صقلية تحتفل بسبعة أنواع من السمك وإيطاليا لا تستغني عن «البانيتوني»

موائد أعياد الميلاد في أوروبا.. بين السمك واللحم والحلوى

صقلية تحتفل بسبعة أنواع من السمك وإيطاليا لا تستغني عن «البانيتوني»
TT

صقلية تحتفل بسبعة أنواع من السمك وإيطاليا لا تستغني عن «البانيتوني»

صقلية تحتفل بسبعة أنواع من السمك وإيطاليا لا تستغني عن «البانيتوني»

تعتبر الدول الأوروبية، الدول الأكثر اهتمام بعشاء عيد الميلاد، وقد أسست لهذا التقليد على اختلاف طوائفها المسيحية منذ زمن طويل. وعلى الرغم من أن معظم البلدان تتشارك في استخدام الأسماك كأطباق رئيسية، فإن معظمها يلجأ إلى اللحوم والطيور كأطباق رئيسية كما هو الحال في العالم الجديد والولايات المتحدة الأميركية، وتستخدم أطباقها التقليدية المحلية للمناسبة الخاصة.
ويكثر في إسبانيا استخدام التاباس أي المازات أو أطباق المازة الصغيرة وطبق الباييلا والجبنة والنقانق والقريدس الطويل المعروف باللونغستينو المقلي، بالإضافة إلى شوربة «دي باسكادو يا مريسكو - de Pescado y Marisco» البحرية التي تشمل الصدف والقريدس والسمك. وتعتبر هذه الشوربة أساسية من أساسيات وجبة أعياد الميلاد قبل تناول طبق اللحم الرئيسي. وعادة ما يتم تناول الشوربة مع الخبز الفرنسي الطويل والهليون الأبيض بالزيت والخل. أما الأطباق الرئيسية فقد تكون لحم غنم بالفرن (كورديرو أسادو) أو سمك القد المملح أو ديك الحبش المحشو بالكمأة. أما الحلويات فقد تضم حلوى لوز التورون - Turrón وبسكويت أو كعك البولفورونس - Polvorones المصنوع من اللوز والكعك الطري.
تشمل الوجبة الرئيسية لعشاء عيد الميلاد في البرتغال، الكالماري والقرديس والأسماك وعلى رأس اللائحة أطباق سمك القد المملح والمجفف الذي يطلق عليه اسم باكالها - Bacalhau. وهي أطباق معروفة ومشهورة في المناسبات الشعبية والدينية وتعرف أيضا في المستعمرات البرتغالية السابقة ككيب فيردي وماكاو والبرازيل وغاوا وإسبانيا والنرويج وغيرها. ويقال إن عدد وصفات أطباق الباكالها في البرتغال يصل إلى ألف وصفة ووصفة كما هو الحال مع ألف ليلة وليلة. ويكثر استخدام البطاطا والبصل والزيتون والبندورة في تحضير بعض الأطباق وقد أصبح القد غالي الثمن في السنوات الأخيرة بسبب الضرر الذي أصاب الثروات البحرية خلال العقود الماضية. ويعود تاريخ استخدام البرتغاليون للقد المجفف والمملح حسب الموسوعة الحرة إلى القرن الخامس عشر، حيث كانوا يطلقون عليه لقب «الصديق الوفي» - Fiel amigo. ويقول البعض إن البرتغاليين والإسبان أخذوا واستوحوا الطبق من بلدة كريستيانسوند في النرويج التي كانت المصدر الأساسي للقد المجفف في القرن الثامن عشر، وكان يطلق عليه آنذاك اسم كليبفيسك - klippfisk التي تعني «سمك الجرف» لأن السمك كان يجفف بكميات كبيرة على المنحدرات الصخرية.
ومن أشهر أطباق القد المجفف هي: الباكالها كوم تودوس - الباكالها آباراس - الباكالها نو فورنو كوم شيبولادا - الباكالها سوادو ليزبوا. ويحضر طبق قد الباراس الذي يحمل اسم مؤلفه من شرائح القد المجفف والبصل والبطاطا المقلية التي توضع في البيض المقلي ويزين بالزيتون الأسود.
في إيطاليا، ككثير من بلدان العالم، تختلف أطباق الإقليم والمناطق الشمالية عن أطباق الأقاليم الجنوبية، أي من روما جنوبا.
وتشمل أطباق الميلاد الشوربة وبشكل خاص الشوربة المصنوعة بالباستا المحشية باللحم أو الجبن مثل التورتليني، والتي عادة ما تغلى بصلصة الدجاج أو اللحم. كما يتناول الإيطاليون في الشمال الطيور المحشية على أنواعها بعد طبخها بالفرن أو غليها وإضافة الصلصة إليها كصلصلة الخردل وغيره. أما في الجنوب فيستخدمون الحنكليس المقلي أو لحم الغنم أو السمك على أنواعه. أما الحلويات فتكون كعكة الشمال وميلان بشكل خاص مخلوطة بالصنوبر والفاكهة والزبيب وعادة ما يطلق عليها اسم باناتوني - panetone. ويلي ذلك حلوى النوغا
