من كان يظن أن عام 2015 سينتهي بكل مآسيه وأحزانه وفواجعه دون أن يتوصل العالم إلى «اتفاق» بشأن لون الفستان الاسكوتلندي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس؟!.
هيمن ذلك الفستان على أحاديث الناس كمباريات كأس العالم، حتى أن موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» قال قبل يومين إن (هاشتاغ) الفستان حظي بأكثر من 4.4 مليون تغريدة خلال يومي 26 و27 فبراير (شباط) الماضي فقط، وكان على مستوى العالم الأكثر نشاطًا من حيث إعادة التغريد.
قصة هذا الفستان التي شغلت العالم بدأت حين نشرت المغنية الاسكوتلندية كايتلين ماكنيل عبر حسابها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لفستان ارتدته والدة عروس صديقة لها في حفل زفاف، وأرسلته المغنية الاسكوتلندية لصديقتها لتبدأ الاثنتان في جدال حول لون الفستان.
وحشر مغردون آخرون أنفسهم في هذا النقاش الذي قسَمَ العالم إلى (فسطاطين): من يرون الفستان باللونين الأزرق والأسود، ومن يرَونه أبيض وذهبيًا!.
والمحزن أن هذا الْعَام يوشك على الانصرام دون أن يحسم هذا الجدل الذي اجتذب في يومين أكثر من أربعة ملايين مغرد.
هل كان هذا العالم خالي الوفاض من الهموم حتى تفرغ هذا الحشد الهائل للنقاش والجدال عَنْ فستان سيدة أوروبية ستودعه خزانة ملابسها لأمد طويل؟.
ألم يجدوا قضية أخرى تشغل بالهم، كالمصاعب الاقتصادية، والتضخم، والأمن والإرهاب الأسود الذي يفتك كالطاعون بالعالم، أو طوفان المهاجرين، أو أي قضية أخرى، عوضا عن ذلك الفستان؟.
الموضوع بذاته ليس سخيفا، أو عديم الجدوى، بل ربما كان مؤشرا إيجابيا على حجم هذا العالم وتداخله واتصاله وتواصله، ربما كان نموذجا لحوار بارد وهادئ ومفيد بين أجزاء المعمورة، قد يمثل بساطة الناس وحسن تواصلهم، ربما كان مجرد صورة لطبيعة البشر الذين لم تقسمهم العقائد والسياسات فانكشفوا على سجيتهم البسيطة يتداولون النقاش في القضايا اليومية العادية كفستان العرس وطبق اليوم وآخر طرفة متداولة.
لكن الحقيقة مختلفة، وهي أن هذا العالم محشور في سفينة تتلاطم حولها الأمواج من كل ناحية وتتقاذفها التيارات وفي جوفها أشقياء وانتهازيون ومخربون وقطعان من الذئاب المتوحشة تنشر الرعب والخراب في كل مكان. هنا يصبح هذا النقاش ترفا وعبثيا. وهنا يتضح حجم الغبن الذي نرزح تحته، صار هذا النوع من «السوالف» بالنسبة لنا أمنية بعيدة المنال، ليس على مستوى المثقفين والناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل في حاراتنا وبيوتنا وفي جلسات الآباء والأمهات مع أطفالهم، لقد اختطفت صورتنا وفرض عليها نسق صارم، ورؤية متعصبة وغير متسامحة تجاه القضايا، وتوتر عال تجاه الأحداث، وشعور مزمن بالخوف والقلق.
نعم أصبحنا نحن إلى صورتنا القديمة التي تألف وتتآلف، تحب وتحزن، تغني المواويل وتبيت لا تحمل ضغينة أو حقدا أو خوفا من الصباح، ولا تتفرس الوجوه لتكتشف أيها أقرب أو أبعد، تلك كانت صورتنا البسيطة قبل ثوراتهم وصحواتهم وآيديولوجياتهم السقيمة، وتلك كانت صورتنا قبل أن يحشروا فكرهم وخطاباتهم بيننا، وتلك كانت صورتنا قبل التوحش باسم «الجهاد»، وتقسيم الناس باسم الدين، وقبل أن يطلقوا علينا ذئابهم المنفردة.
الحنين للفستان الأزرق
https://aawsat.com/home/article/515491/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%86%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D8%B1%D9%82
الحنين للفستان الأزرق
الحنين للفستان الأزرق
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


