أطلق بنك الاحتياطي الفيدرالي حملة جديدة أول من أمس، لرفع أسعار الفائدة وإعادة الاقتصاد الأميركي إلى وضعه الطبيعي، مع إعراب المسؤولين عن ثقتهم في قدرتهم على فصل حالة الاقتراض الرخيص من دون عرقلة أو إيقاف الانتعاش الاقتصادي الحالي.
وفي تصويت بالإجماع، رفع البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية، وهي زيادة طفيفة، ولكن الأولى من نوعها منذ تقليص أسعار الفائدة حتى المستوى الصفري قبل سبع سنوات في جهد غير مسبوق لمواجهة ووقف الأزمة المالية. ويعكس القرار المتخذ أول من أمس ثقة المسؤولين في مرونة التعافي الاقتصادي، ولقد ارتفعت الأسهم في «وول ستريت» عقب ذلك الإعلان، حيث شهد مؤشر «داو جونز» الصناعي ارتفاعًا بمقدار 224 نقطة، أو ما يعادل 1.28 نقطة مئوية، وصولاً إلى 17.749.
وصرحت جانيت يلين، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي، في مؤتمر صحافي عقد أول من أمس (الأربعاء): «أعتقد أن الصحة الأساسية للاقتصاد الأميركي سليمة تماما».
بالنسبة للأسر الأميركية العادية، فإن قرار البنك المركزي يعني أن تكاليف الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، سوف تشهد ارتفاعًا كبيرًا، خصوصًا إذا ما رفع البنك المركزي السعر المستهدف إلى أكثر من ذلك خلال العام المقبل.
ولكن بنك الاحتياطي الفيدرالي لم يحدد جدولاً زمنيًا دقيقًا بشأن خطوته المقبلة، وتعهد بسحب دعمه للتعافي الاقتصادي تدريجيًا. ويعتقد بعض المحللين أن البنك المركزي سوف يضطر بدلا من ذلك إلى تغيير اتجاهه، فلقد كان التوسع الاقتصادي في البلاد ملاحقًا من قبل التقلبات في أسعار النفط، والتباطؤ الذي تشهده الصين والنمو العالمي البطيء، كما أن المقاربة الحذرة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي تعد اعترافًا منه بالعمل داخل منطقة مجهولة، وأن التقدم المطرد أمر غير مضمون.
وقالت السيدة يلين: «لقد مضى وقت طويل منذ أن رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في البلاد. وأعتقد أنه من الحكمة أن نكون قادرين على رؤية تأثير ذلك القرار على الأوضاع المالية والإنفاق في الاقتصاد».
كانت المرة الأخيرة التي رفع فيها بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في عام 2006، وذلك قبل إنتاج هاتف «آيفون». وكثير من الشباب البالغين ممن كانوا يبحثون عن أول منزل لهم أو يشغلون أولى وظائفهم على منصات التداول في «وول ستريت» لم يعرفوا معنى زيادة أسعار الفائدة، ويبقى أن نرى كيف سيتكيفون حاليًا مع البيئة الجديدة.
حدد تصويت البنك المركزي أول من أمس، من الناحية الفنية، سعر الفائدة بين ربع إلى نصف نقطة مئوية في سعر الفائدة المؤثر. بالإضافة إلى ذلك، ويستخدم بنك الاحتياطي الفيدرالي أدوات مالية جديدة ومعقدة في تنفيذ رفع أسعار الفائدة، مما يخلق مستوى آخر من عدم اليقين.
يقول دون كوهن، النائب السابق لرئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي والزميل البارز حاليا لدى معهد «بروكينغز»: «أعتقد أنه من الصعب الآن التكهن بمدى قوة احتياجهم إلى استخدام تلك الأدوات. وعليهم معرفة ذلك أثناء متابعة العمل على ذلك».
من شأن هذه الخطوة أن تكتب كلمة النهاية لأسعار الفائدة المتدنية على الرهن العقاري تلك التي حفزت طفرة إعادة التمويل، وساندت ارتفاع أسعار المنازل. كما أنه من المتوقع كذلك ارتفاع تكاليف قروض السيارات، مما يؤدي إلى مواراة واحدة من ألمع البقاع المضيئة في الاقتصاد الأميركي. ولقد تنبأ أحد التحليلات الأخيرة أن الزيادة بمقدار نقطة مئوية واحدة في أسعار الفائدة من شأنه أن يبطئ مبيعات السيارات بأكثر من ثلاث نقاط مئوية كاملة.