أو تورين نوغا المحشوة بالمكسرات. أما في الجنوب فيقدمون حلوى المرصبان - marzipan أو معجون اللوز التي تصنع من اللوز المطحون والسكر وماء زهر الليمون وبعض الملونات، والبسكوت وحلوى الزيبولا - Zeppola التي تشبه الدونات وهي عبارة عن عجينة مقلية مغطاة بالسكر ومحشية بالكاسترد والكريم والعسل. ومن الحلويات التي يتناولها في جنوب إيطاليا الكانولي - Cannoli وهي من حلويات صقلية الشهيرة التي يعني اسمها كما هو شكلها «أنبوب صغير». والأنبوب عادة ما يكون مقليا محشو بالكريم أو الجبنة وخصوصا جبنة الريكوتا الطيبة.
وبالعودة إلى تناول السمك في المناطق الجنوبية جنوب روما وخصوصا في جزيرة صقلية ومدينة نابولي، تشير المعلومات المتوفرة أن الإيطاليين في الجنوب كانوا يصومون عشية عيد الميلاد أي اليوم السابق للعيد حتى المساء وكانوا يمتنعون عن الإفطار بتناول اللحم قبل قداس عيد الميلاد منتصف الليل وكانوا يتناولون سبع أنواع من السمك بدلا منه، ولم يكن يتم التعامل مع اللحم إلا في اليوم التالي. ولا أحد يعرف تماما لماذا كان الأمر يتوقف على سبعة أنواع من السمك وما كان يعني الرقم وما إذا كان رمزا لأيام الأسبوع أو عدد الأيام التي خلق فيها الرب الكون. على أي حال فإن أنواع الثروات البحرية التي كانوا يتناولها كانت تشمل سمك القد المجفف (الباكالها)، الحبار (الكالماري)، القريدس، المحار، بلح البحر، السرطان والسمك الأبيض أو السمك المفلطح كما يطلق عليه.
كما كان الطليان يتابعون تقاليد محددة مع السمك فأحيانا ما يقدمون ثلاث أطباق من السمك وأحيانا تسعة أطباق وأحيانا أخرى ثلاثة عشر طبقا، وذلك للتعبير عن كثير من الرموز الدينية المسيحية كالحكماء الثلاثة والثالوث والعائلة المقدسة والرسل الاثني عشر والمسيح عليه السلام وغيره.
وهناك تركيز على السمك في كثير من البلدان الأوروبية لرمزيته الدينية مثل البرتغال وتشيكيا وبولندا التي تقدم في عيد الميلاد اثني عشر طبقا للدلالة على عدد الأشهر في السنة.
وعلى سيرة بولندا، يعتبر عشاء عيد الميلاد هناك أكبر عشاء في السنة، ويضم كمية كبيرة من الأطعمة والأطباق كما هو الحال في عيدي الفطر والأضحى عند بعض الدول الإسلامية. وعلى الأقل هناك اثنا عشر طبقا تيمنا بالرسل الاثني عشر، وتضم الأطباق التي لا تضم أي نوع من اللحوم العادية، سمك الشبوط المحشي والمقلي وسمك الرنجة بصلصة الكريم والفاكهة المطبوخة الكومبوت وسلطة الخضراوات التي تضم الشمندر والفطر والجزر والبطاطا والبازلاء ومخلل الملفوف وصلصة الكريم وكعكة بذور الخشخاش. وعادة ما يترك الناس صحنا فارغا على المائدة لزائر غير متوقع، كما يلجأ البولنديون إلى كعك الزنجبيل والعسل أيام عيد الميلاد.
يعتمد أهل النرويج على بعض الأطباق أثناء عيد الميلاد وأهمها أطباق اللحوم مع صلصة المشمش وخل الملفوف وأحيانا ضلوع الغنم المرغوبة جدا في غرب البلاد. ولا يزال البعض يلجأ إلى ما يعرف بلوتفيسك - Lutefisk وهو سمك مقدد أو مجفف وعادة ما يكون من أنواع القد أو سمك اللينغ أو سمك الحدوق وغيره. ومن الحلوى يعشق النرويجيون الأرز بالحليب أو بودينغ الأرز مع ماء التوت أو خلاصة التوت.
