السعودية.. مهد التحالفات والمواقف الداعمة للدول العربية والإسلامية

أبرزها تحالف 35 دولة لنبذ العنف وتحقيق السلام

جنود سعوديون يؤدون الصلاة في صورة تعود إلى ديسمبر 1990 في أثناء مشاركتهم في عاصفة الصحراء لتحرير الكويت من الغزو العراقي (غيتي)
جنود سعوديون يؤدون الصلاة في صورة تعود إلى ديسمبر 1990 في أثناء مشاركتهم في عاصفة الصحراء لتحرير الكويت من الغزو العراقي (غيتي)
TT

السعودية.. مهد التحالفات والمواقف الداعمة للدول العربية والإسلامية

جنود سعوديون يؤدون الصلاة في صورة تعود إلى ديسمبر 1990 في أثناء مشاركتهم في عاصفة الصحراء لتحرير الكويت من الغزو العراقي (غيتي)
جنود سعوديون يؤدون الصلاة في صورة تعود إلى ديسمبر 1990 في أثناء مشاركتهم في عاصفة الصحراء لتحرير الكويت من الغزو العراقي (غيتي)

نجحت السعودية في تحقيق الغاية الرائدة في جمع الكلمة الإسلامية ببلورة «التحالف العسكري الإسلامي»، وذلك في ثلاثة أيام استغرقت لتحديد الأسس التي يعمل بها التحالف الناشئ، المولود بضخامة العدد، والأهداف الواضحة عبر 34 دولة، ترفع راية الإسلام الداعية في أصولها إلى نبذ العنف وتحقيق السلم.
وهذا التحالف قد يكون الأقوى، الذي يجمع الدول الإسلامية والعربية نحو هدف واحد، ليس فقط في الجانب العسكري، بل يتعداه إلى جوانب أمنية وكذلك فكرية وإعلامية، وفق ما أعلنه الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد وزير الدفاع، أول من أمس في الرياض.
وشكلت الزيارات التي قصدت العاصمة الرياض خلال الأشهر الماضية، اتجاهات إلى استشراف تحالفات أسرع من التحالفات الغربية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، وطوت السعودية خلافاتها، أو جعلتها في هامش، في ظل تهديدات جمة تهدد أمن واستقرار المنطقة ودولها، وإن كان صوت تنظيم داعش هو الأعلى. لكن الرياض في رسالتها، التي أعلنها الأمير محمد بن سلمان، كانت شاملة في جمع التنظيمات باعتبارها العدو في الاستهداف، وحشد التحالف ضدها.
وأشار ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى أن الدول الإسلامية تضررت كثيرا من آفة الإرهاب قبل المجتمع الدولي، وقال إن التحالف سيمكن الدول الإسلامية من وضع حد ضد الإرهاب وتنظيماته مع شراكة دولية، فيما أكد البيان المشترك للدول المشاركة أن هذا التحالف جاء لحماية الأمة من شرور كل الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة، أيا كان مذهبها وتسميتها، والتي تعيث في الأرض قتلا وفسادا، وأشاد ولي ولي العهد بالأداء الكبير لولي العهد الأمير محمد بن نايف في اجتثاث الإرهاب.
من جهته، أشاد الباحث السياسي عارف المسعد لـ«الشرق الأوسط» بمضمون نص البيان الذي أعلن عن إنشاء التحالف، وبالمشاركة الواسعة التي نجحت السعودية في ضمها لمحاربة الإرهاب، وقال إن هذا التجمع الإسلامي وبهذا العدد من الدول هو نتاج دبلوماسية فاعلة، لمت الشمل الإسلامي، في وقت يعتبر مهما جدا بسبب تنامي تهديد التنظيمات الإرهابية لبعض الدول الإسلامية والعربية، مضيفًا أن تعزيز التعاون لمكافحتها، وتطوير العمل المشترك في هذا المجال سيحقق الفائدة المرجوة من هذا التحالف.
ورأى المسعد أن هذا العمل المشترك سيظهر الوجه الحقيقي للإسلام، القائم على التعايش والوئام مع الآخر، مؤملا بتفعيل الجوانب الإعلامية لتوضيح حقيقة هذا الدين، وأن ما يمارسه التطرف المفضي إلى الإرهاب ليس من الدين الإسلامي في شيء.
بدوره، عبر فهد القناعي، الخبير الأمني الكويتي، في تحليله للجوانب الأمنية أن «التحالف العسكري الإسلامي» سيمكن الدول الواقعة تحت تهديد الإرهاب، من الاستفادة من الخبرات المتقدمة في مكافحته، خاصة من دولة السعودية، التي تملك رصيدا وخبرة متعددة الجوانب في معالجة التطرف ومكافحة الإرهاب، وفي التعامل القانوني تجاهه.
وقبل هذا التحالف الأكبر والأشمل في تاريخ الدول الإسلامية، صنعت الرياض عدة مواقف نبيلة وداعمة لتقوية المواقف العربية والإسلامية:
سعت السعودية بقيادة ملوكها إلى حلحلة كثير من القضايا العربية الشائكة، بدءا بأكثر الأزمات أهمية بالنسبة للرياض، وهي القضية الفلسطينية، حيث كانت تحركات ملوك السعودية سابقًا تعمل على تحقيق وجود للدولة الفلسطينية واعتراف المجتمع الدولي بها، وفي هذا السياق، كان الملك فهد - رحمه الله - أول من أطلق مبادرة شهدت جدلا كبيرا بين عدد من الدول العربية، قبل أن تجعلها دول العالم العربي مبادرة أساسية في العمل، حيث شهدت مدينة فاس المغربية إطلاق المبادرة العربية عام 1981، بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
وعلى ضوء تلك المبادرة، جاءت مبادرة الملك عبد الله - رحمه الله - في بيروت عام 2002 (كان ولي العهد حينها) ذات مضمون مشابه، وأصبحت اليوم ركيزة في القمم العربية، وهي تنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية التي تحتلها منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية وفق قرارات الأمم المتحدة، ولم تدع السعودية في تاريخها إلى التطبيع مع إسرائيل، بل كانت تصر على مبدأ «السلام الشامل»، رغم كل العقبات التي كانت تواجهها السعودية.
