائص الكبيرة التي يعاني منها المشهد الثقافي الجزائري الأمر الذي يسبب لكم ضغطا لا تحسدون عليه؟
- في البداية، اسمح لي أن أعبر لكم عن امتناني وشكري لاهتمامكم من قبل صحيفة عالمية الانتشار في قيمة «الشرق الأوسط». وعطفا على سؤالكم فإنني أعتقد أن هناك رغبة قوية من قبل الحكومة الجزائرية لاستكمال برنامج الدولة الثقافي، الذي اشتغل عليه مجموعة من وزراء الثقافة السابقين، وهو البرنامج المستمد من رؤية ثقافية تهدف إلى تأكيد الشخصية الجزائرية بكل ما تحمله من أبعاد تاريخية ومعرفية، ومن ثم الحفاظ على خصوصيتها والتفتح على مختلف الثقافات الإنسانية. وفي الحقيقة نعمل جاهدين على أن نقدم تصورا ثقافيا ضمن إطار يكون في مستوى الحرص الذي يمليه السيد رئيس الجمهورية والاهتمام الذي توليه الحكومة الجزائرية في بلد يملك من التنوع الثقافي والفني بين مختلف أقطاب الساحة الثقافية واتجاهاتها. لكننا قد نتحفظ من وصفكم للنقائص بالكثيرة لأن التنوع والتعدد الذي أشرنا إليه سابقا، يجعل من وجود نقائص في العمل الثقافي أمرا طبيعيا لأن مهمتنا ليست صناعة الثقافة، وإنما تسيير الثقافة وخدمتها. الثقافة عمل وسلوك يومي تشارك وتساهم في صناعته كل مؤسسات الدولة وجميع تشكيلات المجتمع والفرد في تصورنا هو اللبنة الأولى للتنمية الثقافية المستديمة ووزارة الثقافة تعمل على إدارة الشأن الثقافي بالتنسيق والاستشارة مع كل القطاعات التي نراها شريكة في صناعة الساحة الثقافية على غرار التربية والتعليم والسياحة، وكل هذا يتم استنادا إلى مرجعيتنا الدستورية وبالاهتمام الشخصي لرئيس الجمهورية وبمتابعة الوزير الأول.
* ما التصور المبدئي الذي جئتم به للوزارة انطلاقا من معرفتكم القديمة للقطاع كمثقف وكاتب ومسؤول سابق لاتحاد الكتاب؟
- ندرك جيدا أن تشكيل تصور ورؤية شاملة لتسيير قطاع الثقافة في الجزائر يحتاجان إلى تنسيق حكومي متواصل وهو ما يحدث حاليا ذلك أن الدولة وضعت من أولوياتها جعل قطاع الثقافة قطاعا منتجا وفعالا، علاوة على مهام وزارة الثقافة التي تتمثل في تسيير شؤون الثقافة وتحريك الفعل الثقافي، بات من الضروري أن تكون الرؤية مشتركة بين كل القطاعات الشريكة في الحكومة وفي مقدمتها المشتغلون في حقل الإبداع من مسرح وسينما وأدب وفنون تشكيلية ومهتمين بالتراث المادي واللامادي، فرهان المرحلة يقتضي العمل على مساري ترسيخ المكتسب الثقافي والدفع بالاستثمار الخاص ليكون شريكا في وضع صناعة المنتج الثقافي.
* الكثير من المثقفين والإعلاميين يتحدثون عن تراجع الحياة الفكرية والفنية بوجه عام مقارنة بالسبعينات والثمانينات.. ما تعليقكم؟
- أولاً، ما مؤشرات التراجع؟ ثم لنفترض أننا اتفقنا على هذا الأمر، كيف لنا أن نناقش أسبابه ونبحث عن سبل استعادة هذه الحياة الثقافية والإنسانية؟ الجزائر لا توجد في منأى عما يحدث في العالم وهي جزء هام منه تتأثر وتؤثر فيه وتتفاعل مع كل المستجدات التي تحدث هنا وهناك، ثم إن تراجع الحياة الثقافية هل يعني بالضرورة تراجع الثقافة؟
* والجواب؟
- أبدًا. إن الحياة الثقافية هي الجسد الذي يحمل روح الثقافة، ويبدأ هذا الجسد الحياة صغيرا ثم شابا قويا، يمرض ويتعب، لكن هذا لا يعني أبدا أنه يموت، بل تنتقل هذه الروح من جسد إلى آخر، من جيل لآخر، وتاريخ الجزائر الثقافي يؤكد هذا. واسمح لي أن أعود قليلا إلى الوراء لأذكر القارئ العربي أن الحياة الثقافية في الجزائر لم تمت في يوم من الأيام. ففي أعتم مراحل الاستعمار ظلمة ومن أشد زواياه التاريخية حلكة منحت الجزائر الإنسانية أسماء ثقافية بارزة لا تزال إلى اليوم تحرك أسئلة الثقافة وتساهم في تجلياتها منذ «أبوليوس» أول روائي في التاريخ وهو أمازيغي مناوئ للرومان إلى عمر راسم، ومحمد الخضر حسين، ومالك بن نبي، ومفدي زكريا، ومحمد العيد آل خليفة، وحمودة بن الساعي، ورضا حوحو، ومحمد ديب، وكاتب ياسين، ومالك حداد، ومحمد راسم. أذكر هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحسر، فالمجال لا يسمح بذكرها كلها. وعندما ضرب الإرهاب المتوحش الجزائر في مطلع التسعينات، كان يدرك أهمية المثقف في التصدي للظلامية فكان المثقف هدفه الأول وكان من ضحاياه عشرات المثقفين الذين سقطوا على أيدي أعداء الحياة والتسامح. لذلك تجدنا نسعى لاستعادة هذه الحياة الثقافية في بلد لم تتوقف فيه رئة الثقافة عن تنفس هواء الثقافة لحظة واحدة، وكان لسياسة الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة الوطنية الأثر القوي في استعادة الجزائر أمنها واستقرارها، وما كان ذلك ممكنا لولا القراءة العميقة التي أولاها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للمجتمع الجزائري وإدراكه لأهمية تجنيب الأجيال تبعات الأزمة التي كادت تدمر أركان الدولة ومؤسساتها.