أما في السويد فكان عشاء الميلاد يعتمد قديما على طبق الكوارع، أما الآن فيعتمد على ثلاثة أطباق رئيسية، الأول يعتمد على السمك وأحيانا ما يكون سمك الرنجة المخلل أو سمك السلمون المملح مع البطاطا المسلوقة والخبز المحمص. أما الطبق الثاني كما تشير الموسوعة الحرة، فهو قطع من اللحم البارد، النقانق والجبنة وباتيه الكبد التقليدي مع البطاطا المسلوقة والخبز المحمص. أما الطبق الثالث فهو عادة يشمل كرات اللحم المطبوخة والنقانق المقلية أو طبق جونسونس فريستيلز Janssons frestelse الذي يشمل يخنة البطاطا والبصل والخبز ومخلل سمك الرنكة بالكريم.
ولا بد من الذكر أن أهل السويد يبدأون عشاء عيد الميلاد عادة بالمشروبات الحارة والتوابل «واللوز الأبيض، الزبيب والزبيب مع كعك الزعفران وبسكويت الزنجبيل». ويقول الموقع الرسمي للسويد بالعربية، إن السويد ابتكرت أشهر «سملجوسبورد» في العالم، يتكون من طاولة يقدم عليها أطباق كثيرة لأطعمة متنوعة تقدم معًا في وقت الكريسماس - وهي تحتل مركز الصدارة في ذلك، فقد قامت السويد بابتكار نوع آخر يلقب بأم الـ«سملجوسبورد»، وهو «يولبورد» ويعني «عشاء الكريسماس».
عادة ما يتجمع الهولنديون يوم عيد الميلاد حول المقلى لقلي ما لذ وطاب من المأكل: الخضراوات واللحوم والأسماك والقريدس على شكل مازة أو أطباق صغيرة إلى جانب شتى أنواع السلطات والفاكهة والصلصات. وعلى الأرجح أن يكون ذلك التقليد مستوحى من الأطباق الإندونيسية الصغيرة التي عرفاها الهولنديون أيام استعمارهم للبلد الآسيوي العريق.
كما يلجأ الهولنديون أثناء عشاء الميلاد إلى لحم البقر المشوي والبط ولحم الأرانب والتدرج إلى جانب الخضار كالبطاطا والسلطة وأحيانا كثيرة إلى الديك الرومي كما هي العادة في بريطانيا هذه الأيام.
أما في ألمانيا فيعتمد عشاء الميلاد على عدد من الأطباق أهمها الإوز المشوي بالفرن وسمك الشبوط النهري المشوي والبط إلى جانب البطاطا بالفرن والملفوف الأبيض والأحمر وكرنب بروكسل. وأحيانا يلجأ بعض الألمان إلى النقانق الألمانية الشهيرة وسلطة البطاطا وحلوى المرزبان وحلوى ليبكوتشين أو ما يعرف بكعكة العسل وكعك الفاكهة وخبز الفاكهة مثل الـ«ستولين» المحشي بالفاكهة والزبيب والمغطاة ببودرة الزنجبيل والسكر.
أما في الدنمارك، فيشمل عشاء الميلاد على البط واللحم والإوز إلى جانب البطاطا والملفوف الأحمر والصلصة، ويلي ذلك بودينغ الأرز أو الأرز بالحليب الذي يقدم مع خلاصة الكرز واللوز.
ومن الأطباق الهامة التي يمكن أن يلجأ إليها الدنماركيون أيام الميلاد، أطباق معروفة تاريخيا مثل، فطائر التفاح بالحليب، البطاطا بالكراميل، البط بالتفاح والبرقوق - Andestegmed æbler og svesker. ويحتاج تحضير طبق البط بالتفاح والبرقوق إلى: بطة واحدة (3000 جم) - ملعقة ملح
3 حبات تفاح - 150 غرام برقوق - ¾ لتر من الماء - و3 ملاعق طعام من دهن البط، معلقتي طعام من الدقيق، ومرق اللحم لتحضير الصلصة. أما وصفة بودينغ الأرز - Riz a l›Amande
فتشمل قشر اللوز والسكر والفانيليا بعض المشروبات الإسبانية الحلوة والقشدة.
وفي آيرلندا يشمل عشاء الميلاد اللحوم والديك الرومي إلى جانب كرنب بروكسل والبطاطا بالفرن والجزر المسلوق. ولا يزال كثير من الناس يستخدمون الإوز والبط كما كانت العادات القديمة في البلاد وأحيانا الدجاج. ويستخدم البعض لحم البقر المتبل مع الحشو وصلصة اللحم أو صلصة المشمش. أما الحلوى فتعتمد على ما يطلق عليه كريسماس بودينغ أو بودينغ الخوخ وفطيرة اللحم والفاكهة المفرومة المعروفة بالمينس باي - mince pie. وهي فطيرة جاء بها المحاربون الأوروبيون من بلاد الشام أثناء الحروب الصليبية. وتضم الفطيرة اللحم المفروم والفاكهة وخصوصا التفاح وقشور الليمون والسكر والطحين والزبدة والبيض مع القرفة والقرنفل وجوز الطيب. ولا يتوقف استخدام هذا النوع من الفطائر في آيرلندا، إذ تستخدم في كثير من البلدان الأنغلوساكسونية مثل إنجلترا واسكوتلندا ونيوزيلندا وأستراليا وكندا وغيرها.