أما المدخرون، رغم ذلك، فقد يبدأون في الشعور في نهاية الأمر ببعض الارتياح بعد سنوات من العوائد الضئيلة على الاستثمارات في الأصول الآمنة مثل شهادات الإيداع وصناديق أسواق المال. ومع ذلك، يحذر المحللون من أن أي تحسن سوف يكون بطيئًا.
يقول مايكل تومسون، رئيس خدمات «ستاندرد آند بورز» الاستشارية للاستثمار: «ربما لن تشهد العوائد تحسنًا سريعًا بما فيه الكفاية من زاوية أولئك الأفراد الذين عانوا بالفعل عبر خمس سنوات من عوائد الدخل الثابت المنخفضة وغير المناسبة بصورة تاريخية غير مسبوقة».
انخفض معدل البطالة إلى النصف منذ بلوغه الذروة محققًا عشر نقاط مئوية في أعقاب الكساد الكبير. وتظهر التوقعات الرسمية الصادرة أول من أمس إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يعتقد انخفاض معدل البطالة إلى 4.7 في المائة خلال العام المقبل قبل أن تشهد ثباتًا متوقعًا. ولقد أضاف الاقتصاد الأميركي مزيدًا من الوظائف خلال 69 شهرًا متعاقبة، وهي أطول فترة متواصلة على الإطلاق.
وفي الوقت ذاته، فإن أوسع مقاييس الصحة الاقتصادية - أي وتيرة التوسع الاقتصادي - قد سجلت تقدمًا بواقع نقطتين مئويتين في السنوات الأخيرة، وهي وتيرة راسخة، رغم أنها غير مذهلة. وتوقع المسؤولون ارتفاع تلك الوتيرة إلى متوسط 2.4 نقطة مئوية في عام 2016.
وقالت السيد يلين: «يشير هذا الإجراء إلى نهاية فترة السنوات السبع الاستثنائية. لقد مر التعافي الاقتصادي بطريق طويل للغاية. على الرغم من عدم اكتماله بعد».
في واقع الأمر، تعد وتيرة التوسع الاقتصادي بطيئة بشكل كبير عما كانت عليه قبل الأزمة المالية. كان النمو في الأجور شبه متوقف، كما فقد كثير من العمال العاطلين الأمل أكثر من أي وقت مضى في العثور على وظيفة.
لكن المسؤولين في بنك الاحتياطي الفيدرالي يعتقدون أن تصحيح تلك المشكلات يقع على عاتق المشرعين في واشنطن، وليس على عاتق صناع السياسة المالية. ففي أعقاب الأزمة المالية أعرب البنك المركزي في كثير من الأحيان عن خيبة أمله حيال المأزق السياسي الذي أدى إلى تخفيضات هائلة في الإنفاق الفيدرالي، وتعطيل الأداء الحكومي، والتهديد باختراق سقف الديون الوطنية. والأضرار الاقتصادية الناجمة عن ذلك جعلت من بنك الاحتياطي الفيدرالي أكثر ترددًا فيما يتعلق بالسحب العاجل للدعم.
في ذات الأثناء، وجه المشرعون الانتقادات الحادة إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي إزاء مجاوزة حدود سلطاته، فبالإضافة إلى تخفيض أسعار الفائدة المستهدفة إلى المستوى الصفري، ضخ بنك الاحتياطي الفيدرالي ما يقرب من 3.5 تريليون دولار في الاقتصاد، واشترى سندات الخزانة طويلة الأجل والسندات المدعومة بالرهن العقاري. ولقد مرر النواب الجمهوريون بمجلس الشيوخ مشروع قانون الشهر الماضي يحاول كبح جماح البنك المركزي من خلال اشتراط اعتماده لقواعد محددة في وضع أسعار الفائدة، وتفسير السبب عندما لا يحدد البنك أسعار الفائدة.
يقول النائب جيب هينسارلينغ (جمهوري - تكساس)، الذي يترأس لجنة الخدمات المالية في مجلس الشيوخ، في تصريح له أول من أمس إن «أسعار الفائدة المخفضة بصورة مستمرة لم تساعد بوضوح على حل المشكلة، وإلا كان المواطن الأميركي اليوم غير عالق في أبطأ وأسوأ حالة من الانتعاش الاقتصادي نشهدها في حياتنا».