* خلافًا لمرحلة حكم الحزب الواحد ورغم التضييق على الحريات السياسية والفكرية مقارنة باليوم، يحن الكثير من المثقفين والصحافيين إلى الماضي القريب الذي برز فيه مفكرون وأدباء ومؤرخون كبار تركوا فراغا كبيرا وعرفت تلك الفترة انفتاحا على العالم العربي، الأمر الذي سمح بزيارة أدباء كبار من أمثال نزار قباني، ومحمود درويش، وأدونيس، وفنانين، خلافًا ليومنا هذا الذي تبدو فيه الجزائر معزولة ثقافيا وأنا شخصيا عايشت الغليان الذي كان قائما كصحافي ومثقف.. ما ردكم؟
- أصر على تحفظي الشديد على مصطلح ضمور، فالوضع لم يصل إلى هذا الحد من السوداوية التي ينظر من خلالها البعض إلى الساحة الثقافية، وإن كانت الجزائر محل اهتمام كتاب وأدباء في وقت سابق فإن الدول العربية اليوم محل اهتمام كتاب وأدباء جزائريين، والمثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز. من المهم جدًا أن نتحدث عن الأسماء التي ذكرت كنقطة تحول كبيرة في مسار الثقافة الجزائرية، لكن لا يمكن أن يحدث التحول الثقافي في أي عصر وفي أي بلد كل سنة أو كل عشر سنوات. تتحدث عن أسماء أدبية وفكرية جاءت في سياق تحول إنساني عميق وهي نتاج واقع فكري وثقافي جزائري امتد لعشرات السنين بدءًا من أبي اليقظان، والسعيد الزاهري، ومحمد راسم، وبن باديس، وبن سماية، والأمير خالد، ورمضان حمود، وغيرهم ممن ساهم في استعادة الوعي الجزائري من سجن الاحتلال في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها قاسية، ومثلما استلزمت المرحلة التاريخية اليوم وجود هذه التعددية السياسية والفكرية التي نعتقد أنها شكلت صدمة روحية إيجابية ما زلنا نحتاج إلى وقت كي نعبر فيه إلى مرحلة التعايش، وهذا لا يتم إلا من خلال الثقافة التي من شأنها أن تخفف هذه الصدمة.
ومن جانب آخر، لا أفهم لماذا يتوقف السؤال عند جيل الركيبي ودودو وغيرهما، بينما يلغي تماما المساهمات الثقافية والإبداعية لواسيني الحائز على جوائز عربية عدة منها الشيخ زايد وكتارا وأحلام مستغانمي الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للرواية وعياش يحياوي الحائز على جائزة العويس وفضيلة الفاروق وحرز الله وسمير قاسمي والخير شوار وأسماء أخرى مثل جوادي وحمدي ومفلاح وحمري وأزراج الحائز على جائزة اللوتس وعامر وفاسي والزاوي وزتيلي ومنور وشكيل وبلحسن وجلطي والأعرج وبوشحيط ووبوجادي وفلوس وفني وحديبي ومرياش وميلود حكيم وطاهوري وبن خليفة وأسماء ذات أداء قوي نال كثير منها جوائز عربية ودولية أمثال دحية وصديقي وظريف وإسماعيل يبرير والراحل مالك بوذيبة، وأخرى صاعدة بقوة تنبئ بمهارات إبداعية عالية وبشهادات نقاد وقارئين جيدين للمشهد الثقافي العربي. لم يقتصر التفوق على الأدب، وطال السينما والمسرح والتشكيل وعليه نحن مطمئنون لمستقبل الثقافة الجزائرية بتنوعها اللغوي خاصة ما اتصل باللغة الأمازيغية، حيث بدأت ملامح المنجز الأدبي والسينمائي والمسرحي تظهر جليا وتؤكد حضورها الوطني، إذ تمت ترجمة رواية أحلام مستغانمي «الأسود يليق بك» للأمازيغية وأعمال أخرى في خطوة لتعزيز مكانتها في الساحة الثقافية الجزائرية، وبالتالي فلا جدوى من تجزئة حركة الثقافة الجزائرية. بعيدا عن المجايلة في الثقافة الجزائرية، لا يمكن القفز على المرحلة الأكثر سوادًا في حياة الجزائر المستقلة، وهي التي سعى فيها الإرهاب إلى تدمير ركائز الدولة وكتم أنفاس الكتاب والصحافيين، إذ إن الطاهر جاووت، ويوسف سبتي، وبختي بن عودة، وعبد القادر علولة، وسعيد مقبل، وعز الدين مجوبي، وجمال الدين زعيتر، وحسني شقرون، ومحمد الصالح باوية، والهادي فليسي، وغيرهم من الذين امتدت إليهم يد الغدر والإرهاب كانوا في جبهة الفكر التنويري لمقاومة الفكر التدميري، وبالتالي لا يمكن تجاوز كل هذه التحولات بأسئلة تمجد مرحلة وتلغي مراحل.