«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».


مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
TT

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن في فترة ما بعد رمضان وخلال عطلات الصيف، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى. فخلال العام الماضي، استقبلت أحياء «سوهو»، و«فيتزروفيا»، و«مايفير»، و«دالستون» سلسلة من المطاعم التي تعكس تحولاً ملموساً نحو المساحات الأكثر خصوصية والأعلى تركيزاً.

يواصل مطبخ شرق البحر المتوسط توسيع نطاق حضوره، بينما تخطف القوائم المعتمدة على المكونات الموسمية الطازجة الأنظار. كما تعيد المقاهي الهادئة التي تعتني بتفاصيل التصميم الزخم إلى ثقافة الحياة الليلية في العاصمة. وتوفر هذه الافتتاحات الأخيرة، في مجملها، صورة واضحة ومباشرة للوجهات التي تجسد نبض لندن العصري في الوقت الراهن.

فيما يلي نماذج منتقاة لأبرز المطاعم التي أُطلقت في لندن خلال العام الماضي، وهي وجهات افتُتحت مؤخراً وباتت بالفعل محور حديث النخبة في كافة أنحاء المدينة.

أطباق صغيرة في مطعم كامارا (الشرق الاوسط)

إيسز فود كرافت (Aces Food Craft)

مطعم فاخر في قلب فيتزروفيا يعكس مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»

شهد حي «فيتزروفيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، انطلاقة مطعم «إيسز فود كرافت»، وهو أول مشروع مستقل للثنائي «ألكساندرا يازيفيكا» وزوجها «أليكس كراسيوم».

يرتكز هذا المطعم الذي يتميز بأجوائه الحميمية على مفهوم الطهي القائم على جودة المكونات، حيث يقدم تجربة عشاء راقية ومبتكرة تستلهم جوهرها من أفضل المحاصيل البريطانية. وتتجلى في أطباقه خبرة «أليكس» العريضة التي اكتسبها في أرقى المطابخ العالمية، بما في ذلك مطاعم حائزة على نجمة ميشلان في طوكيو. وبعد مسيرته السابقة بوصفه رئيس الطهاة التنفيذي في مطعم «سوشارو» الشهير، يقود «أليكس» اليوم مطبخاً يقدم طهياً دقيقاً يحتفي بالمكونات الأساسية، ضمن أجواء دافئة صُممت لتمنح الزائر شعوراً بالألفة وكأنه في منزله، بعيداً عن صرامة المطاعم الرسمية التقليدية.