وعلى الجانب الآخر من الأحداث، يشعر بعض النواب الديمقراطيين حاليا بالقلق أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد تحرك سريعا للغاية؛ حيث يشرف النائب جون كونيرز (ديمقراطي - ميتشغان) على اقتراح من شأنه أن يجعل الوصول بمعدل البطالة إلى 4 في المائة أحد الأهداف الأساسية لبنك الاحتياطي الفيدرالي. وقال النائب كونيرز، في بيان له، إنه «من غير المقبول لأي فرع من فروع الحكومة اتخاذ أي إجراء لإبطاء اقتصاد البلاد من غير إتاحة الفرصة للشعب الأميركي بالإحساس بانتعاش فرص العمل والنمو الفعلي للأجور». كان توقيت أول ارتفاع لأسعار الفائدة محفوفًا بالمخاطر، ولقد حاول بنك الاحتياطي الفيدرالي تأخير الإعلان عن رفع أسعار الفائدة المستهدف، نظرًا للتباطؤ الشديد في التعافي الاقتصادي.
داخل البنك المركزي كان كبار المسؤولين السبعة عشر منقسمين أغلب أوقات العام. ولقد كان جيفري لاكر، محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع ريتشموند، إلى جانب لوريتا ميستر محافظة بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع كليفلاند، مستعدين لرفع أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا الصيف، ولكن اثنين من أعضاء مجلس محافظي البنك في واشنطن، وهما ليل برينارد ودان تاروللو، إلى جانب تشارلز إيفانز، محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع شيكاغو، طالبوا بالانتظار حتى عام 2016.
طالبت السيدة يلين، أول من أمس، بأن يستغرق بنك الاحتياطي الفيدرالي ما يكيفه من الوقت للتماهي مع اقتصاد البلاد، و«أن مزيدًا من التأخير من شأنه أن يسبب تضخمًا في التعافي الاقتصادي، ويؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في أسعار الفائدة؛ ذلك الذي يزيد من خطر وقوع الركود غير المقصود في الاقتصاد»، كما قالت. ولقد شددت السيدة يلين على أن التحرك التدريجي في زيادة أسعار الفائدة يعني أن «موقف السياسة النقدية يبقى ملائمًا».
ولقد قالت السيدة يلين أيضا إن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف ينظر في كل من التحركات «المحققة والمتوقعة» حيال التضخم، وسوق العمل، والتطورات المالية والدولية حال اتخاذ القرار بشأن الخطوة التالية. لكنها امتنعت عن الإدلاء بمزيد من التفاصيل بشأن القياسات المعينة التي تحدد الإجراءات المتخذة من جانب البنك المركزي. وصرحت السيدة يلين للمراسلين بقولها: «سوف أعطيكم صيغة بسيطة لما نحتاج إلى رؤيته حيال التضخم حتى يمكننا رفع أسعار الفائدة مرة أخرى».
توقع مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي أول من أمس أن المعدل القياسي سوف يرتفع إلى متوسط 1.4 نقطة مئوية بحلول نهاية عام 2016، متوقعين تكرار رفع سعر الفائدة مع كل اجتماع يعقد خلال العام المقبل. وانخفضت التوقعات بشأن العامين التاليين قليلا مما كان البنك المركزي قد توقعه خلال الخريف؛ حيث هبطت تقديرات سعر الفائدة المستهدف من 2.6 إلى 2.4 نقطة مئوية في عام 2017، ومن 3.4 إلى 3.3 نقطة مئوية في عام 2018. ويجادل خبراء الاقتصاد، بمن في ذلك الخبراء داخل البنك المركزي، ما إذا كانت أسعار الفائدة سوف تعود مجددًا إلى مستوياتها ما قبل الأزمة المالية.
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»
«الاحتياطي الفيدرالي» يعيد الاقتصاد الأميركي إلى «الوضع الطبيعي»
رفع الفائدة ليؤكد ثقته في انتعاشه ومرونته
«الاحتياطي الفيدرالي» يعيد الاقتصاد الأميركي إلى «الوضع الطبيعي»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