* التكوين الذي كان قائما حتى وقت غير بعيد تسبب هو الآخر في تراجع الحياة الفنية بشقيها المسرحي والسينمائي، والمواهب الكثيرة التي برزت في السنوات الأخيرة ليست في مستوى تقنيات وموجات الإبداع المعاصر وورثت من الجيل السابق الخطاب السياسي، وهذا ما لاحظه نقاد عرب وأجانب أعجبوا بقدرات الكثير من الفنانين الجزائريين في أكثر من مهرجان عربي وفي مهرجان قرطاج المسرحي بوجه خاص.. ما تعليقكم؟
- أنت تتحدث عن تراجع ثم عن إعجاب ومع هذا أعود لأؤكد لك أن وزارة الثقافة لا تصنع الثقافة، إنما تسيرها، وإن كان الهدف الأسمى هو الإصلاح الثقافي وصناعة الثقافة الحديثة لا يستلزم أبدا إنشاء معاهد لتكوين الشعراء والأدباء والفنانين.
* هذا تأويلكم للتقدم، سيادة الوزير، وأنا أحترمه.. والدليل على أن حديثي عن التراجع لا يشمل الأدب لخصوصيته الإبداعية القائمة على الموهبة الإنسانية بالأساس، إيماني بقدرات العشرات من الكتاب الشبان غير المعروفين بالقدر الكافي في الخارج بسبب غياب استراتيجية ثقافية مدروسة تمكن من إيصال الصوت الجزائري الفكري والأدبي في الخارج على مدار العام وليس فقط بمناسبة المهرجانات والمعارض التي تبرز فيها الأسماء الكبيرة، وحتى توزيع الكتاب غير مهيكل داخليا مهنيا ولا يكشف عن توجهات وميول واهتمامات القراء؟
- سؤالكم على قدر كبير من الأهمية، واللغة لم تكن في يوم من الأيام حاجزا أمام التعايش الثقافي، سواء داخل حيز ثقافي واحد أو بين أكثر من حيز. نعتبر في وزارة الثقافة أن التعدد اللغوي ظاهرة صحية وضرورية، وأن هذا النقاش والحراك الحاصل أمر طبيعي جدا، ولذلك تجدنا نعمل على السير بهذا الاختلاف نحو التكامل الذي يمنح الإضافة اللازمة للشخصية الثقافية الجزائرية المتنوعة. من هنا، فإننا نهيب بكل المثقفين والكتاب الجزائريين، بغض النظر عن توجهاتهم، أن يساهموا في هذا المسعى. أما الخلافات الآيديولوجية المرتكزة أساسا على خلافات سياسية جوهرية فهي لا تعنينا تماما، لكننا نسعى من خلال الفعل الثقافي الرزين والهادئ والطموح إلى أن نجمع بين كل اتجاهات الثقافة بكل محمولاتها معتقدين أن أي نقاش ثقافي يحدث هو إضافة لسياسة البلد الثقافية. أما الحديث عن وجود طلاق وانغلاق ففيه كثير من المغالاة وأنتم بحاجة إلى إعادة تحميض الصورة.
* كيف ذلك علمًا بأن المثقفين المعربين والمفرنسين الذين يتواصلون مع بعضهم البعض لا يكاد يذكر ويتوقف على بعض الكتاب المعروفين من أمثال واسيني والزاوي وبوجدرة وأن كل جناح مخندق في جبهته والمعرب لا يقرأ للمفرنس والعكس صحيح؟
- هذه الصورة التي تعطونها وأنتم في باريس.
* أخيرًا كيف بقيتم تكتبون رغم انشغالاتكم كوزير؟
- أصر على أن الكتابة التزام مني تجاه القارئ وتجاه نفسي، ولم أكن في يوم من الأيام متفرغًا للكتابة، لكنني أبذل جهدًا إضافيًا على حساب العائلة والأصدقاء لأكتب.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».