أغرودولتشي (Agrodolce)

بصمة روما الكلاسيكية تحط الرحال في لندن

مطعم أغرودولتشي من الخارج (الشرق الاوسط)

افتتح مطعم «أغرودولتشي» أبوابه في شارع «شارلوت» بحي فيتزروفيا في مارس (آذار) 2025، لينقل تقاليد الطهي الرومانية الأصيلة إلى قلب لندن. يصب المطعم جُل اهتمامه على المعكرونة المحضرة يدويا والأطباق الكلاسيكية العريقة، مثل «كاريبونارا» و«أماتريشيانا» و«توناريلي بالزعفران»، إلى جانب قائمة مختارة بعناية من المقبلات والحلويات. ويعكس تصميم المكان روح نظيره في روما، حيث تزدان المساحات بطاولاته الرخامية، وأواني الخزف الإيطالية العتيقة، مع توفير خيارات لتناول الطعام في قاعات خاصة. ويحافظ «أغرودولتشي» على التزام صارم بالوصفات التقليدية، والمكونات عالية الجودة، وأصول الضيافة الإيطالية البسيطة وغير المتكلفة.

أوتومات (Automat)

جوهرة أميركية خفية في قلب «مايفير»

افتتح مطعم «أوتومات» أبوابه في شارع «ماونت» بحي مايفير في نوفمبر 2025، ليقدم مفهوماً راقياً ومجدداً للمطبخ الأميركي في المنطقة.

وبإشراف من مجموعة «وان لوكشري غروب» وبإدارة «كريس سيدون» بوصفه مديراً للعلامة التجارية، يعيد المطعم صياغة كلاسيكيات المائدة الأميركية من أوائل ومنتصف القرن العشرين برؤية عصرية حديثة. ويتميز الوصول إلى المطعم بخصوصية تامة عبر متجر الجلود الفاخرة «تانر كرول»، حيث تبرز المساحة التي تتسع لـ58 ضيفاً كوجهة حميمية تحاكي نمط «البارات السرية»، ويقدم أطباقاً أميركية كلاسيكية بلمسات مخملية راقية. وتجمع الديكورات الداخلية من تصميم استوديو «توميف» بين سحر الأصالة القديمة والبراعة الحديثة، لتقديم أصول الضيافة الأميركية بروح «مايفير» المتميزة.

براذر ماركوس (Brother Marcus)

مطعم شرق المتوسط المفضل يتوسع في «سوهو»

مأكولات براذر ماركوس (الشرق الاوسط)

في سبتمبر (أيلول) 2025، حطَّ مطعم «براذر ماركوس» رحاله في شارع «بولاند» بحي سوهو، ناقلاً نكهات شرق البحر المتوسط إلى قلب وسط لندن. يشتهر المطعم - الذي أسسه «تاسوس غايتانوس» و«أليكس لارج» - بأطباقه السخية الشهية المفعمة بالنكهات المستوحاة من تقاليد الطهي العريقة في شرق المتوسط، والتي تُقدم في أجواء مريحة تُعنى بأدق تفاصيل التصميم. يمتد فرع «سوهو» على طابقين، ويقدم خدماته على مدار اليوم؛ بدءاً من أطباق الفطور المتأخر الراقية وصولاً إلى أطباق «المزة» المخصصة للمشاركة. وتعكس قائمة الطعام عقداً من التطوير، مرتكِزة على لمسات مستوحاة من جزيرة كريت وأسلوب الطهي التشاركي الودود.

كراست بروس (Crust Bros)

بيتزا نابولي الحائزة على الجوائز تتألق في «كوفنت غاردن»

بيتزا "كراست بروس" الحائزة على عدة جوائز (الشرق الاوسط)

تُعد «كراست بروس» علامة لندنية مرموقة حائزة على «جائزة البيتزا الوطنية» لمرتين متتاليتين؛ وتشتهر بعجينتها ذات الحواف المحمرة والمميزة بنقشة «جلد النمر»، وبيتزا نابولي المُخصصة حسب طلبات الضيوف، حيث تمزج بين التقنيات التقليدية واللمسات العصرية المبتكرة.