كما سعت السعودية إلى توحيد الموقف الفلسطيني، خاصة بين الحركتين فتح وحماس، حيث عملت الرياض على تحقيق التكامل والوئام بينهما من أجل نصرة القضية، وكان ذلك في «اتفاق مكة» بين الفرقاء من فتح وحماس عام 2007، حيث تم الاتفاق حينها على حرمة الدم الفلسطيني، وتشكيل حكومة توافق وطنية، وتعزيز العمل السياسي المشترك بين الحركتين.
وفي عام 1973 كانت «حرب أكتوبر (تشرين الأول)» شاهدا على المواقف السعودية القوية، وكانت الحرب العربية - الإسرائيلية، حيث خاضت السعودية رغم تواضع عتادها مواجهة عسكرية لا تزال مذكورة حتى اليوم في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
شاركت السعودية بكتيبة أمنية خاصة في لبنان ضمن فريق «القوة الأمنية العربية» عام 1975، ساهمت في تعزيز الأمن حول عدد من المنشآت الدبلوماسية لعدد من الدول، وتسيير دوريات أمنية لفض الاشتباكات بين المتظاهرين، إضافة إلى حماية وتوزيع الإعانات الإغاثية والإنسانية للمتضررين. وتحولت تلك المشاركة السعودية التي تمت عبر جامعة الدول العربية إلى قوة «ردع عربية».
كما لعبت الرياض دورا مهما وطويل الأمد لإنهاء الصراع والحرب الأهلية في لبنان منذ 1975، انتهاء باتفاق الطائف التاريخي سنة 1989، وكانت وسيطا فعالا في التوصل إلى الحل التاريخي، الذي لا يزال اليوم صامدا في وجه كل الوكلاء الذين يسعون إلى إسقاطه. وفي عام 1976 استضافت الرياض قمة، شارك فيه زعماء مصر وسوريا والكويت ولبنان وفلسطين، وكان الهدف المباشر للمؤتمر معالجة أحداث القتال في لبنان بين اللبنانيين أنفسهم، وبين بعض اللبنانيين والفلسطينيين.
كانت الأحداث السوداء التي خيمت على المنطقة الخليجية، بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية التي امتدت لأكثر من ثمانية أعوام، مبررا واقعيا لسعي دول الخليج إلى تشكيل منظومة خليجية، وسعيها نحو مد التحالف بشكل أكبر عبر «مجلس التعاون الخليجي»، الذي يعد اليوم أقوى تحالف عربي، وأكثره استمرارية مقارنة بالاتحادات العربية الأخرى التي لم تستمر. وقد احتضنت الرياض مقر الأمانة العامة لدول الخليج الست، وعملت على تكثيف العمل من أجل الدول والشعوب الخليجية، من خلال مشاريع مشتركة، تصب في مصلحة المنطقة، وفي هذا السياق كانت السعودية منطلقا لعمليات تحرير الكويت من غزو النظام العراقي عام 1990، حيث أصبحت الرياض وقتها مقرا لعمليات مشتركة لأكثر من ثلاثين دولة، شاركت في دعم الشرعية الكويتية الساعية إلى إنهاء الاحتلال العراقي للأرض الخليجية.
وقد قادت السعودية حملة دبلوماسية عبر المنظمات الدولية لاستنكار الاعتداء، ودعم قرار عسكري بإنهائه، عبر عدد من الحلفاء، فكانت الرياض ممهدا لإصدار مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 678، الذي يأذن لدول التحالف الدولي باستخدام القوة إذا لم ينسحب العراق من الكويت.
وفي عام 2005 استضافت الرياض مؤتمرا دوليا لمكافحة الارهاب شارك فيه اكثر من 50 دولة وعددا من المنظمات الدولية والاقليمية وأقر المؤتمر الذي رأسه وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز - رحمه الله - بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، ودعا المؤتمر إلى أهمية ترسيخ قيم التفاهم والتسامح والحوار، والتعددية والتعارف بين الشعوب والتقارب بين الثقافات، ورفض منطق صراع الحضارات، ومحاربة كل آيديولوجية تدعو للكراهية وتحرض على العنف وتسوغ الجرائم الإرهابية.
كما عملت السعودية على استضافة مؤتمر عربي دولي لمكافحة تنظيم داعش الإرهابي خلال العام الماضي، حضره وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الولايات المتحدة ولبنان والأردن ومصر، وعدد من وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، وكانت مخرجات الاجتماع منطلقا لقيام تنظيم دولي لمحاربة «داعش»، والقيام بحلول سياسية من أجل حل الأزمة السورية. جاءت في سياق التفاهمات بين الرياض والقاهرة، عقب توقيع محضر إنشاء مجلس تنسيق سعودي - مصري، لتنفيذ «إعلان القاهرة»، والملحق التنفيذي المرافق للمحضر، وقد أوضح السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مصر، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أن مجلس التنسيق المشترك بين البلدين سيتولى الإشراف على تقديم المبادرات، وإعداد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية في المجالات المنصوص عليها في إعلان القاهرة، ومتابعة تنفيذها، ومن بينها استكمال التوافق المصري - السعودي فيما يخص عملية إنشاء القوة العربية المشتركة، تمهيدًا لإنهاء الإجراءات ذات الصلة مع الدول العربية الشقيقة، الراغبة في المشاركة في هذه القوة.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.