وفي يوليو (تموز) 2025، افتتحت العلامة أكبر فروعها حتى الآن في حي «كوفنت غاردن» وهي مساحة تمتد على طابقين، وتتسع لـ135 ضيفاً في شارع «بيدفورد» في قلب منطقة «ويست إند»، حيث تُحضر العجينة طازجة يومياً وتُترك لتتخمر ببطء لمدة تصل إلى 72 ساعة قبل خبزها في درجات حرارة عالية للحصول على قوامها الهش الفريد. ويمكن للضيوف ابتكار البيتزا الخاصة بهم أو الاختيار من قائمة الأطباق المفضلة، إلى جانب أطباق جديدة حصرية، فضلاً عن الآيس كريم «الجيلاتو» بالتعاون مع «لا جيلاتيريا».

باراسول (Parasol)

إيقاعات «الديسكو» تعيد صياغة السهرات في شرق لندن

انطلق «باراسول» في منطقة «دالستون» في مايو (أيار) 2025، بوصفه أول مشروع مشترك بين «آندي كير» و«توم غيبسون»، الثنائي الذي يقف وراء عدد من أبرز الوجهات اللندنية المرموقة، مثل «ذا صن تافرن»، و«ديسكونت سوت كومباني»، و«ذا أمبريلا ووركشوب».

ويتخذ «باراسول» موقعاً مميزاً في طابق تحت الأرض جرى تحويله بالكامل في شارع «ستوك نيوينغتون»، حيث تبرز الديكورات ذات الطابع الترابي مع لمسات مغربية ومكسيكية ناعمة. ويضفي منسقو الأغاني طابعاً خاصاً على الأمسيات التي تمتد حتى الثانية صباحاً، بمختارات موسيقية مستوحاة من حقبة «ديسكو نيويورك» في أوائل الثمانينات، مما يجعلها وجهة مثالية لمن يبحث عن تجربة ليلية مفعمة بالحيوية والزخم.


من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
TT

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص، وتشكيلات المزّة العامة. غير أن هذا المطبخ بدأ اليوم يبرز بوصفه تأثيراً طهوياً مستقلاً، يحظى بقبول متزايد بين روّاد الطعام في الهند.

في مدنٍ هندية متعددة، بات الطعام السعودي يجد موطئ قدمه تدريجياً، لا عبر تسويقٍ صاخب أو بهرجة قائمة على كونه موضة جديدة أو تجربة غريبة مؤقتة، بل من خلال إحساس عميق بالألفة لا يزال المتذوّق الهندي في طور اكتشافه.

ولم يعد هذا المطبخ حكراً على مطابخ الجاليات أو الفعاليات المؤقتة في الفنادق، بل أخذ يتجذّر بثبات في مطاعم الأحياء، وإقامات الطهاة المنسّقة، وأنماط الطعام الحضرية.

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

ويكمن جوهر هذا التحوّل في تنامي التقدير للطهي القائم على المكوّنات، وتقنيات الطهي البطيء، وثقافة الأكل الجماعي، وهي قيم راسخة منذ زمن طويل في كل من المطبخين السعودي والهندي.

وقد أسهمت عروض طهوية حديثة، في مقدمتها فعالية «المائدة السعودية» التي أشرف عليها الشيف كونال كابور، أحد أبرز رواة القصص الطهوية في الهند، في إبراز هذه القرابة الثقافية بوضوح أكبر، مقدمةً المطبخ السعودي لا باعتباره غريباً، بل قريباً ومألوفاً على نحو هادئ.

يعيد كابور تقديم أطباق مثل الكبسة والمنسف وأرز الزعفران بالمأكولات البحرية، بأسلوب يتّسم بالأناقة والتوازن اللذين اشتهر بهما. وحتى الحلويات، مثل بانا كوتا الورد والفستق، وإبداعات التمر واللوز، والبقلاوة الغنية، تحمل بصمته المميّزة: تحافظ على جوهرها التقليدي الحقيقي، وفي الوقت نفسه تقدَّم بأسلوب مهني راقٍ وتقنيات عالية دون تشويه أصلها.

السليق على الطريقة السعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف كابور، الذي لعب دوراً محورياً في تعريف الجمهور الهندي بعمق المطبخ السعودي عبر تجارب طعام منسّقة: «الطعام السعودي لا يحاول أن يبهرك، بل يطعمك. إنه صادق، قائم على المكوّنات، ومبني على المشاركة. وهذه قيم يفهمها المطبخ الهندي جيداً».

مطبخ يبدو مألوفاً

حين وصف الشيف كابور المطبخ السعودي بأنه الأقرب إلى مطبخ ولاية بيهار شرق الهند، أثار ذلك دهشة الكثيرين، إلا أن المقارنة لم تكن مجازية؛ فكلا المدرستين الطهويتين تعتمدان بدرجة كبيرة على الحبوب والبقوليات والأرز والخضراوات واللحوم المطهوة ببطء، مع نكهات تُبنى عبر العطر لا الحدّة.

الجريش السعودي (شاترستوك)

وقال كابور خلال إطلاق «المائدة السعودية» في مطعم «ون 8 كوميون» بمدينة غورغاون: «لو طُلب مني أن أربط النكهات السعودية بأي منطقة هندية، لاخترت بيهار. التقنيات، والإحساس بالراحة، وحتى طريقة مشاركة الطعام، كلها أمور تبدو مألوفة. الفارق الأكبر هو الزيت؛ نحن نستخدم زيت الخردل، وهم يستخدمون زيت الزيتون. تغيّر الزيت يغيّر الإحساس بالنكهة، لكن بنية الطبق تبقى متشابهة بوضوح».

كما يسلّط كابور الضوء على مكوّنات سعودية مثل الباذنجان والزعفران والتمر والأعشاب، مشيراً إلى مدى انسجامها مع الذاكرة الطهوية الهندية. ويقول: «الطهي السعودي لا يُخفي المنتجات المحلية تحت طبقات متعددة من التوابل، بل يبرز نكهاتها الطبيعية من خلال تقنيات بسيطة مثل الشواء، والطهي البطيء، أو التحميص».

ويحرص كابور على كسر الفكرة الشائعة التي تختزل المطبخ السعودي في كونه مطبخاً واحداً متجانساً أو مجرد «مطبخ صحراوي». ويوضح: «السعودية تضم جبالاً وسواحل والبحر الأحمر وشِعاباً مرجانية، فضلاً عن المأكولات البحرية ولحم الضأن والحبوب، وطيف واسع من الأطباق النباتية». وهو مطبخ تشكّل بفعل الجغرافيا والتجارة، أكثر من اعتماده على كثافة التوابل. وتشكل مكوّنات مثل التمر والقمح والأرز والزعفران والهيل والليمون المجفف والأعشاب أساس الوجبات اليومية، وتُحضَّر باستخدام الشواء والطهي البطيء والتحميص، وهي أساليب مألوفة بعمق في المطابخ الهندية.

وفي إحدى أمسيات أيام الأسبوع في حي أوكلا بدلهي، لم يعد من غير المألوف رؤية روّاد يتشاركون أطباقاً كبيرة من المندي، الأرز طويل الحبة المعطّر بالهيل والقرنفل، الذي تعلوه قطع من الدجاج أو لحم الضأن المطهو ببطء. وما كانت يوماً وجبة للحنين تُطبخ بهدوء في بيوت المهاجرين، بدأت اليوم تتسلّل إلى أروقة المدن الهندية وتثبت حضورها في مشهدها الغذائي.

وغالباً ما يصف الطهاة الهنود العاملون بالمطبخ السعودي دورهم ليس كمبتكرين، بل كمترجمين؛ إذ يكمن التحدّي في الحفاظ على رصانة الطبق داخل ثقافة طعام تشتهر بالوفرة.

كبسة سعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف أنس خان، الذي يدير مطبخاً عربياً: «الطهي الهندي قائم على تعدد التوابل، بينما الطهي السعودي قائم على معرفة متى تتوقف. إذا بالغت، تفقد روح الطبق. هذا مطبخ الانضباط». ويؤكد الشيف كابور المعنى نفسه قائلاً: «لا يمكنك فرض الطابع الهندي على الطعام السعودي. إن فعلت ذلك، يفقد الطبق نزاهته. الفكرة ليست في المزج، بل في الفهم».

جذور في التجارة والهجرة

هذا التقارب ليس وليد الصدفة. فقد ربطت الهند وشبه الجزيرة العربية عبر قرون طويلة طرق تجارة بحرية، تبادلتا خلالها التوابل والأرز والمعرفة الطهوية.

وفي العقود الأخيرة، عمّق الشتات الهندي في السعودية، وهو من أكبر الجاليات الوافدة في المملكة، هذا التبادل. فقد سمحت المطابخ المنزلية والطهاة والموائد المشتركة بانتقال النكهات والتقنيات عبر الأجيال. والنتيجة ليست اندماجاً بمعناه الحديث، بل تداخلاً: مطبخان نشآ كل على حدة، لكنهما ظلا في حوار دائم.

ومع عقود من الهجرة إلى السعودية، دخلت كثير من الأطباق البيوت الهندية قبل أن تصل إلى المطاعم. ويقول الشيف روحان، الذي نشأ في عائلة ذات صلات وثيقة بالسعودية: «بالنسبة لنا، هذا الطعام يجسّد مشاعر الحنين؛ إذ يذكّر الناس بآباء عملوا في الخارج، وبموائد العيد، وبالأطباق المشتركة. المطاعم لا تفعل اليوم سوى اللحاق بما عرفته البيوت منذ زمن».

لماذا أصبح الذوق الهندي أكثر تقبلاً الآن؟

يكتسب توقيت بروز المطبخ السعودي في الهند أهمية خاصة. ويقول الشيف الشهير رانفير برار: «روّاد المطاعم في الهند اليوم باتوا أكثر سفراً وفضولاً، وأقل اهتماماً بالطعام الغريب أحادي البعد. فهناك شهية متزايدة للأصالة، سواء داخل الهند أو خارجها. والطعام السعودي، بتركيزه على الراحة والألفة، ينسجم طبيعياً مع هذا التحوّل».

ويرى برار أن أقوى صلة بين الثقافتين تكمن في طريقة تناول الطعام نفسه، ففي السعودية تُقدَّم الوجبات في أوعية كبيرة تُشارك بين أفراد العائلة والضيوف الجالسين معاً، وهو ما يعكس التقاليد الهندية التي ترى في الطعام تعبيراً عن الضيافة لا مجرّد عرض.

ويؤمن الشيف كابور بأن هذا القبول ينبع من الألفة لا من عنصر التجديد، فيقول: «الطعام السعودي لا يصدم الذوق الهندي، بل يطمئنه. التقنيات بسيطة، والنكهات صادقة، والطعام مُعدّ للمشاركة. وهذا أمر يفهمه الهنود بالفطرة».

فالسليق، عصيدة الأرز الكريمية الغنية بالمرق والحليب، تجد ما يقابلها في الأطعمة التي يأكلها الهنود للشعور بالراحة. والجريش المصنوع من القمح المجروش يذكّر بأطباق الحبوب الشائعة في شمال وشرق الهند. وحتى شوربات العدس المنتشرة في البيوت السعودية تبدو مألوفة على الفور للذوق الهندي في الطعام.

مدن هندية يترسّخ فيها الطعام السعودي

لم يكن نمو المطبخ السعودي في الهند متكافئاً، لكنه حمل دلالات مهمة.

فإلى جانب منطقة دلهي الكبرى، برزت بنغالورو بوصفها مركزاً مهماً، مدفوعة بجمهورها من الطلاب والعاملين في قطاع التكنولوجيا ذوي الخبرة الخليجية. وتحتضن أحياء مثل فريزر تاون وكاماناهالي مطاعم تتمحور حول المندي، حيث تُقدَّم الأطباق الكبيرة للأكل باليد، تماماً كما في البيوت السعودية.

وبالمثل، أظهرت مدينة حيدر آباد، ذات الإرث العريق المرتبط بالأرز، تقبّلاً خاصاً لهذا المطبخ. ويشير طهاة محليون إلى أن المندي يبدو مألوفاً للمدينة التي نشأ سكانها على أكل البرياني. ويقول أحد الطهاة في حيدر آباد: «الناس يفهمون منطق الطبق فوراً. الأرز يحمل نكهة اللحم؛ ولذا فهو ليس غريباً على الإطلاق».

أما كيرالا التي توصف بأنها «بلاد الله»، فإنها تتصدر القائمة.